من المستفيد من إجهاض مشروع الحكم الذاتي في منطقة القبايل الجزائرية؟

Publié le par ذ.عبد الرحمن مكاوي

سأحاول في هذه العجالة تقديم منطقة القبايل للقارئ العربي مع أهم المحطات التاريخية و السياسية لهذه الجهة التي تتميز بخصوصياتها الذاتية و هويتها البربرية و طابعها الثقافي المميز. منطقة القبايل هي منطقة جبلية تقع في شمال الجزائر و سكانها يطلقون عليها "تامورين لقبايل" أي ارض القبائل ، لها ساحل يمتد  مئات الكيلومترات . و قد تناولها عالم الاجتماع العربي ابن خلدون في مذكراته عندما  سماها بولاية بجاية او فدرالية القبائل "تماوي". وهنا ينبغي الفصل بين القبايل الكبرى و القبايل الصغرى. الأولى عاصمتها تيزي اوزو، والتانية بجاية. اما سكانها فهم يمثلون أكثر من 5 ملايين نسمة تقريبا،الغالبية منهم تقطن في الجزائر العاصمة وفي الخارج (فرنسا-أوربا- كندا....)، إنهم بربر الجزائر و لغتهم هي التامزيغت.

بالنسبة للديانة، فهم مسلمون ولكن نجد أقلية مسيحية (وزير المالية اسماعيل محروق في حكومة بومدين) ولا دينية، فالمنطقة عرفت كل الديانات الثلاثة التي تفاعلت في البحر الأبيض المتوسط، فبعد الإغريق و الرومان، استقبلت منطقة القبائل الإسلام حيث نشأت دولة الحماديين واتخذت من بجاية عاصمة لها، اما الفاطميون فقد تحالفوا مع قبيلة كتامة القبايلية، تحالف مكن الدولة الفاطمية في الاتساع شرقا حتى وصلت سوريا، فتركوا حكم المغرب الأوسط للحماديين، الذين هم فرع من دولة الزيريين، تم تبعهم الموحدون و الحفصيون الى غير ذلك..... (عبد المومن الموحدي اول بربري وحد المغرب العربي).

قبل و خلال الإمبراطورية العثمانية، نشأت في منطقة القبائل دولتين صغيرتين، سلطنة كوكو بزعامة احمد بلقاضي ومملكة ايت عباس، و تمتعت كلتا الدولتين باستقلال ذاتي و إداري في علاقاتها بمحمية الجزائر العثمانية (باي الجزائر).

