الجنوب الشرقي أو "المغرب الخَنُوع

Publié le par Nidal NIDAL

من الصحافة. موقع هسبريس

 
ميمون أم العيد
Thursday, June 21, 2007
عندما لا نقوى على تغيير الواقع ـ تحسينه و الرقي به ـ نكتفي بتغيير المصطلحات , فابتداع عبارات جديدة تحل محل القديمة المهترئة التي ما عاد والمواطن يصدقها , فالألفاظ كالملابس تماما كلما كثر استعمالها تفقد لونها و نصاعتها , و الأمثلة هنا كثيرة جدا , تعبر بوضوح عن عجز هؤلاء الذين يحكموننا عن تغير الوضع المزري للكثير من المناطق, "فبادروا" إلى تغيير الأسماء و أطلقوا "خططا " تبشر بغد واعد , لكن الحال بقي في مكانه بل ساء في أغلب الحالات , و مسايرة لهذا الطرح ـ و إن اختلفت المقاصد و النيات ـ هناك الكثير من المصطلحات التي يجب أن نعيد فيها النظر , "كالمغرب غير النافع" و "المغرب المهمش" و "المقصي " و" المغرب المحكور " , كلها مرادفات لمعنى وحيد درجنا على استعماله تعبيرا عن الإحتجاج و رفضا للإقصاء الممنهج , و إن كان أصل التسمية دو حمولة اقتصادية منفعية تركه ليوطي و أكده المخزن بمسايرته لتك السياسة التمييزية فإن الناس يطلقونه على كل البوادي و الأرياف دون أي مراعات جغرافية, إلا أنه لا بد أن نؤكد في مقالنا هذا أن ما يصطلح عليه "بالمغرب غير النافع" نافع جدا , فإلى جانب الخيرات الطبيعية والموارد البشرية التي تزخر بها تلك المناطق لو تم استغلالها لصالح تلك المناطق , هناك اليد العاملة التي يعتبر "المغرب غير النافع" مصدرا رئيسيا لها , سواء على المستوى الوطني و الدولي , و عندما جاء " موغا " إلى المغرب بحثا عن يد عاملة تتحمل مشاق العمل للعمل في المناجم و المعامل الأوروبية وجد ضالته في الجنوب الشرقي ووجدوا هم فيه أيضا ضالتهم , ثم إن المستوى التعليمي بهذه المناطق متدن جدا , بسبب قلة المدارس و انعدامها في غلب الأحيان , ثم إن نسبة مغادرة الأطفال للمدارس مرتفعة جدا , نظرا للفقر المدقع , وغياب الوعي بأهمية المدرسة و العلوم بشكل عام , دون أن ننسى أن سكان هذا الجزء من المغرب غير السعيد معروفون بالصدق و الطيبوبة و "المعقول" , ومن شيمهم الصبر و القدرة على تحمل الصعاب , إلا أن المخزن استغل طيبوبتهم وخنوعهم فأهمل مناطقهم وهو الذي يتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة فيما آلت إليه أوضاعهم من ترد .

 

إن المواطنين في هذا الجزء من المغرب ضحوا بالغالي و النفيس من أجل حرية الوطن و وحدته , قبل الإستعمار الفرنسي و أثناءه و بعد "الإستقلال" , , و تعد مقاومة الجنوب الشرقي للإستعمار الفرنسي من أشرس المقاومات في التاريخ , وقد لا يصدق أطفالنا في المستقبل أن تاريخ بلدهم الذي سجل أن فرنسا بعظمتها انهزمت بجيوشها و عتادهاـ الذي لم يرحم طفلا و لم يستثن شيخا ـ أمام المقاومين العطاويين في موقعة البطحاء , سنة 1918 , بل استحوذ المغاربة على عتاد و أسلحة مهمة و غنائم ثمينة بتعبير العالم المختار السوسي (المعسول ـ الجزء16) الذي كتب " أن العطاويون مشهورون بالثبات في المعامع شهرة لا يضاهيم فيها من عاشرهم من الأقوام" , ثم إن المقيم الفرنسي المكلف بالجيش في المنطقة الجنوبية جورج سبيلمان كتب :( كيف السبيل لوقف هذه المعركة؟ لقد كنا نفكر فعلا و في وسائل وقفها، كانوا قد قتلوا كثيرا من رسلنا و ضمنهم أحد المرابطين، و كانوا يسبوننا ليلا من أعلى الجبال، كانوا يقولون: يا نصارى، يا كلاب،اخرجوا من وراء الصخور و قابلونا إن كنتم رجالا ، فلولا مدافعكم و طائراتكم لكنتم نساء.(

 

George Spilman "Les Ait atta du sahara et la pacification du haut Dra".

 

وقد كتب رسالة حينها إلى الحكومة الفرنسية من أكذز , يقول فيها أن جيشه لا يستطيع التحرك ولو خطوة واحدة نظرا لكون المقاومين يقاتلون بروح عالية و كأنهم في لعبة من" لعب الأكشن " لقد كان تكثل كل القبائل في الجنوب الشرقي ضد فرنسا ما جعلها تغادر في اتجاه الريف لتكمل مسلسل "التهدئة " ـ حسب تسميتها ـ وتعود إلى الجنوب بعد عقد من الزمن , بعتاد أكثر فتكا و جيش أكثر استعدادا ولتخضع المنطقة لسيطرة شبه كاملة بعد معركة بوكافر التي لم ينصفها" إعلام البريهي " .