دخول فرنسا سنة 1887 الى منطقة القبايل، كان تحولا كبيرا في جميع بنيات المنطقة و نسيج المجتمع، ولوج الاستعمار كان صعبا نظرا للثورات المتعددة التي قوبل بها (ثورة المقراني.....)، تعاملت فرنسا مع هذه الانتفاضات بقمع شديد و تهجير و تشريد للكثير من سكان القبايل (تهجير نحو كالدونيا الجديدة مثلا)، لقد خضع سكان القبايل الى عمليات إدماج قصرية (تغيير الأسماء العربية و تعميم الحالة المدنية الفرنسية). وتمكن الفرنسيون سطحيا بتحطيم وحدة سكان القبايل الذين أصبحوا مولاة و معارضة، فتنفيذ سياسة فرنسة كل جوانب الحياة الإنسانية من خلال طمس الهوية الإسلامية البربرية لهذه المنطقة كانت لها نتائج سيئة و سلبية على الإنسان القبايلي أثناء الاستعمار وبعد  الاستقلال سنة 1962. ان تدجين البربر من طرف بن بلة و بومدين في عهد الرئيسين الأولين للجزائر، كانت له ردود فعل متفاوتة بين استقرار هش و توتر عنيف، ردود فعل مست أسس الدولة الجزائرية الحديثة، دولة قامت على مبادئ شرعية الثورة التي تنصهر داخلها كل الثقافات و الإثنيات و الهويات و اللغات، لقد سعى الاستعمار الى فصل هذه الجهة وسكانها عن باقي مناطق الجزائر الأخرى تحت شعار القبايل منطقة مختلفة عن الولايات الأخرى طبقا لمنهج فرق تسد. إضافة الى هذا شجعت فرنسا الكنيسة الكاثوليكية على إقامة عدة دور للعبادة في المنطقة (الآباء البيض)، فنجحت في تمسيح بعض أهالي القرى و الأحياء و العروش، وأصبح تعليم اللغة الفرنسية تعليما إجباريا على جميع فئات المجتمع القبايلي. في هذا السياق، أشير الى دور الماسونية بكل فروعها من جهتها في نشر العلمانية و الإلحاد، فكان رد فعل أغلبية السكان هو مقاومة الغزاة وثقافاته الاندماجية،  خاصة وان المنطقة منطقة غابوية، جبلية، مليئة بالأحراش والأودية ، ان هذه التضاريس الطبيعية ساعدت على بروز حرب العصابات. فجبهة التحرير الوطني انطلقت من جبال الأوراس، واغلب المنخرطين فيها سنة 1954( جنودا وقادة) كانوا من سكان القبايل ( عبان رمضان، كريم بلقاسم، حسين ايت احمد......). بعد استقلال الجزائر سنة 1962، ظهرت أصوات تنادي بمنح شمال الجزائر حكما ذاتيا يحفظ لها هويتها البربرية الخا صة ( اللغة، الجغرافيا، العادات و التقاليد)، نظرا لكونها كانت المحرك الرئيسي في النضال ضد الاستعمار، فقوبل هذا الطلب بقمع كبير سنة 1963، سنة رفع فيها لأول مرة شعار "لا للحزب الوحيد نعم للديمقراطية و المشاركة السياسية". تطورت هذه الأحداث إلى مجابهات دامية بين الحكم المركزي العسكري وأغلبية السكان ( الحرب الأهلية الأولى الجزائرية) ، هنا  انطلقت  الشرارة الأولى لفكرة الحكم الذاتي لمنطقة القبايل عبر مظاهرات و اعتصامات منظمة في جميع أنحاء المنطقة، مطالبة بالاعتراف باللغة الأمازيغية و المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي للدولة الجزائرية الحديثة. ان الربيع البربري الأول دارت شعاراته حول ضرورة الاعتراف للقبايل بهويتهم ككيان مختلف عن باقي الولايات الأخرى. أمام هذه الانتفاضات الشعبية المتتالية التي كانت تحمل مشروعا سياسيا واقتصاديا وثقافيا، قامت الدولة الجزائرية بالتعريب الفوري الإجباري لمناهج التعليم،  تم حاربت اللغة الأمازيغية بغية استئصالها من المجتمع، برنامج لعله يحد من مطالب القبايل، سياسة مشددة تهدف إلى انصهار سكان القبايل في المجتمع الجزائري عن طريق اللغة العربية و بالقوة، عملية رفضها السكان جملة و تفصيلا (رفض طريقة تطبيق اللغة العربية و ليس رفض اللغة العربية في حد ذاتها). امتدادا لما سبق، سوف تشهد المنطقة اضطرابات عنيفة أخرى دفعت الدولة الى نشر الكثير من ألوية الجيش و الدرك لإخماد كل تحرك سياسي، وهكذا سكتت منطقة القبايل مرغمة  طيلة حكم الرئيس هواري بومدين رحمه الله، هذا التشدد في تدبير و معالجة هذه الإشكالية القبايلية، قطع كل سبل الحوار مع السلطة المركزية في العاصمة الجزائر لمدة طويلة، اما الربيع البربري الأسود، فقد كان مناسبة أخرى لبروز حركة ثقافية مطالبة بالحكم الذاتي "ماك" بزعامة المغني فرحات مهني وآخرون، فاستطاعت هذه الحركة الديمقراطية الاجتماعية و الثقافية أن تجمع أنصارا كثيرين في بجاية و تيزي اوزو حتى أصبح لها ناطق رسمي وممثلين في كل المنطقة وفي أوروبا كذلك.

ان حركة الحكم الذاتي القبايلية "ماك" طالبت بالاعتراف بالخصائص الثقافية لسكان المنطقة و بالحرية وبالمساواة، فواجهتها الدولة بكل ما تملك من أدوات عنف ودعاية قصد تخوين أعضاء هذه الحركة الثقافية السلمية، باعتبار ان هذا الزعيم القبايلي، أي فرحات مهني هو لعبة في يد الفرنسيين و"الامبريالية العالمية"، ان "ماك" هي دمية حسب الطبقة الحاكمة، تسعى الى تفكيك وحدة الجزائر برمتها في وقت كانت السياسة الرسمية الجزائرية تساند العديد من الحركات القومية و الانفصالية و الإثنية في أوروبا وافريقيا وامريكا اللاتينية و جنوب شرق آسيا ( الباسك، الكورس،الصحراء، الجزر الخالدات،....). انه تناقض ظاهر في السياسة الجزائرية عامة.

بالموازاة مع حركة "ماك"، قامت تنسيقية العروش من اجل المواطنة و هو تنظيم قبلي قاعدي محافظ و جهوي بعيد عن الأحزاب السياسية الرسمية، حركة شعبية تهدف باطنيا الى الحكم الذاتي بالتدرج حسب ما جاء في قراراتها المتخذة في مدينة لاربعا ناترثين، فحركة العروش استطاعت ان تتحول إلى تيار شعبي واجتماعي  واسع، وضع لم يمكنها من بلوغ كل الأهداف التي ناضلت من اجلها رغم توقيع اتفاقية هدنة مع النظام. فبقي القاسم المشترك الوحيد بين الدولة والعروش هو إجهاض مشروع منظمة "ماك" التي تدعو الى الحكم الذاتي في القبايل و تحجيم و تقزيم الأحزاب السياسية القبايلية الرسمية.  فتنسيقية العروش أكدت في برامجها عن شكل معين لحكم ذاتي يلتزم فيه القادة في الجزائر الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية رسمية و إخراج الجيش و الدرك  والاعتراف بالهوية الثقافية لهده المنطقة المتوترة. إلا أن هذا الالتزام لم يطبق كاملا من طرف الدولة، حسب اعتراف منسق العروش مؤخرا . فعوض تطبيق الديمقراطية التشاركية بين الدولة و تنسيقية العروش  أطلقت الطبقة الحاكمة في الجزائر اليد للإسلاميين المتطرفين : الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة الإسلامية من اجل الدعوة و القتال و العصابات المختلفة و تجار المخدرات بالاستيطان بحرية في المنطقة لمعاقبة أهلها الذين نادوا باستقلال ذاتي محدود و مسؤول.

ان السياسة الرسمية الجزائرية المتبعة في منطقة القبايل تدخل ضمن إطار عدم المساس  بتركيبة الدولة الوطنية المهددة في وجودها بسبب التمايز في النسيج الاجتماعي. ان التوتر المستمر في منطقة القبايل هو إشكال ينبغي حله في إطار من الديمقراطية الحقيقية، أزمة لا علاقة لها بما يسمى بالأمن القومي الجزائري ووحدة البلاد.

في هذا الباب تجدر الإشارة، ان اهتمام الغرب بالحركات الامازيغية في الجزائر، يرجع الى كون هذه الدول ترى في حركة مهني وتنسيقية العروش فاعلين سياسيين مهمين سيلعبان دورا أساسيا في مستقبل الجزائر خاصة إذا ما وصلت فيه الأوضاع السياسية لا قدر الله الى مرحلة التفكك و الانهيار. فبعد سبع سنوات على اتفاق العروش مع الدولة الجزائرية على أرضية مشتركة تحدد معالم مشروع ذاتي للمنطقة بالرغم من عدم استعمال التسمية الصحيحة للاتفاق، لازالت القبايل تعيش وضعية مأساوية من جراء انتشار " الإرهاب، العنف، المخدرات، الاختطافات و البغاء"، حالة دفعت الكثيرين من السكان إلى الهجرة الداخلية و الخارجية.

ان سياسة القمع و الحكرة  كسلوك و منهج في  تدبير شؤون القبايل، هي عوامل محركة للنزاعات الداخلية القائمة حاليا و القادمة مستقبلا  إذا لم تستجب الدولة بنية حسنة وفي أسرع وقت للمطالب الثقافية المشروعة للسكان، حتى الأحزاب الرسمية لم يعد لها إلا وجود ضعيف و تأطير نسبي في الجهة، لكون هذه التنظيمات السياسية  تعارض السياسة الفردية والغير ديمقراطية للطبقة الحاكمة في الجزائر، إنها بعض الحقائق التي عملت على طمسها بعض الأجنحة المدنية والعسكرية المتصارعة والمتنافسة على الخلافة في العاصمة الجزائرية. الغرض منها إيصال المنطقة الى درجة من الانهيار و الانكماش أو كما سماها الكاتب الانجليزي هوغ  روبرت "العفونة المنظمة" او كما قالت على منوال وزيرة الخارجية الأمريكية "الفوضى البناءة او الخلاقة". والمقصود هنا هو تركيع أهل القبايل وإجهاض محاولاتهم في إنجاح  مشروع حركة القبايل من اجل حكم ذاتي "ماك" و تنظيم العروش المحافظ في تجسيد الهوية البربرية للقبايل، فكلتا الحركتين طالبتا بإخراج كل رموز الدولة الجزائرية من المنطقة و تحويل كل  وظائف السلطة الى جمعيات العروش والقصور.( برلمان محلي).

ان نظام الحكم الذاتي يخيف أكثر من دولة عربية خاصة حكام  الجزائر، رغم كونه نظام مطبق في العديد من الدول الأوروبية الغنية وحتى الإفريقية و الأسيوية. انه حكم لا مركزي واسع يسمح للديمقراطية التمثيلية في أن تلعب دورها في عملية المشاركة في تدبير شؤون البلاد. إنها الديمقراطية التشاركية.

 

ذ.عبد الرحمن مكاوي

أستاذ العلاقات الدولية

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article