 

إن العودة إلى هذه الحقائق التاريخية ـ و ليسمح لي أهل التخصص ـ ليس انغماسا في أمجاد خلت هي إرث لكل المغاربة ككل البطولات و أمجاد الأجداد , , وإنما وقفة تأمل و تذكير بتاريخ قد لا يستطع أحد تصديقه و يصبح من باب الخرافات عندما يرى الناس ما آلت إليه أوضاع تلك المداشر.قد علق أحد الشيوخ ساخرا : " لقد إستغلتنا فرنسا و نحن صغار في أعمال البناء و تكسير الأحجار في المقالع , و شق الطرق إلى بعض المراكزحيث تتواجد الثكنات الفرنسية, وبعد مرور كل هذا الوقت اتضح أنه لولا فرنسا لما وجدت تلك الطرق أصلا " و أعطى مثالا بالطريق المختصرة التي تربط مركز النقوب ببومالن دادس عبر مسالك جبلية (تازازرتtazazrt) حيث لو تم تعبيدها و استصلاحها لتم فك العزلة عن الكثير من المواطنين الصالحين و لتم اشراكهم في قطف ثمار العولمة. فهل يعرف مخزن الرباط أن هناك مناطق في زاكورة و الراشدية و ورزازات لا زالت تنتظر موكب الحضارة أن يمر بها .

 

هناك من يرجع سبب التأخر الذي يعاني منه "المغرب غير النافع" إلى قيام "المخزن " ببناء المعتقلات و السجون السرية بأكدز , بقلعة مكونة بتاكونيت ن وتازمامارت بالراشدية (...) و تواجد تلك" المنشآت " المهمة جعل من الطبييعي أن تضل تلك المناطق متخلفة و منكوبة لدرجة تحولت معها كل تلك الناطق إلى معتقلات علنية و جماعية و سجونا بلا أسوار , تواجد تلك المعتقلات دفع بذوي النيات السيئة إلى قطع كل ألياف التنمية , حيث تواطؤ المخزن مع الطبيعة ,مما أعطى بيئة جديرة بتلك السجون , كما لن تفوتنا الإشارة إلى أن تواجد تلك " المتاحف" بتلك الأراضي الطاهرة له دور نفسي في صناعة ذلك المواطن الخنوع الذي تنشده الدولة , و ذلك بتسريب معلومات عن طرق التعذيب و أساليب الإستنطاق , و مجرد سماع تلك القصص المرعبة تقشعر له الأبدان و تجعل المرء مستعدا للتنازل عن أي حق مقابل أن يبقى المخزن "على خاطرو". ربما تكفي سيارة درك أو شرطة واحدة حتى و إن كانت فارغة , يكفي تواجدها في مكان ما كي تضن سكينته و تنظيمه.

 

و بعد مرور كل هذا العمر المترع بالخيبات , تأتي الدولة لتعلن رغبتها في طي ملف الماضي و تحقيق المصالحة , متناسية أن المصالحة تكون بالإعتراف بالخطإ و تصحيحه ميدانيا بخبر الضرر , وقد سبق لي أن كتبت في جريدة الأفق الجديد (عدد 5 فبراير 2006 / ع 20) أن الفئة المتضررة جدا من كل سنوات الماضي الذي يريد المخزن أن يقاطعه هم سكان المغرب غير النافع. إذ لا بد من وضع استراتيجية للقضاء على الفقر بتلك الأقاليم و تشجيع كل ما من شأنه أن يساعد على خدمة المواطن , و عندما نقول استراتيجية فلا نقصد ذلك "التاكتيك" الآني الذي تنتهجه الدولة عندما توزع " الصدقات" في تلك القيادات النائية , لترويج تلك الصورة غير الصحيحة على أن المخزن يهتم بكم , ولو كان ذلك كذلك لعبد الطرق إلى مداشرهم و بنى المدارس و المستشفيات و الجامعات , ومعامل بإمكانها انتاج الزيت و يحتفظ المخزن بسكره و شايه لنفسه , ولأعفاهم من التنقل مئات الكيلومترات لأجل ورقة ادارية..تافهة.

 

و في الختام لا بد من التأكيد أن ساكنة " المغرب الخنوع" تستحق أن تخصص لها الدولة برنامجا إنمائيا طارئا ,يقف على مكامن الضعف و القوة وتشجيع كل ما من شأنه أن يخلق رواجا حقيقيا على المديين المتوسط و البعيد , و إذ ندق ناقوس الخطر فلرغبتنا الجامحة في أن يزدهر الوطن و نتساوى في اهتمام الحكومة , و أن تكون الأرض كفيلة بتوفير لقمة عيش لشباب لم يجد بدا من الرحيل . فهل المخزن معنا على الخط؟

 

بريد الكتروني:oumelaid@gmail.com

 

 

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article