أزمة اليسار، أزمة ما بعد الحداثة أم أزمة الفلسفة المعاصرة

Publié le par Nidal NIDAL

تكمن إحدى السمات البارزة لليسار الفرنسي، ولليسار الجذري على وجه الخصوص، في احتضانه لأبرز فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، نذكر منهم ؛ آلتوسير ، سارتر ، كامي ، فوكو، ليوطار ، ديريدا، بودريار ، أونفراي وغيرهم، كما أن ذلك اليسار قد كان فضاء خصبا لتفعيل أهم تيارات ومدارس الفلسفة المعاصرة ، من قبيل الماركسية، الوجودية ، البنيوية، التفكيكية ، فضلا عن مختلف مدارس واتجاهات التحليل النفسي، من غير أن ننسى تيارات الأدب ، المسرح والفنون الجميلة.
لقد ظل اليسار، واليسار الجذري في فرنسا، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، حاملا للواء الفلسفة المعاصرة، فقد كان أهم أداة لتصنيع الأفكار، وأبرز حقل لتجريبها واختبارها، كان المجال الأمثل ( للممارسة النظرية ) إذا ما استعرنا إحدى مفاهيم آلتوسير.
إلا أن هذا الغنى النظري، والثراء الفلسفي الذي ظل يتمتع به اليسار الفرنسي، لم يمنعه من الوقوع في أزمة خانقة، أزمة تكاد اليوم تعصف به من أساسه.
فإلى أي حد يمكننا أن نعتبر بأن أزمة اليسار، واليسار الجذري في فرنسا، ما هي في آخر المطاف إلا تكثيف لأزمة ترخي بثقلها على الفلسفة المعاصرة؟

لقد شهد اليسار الفرنسي خلال الانتخابات الأخيرة، انتكاسة لن يكون من السهل تجاوزها، وأما بالنسبة لليسار الجذري فإنه قد أشرف على الانهيار الكامل، فلقد خاض هذا الأخير غمار المنافسات الانتخابية مشبعا بالتعدد إلى حد الشتات، بالتنوع إلى حد التباعد، وبالاختلاف إلى حد التنابذ، ليكرس بذلك أزمة مفاهيم سادت داخل الفلسفة المعاصرة .
لم يكتف اليمين فقط بتحقيق النصر الساحق في الرئاسيات والتشريعيات على التوالي، وإنما استطاع أيضا أن يتوفر على مشروع كان محور السجال في المنافسات الانتخابية، في حين سيكتفي اليسار بموقع المعترض أحيانا، والمساجل أحيانا أخرى، وهذا يعني أن انقلابا في الأدوار قد طرأ بنحو مفاجئ، وأمسى معه اليمين منتجا للأطروحات واليسار مساجلا حولها.
لقد تلقى الحزب الاشتراكي الفرنسي في الانتخابات الأخيرة ضربة موجعة، انخرط بموجبها في سجال حول مساءلة الذات، أملا في استرداد عافيته، إلا أن الأمر بالنسبة لليسار الجذري يقارب حالة الوفاة السريرية، وسيكون من الصعب على حركة العولمة البديلة، والتي هي من أبرز حركات اليسار الاجتماعي في فرنسا، أن تستعيد عافيتها خلال الزمن المنظور، وذلك عقب الخسارة الفادحة لممثلها في الرئاسيات السيد جوزي بوفي José Bové.

هكذا إذن، يبدو كما لو أن سنوات المجد الذي كان ينعم به اليسار قد ولت بلا رجعة، وكأن هذا اليسار، الذي فقد البوصلة، لم يعد يجد ما يبشر الناس به، لا وعود بغد أفضل، و لا أمل في مستقبل زاهر سيطرق الأبواب.
وبدل أن يستمر اليسار في رسالته المؤمنة بوحدة المشروع الإنساني المشترك، فقد أمسى ينافح عن الأقليات، وعن حقوقها، وأحيانا عن حقوق أقليات الأقليات، من خلال رحلة لامتناهية بحثا عن الجزء الذي لا يتجزأ في مبدإ السيادة والإرادة العامة، وكثيرا ما أمسى اليسار يخوض في الحديث عن أقليات لها حقوق خاصة ومميزة، ويحدث ذلك أحيانا بسبب الخلط بين الحقوق الطبيعية، وبين النزوات والاستيهامات الخاصة.
وعوض أن تساهم قوى اليسار، باعتبارها الوريث الشرعي لفلسفة الأنوار، في استكمال المشروع العقلاني، فإنها فضلت أن تشرع أبوابها، أمام الأدب السريالي، أمام النزعة التفكيكية، أمام المسرح العبثي، وأمام فلسفة نيتشه المنحدرة إلى اليسار الفرنسي عبر نزعة ما بعد الحداثة.
طبيعي إذن، أن يقع هذا اليسار، وذاك اليسار الجذري، في أزمة خانقة، في فرنسا تحديدا، حيث وقع في غواية فلاسفة ما بعد الحداثة، أولئك الذين وجدوا أنفسهم ضمن صفوف اليسار الجذري، فقط لتبنيهم قيم الرفض، النفي، والتمرد، ومع ذلك فإنهم قد أزاحوا عن الثورة أي طابع غائي، فلقد شاؤوا أن يكونوا لاهيجليين إلى أقصى حد ممكن، وابتغوا إنقاذ الإنسان أو ما يمكن إنقاذه، مما يعتبرونه جحيم العقل، وإسمنت الحداثة، وذلك من دون أن يجعلوا لهذا الجحيم أو الإسمنت بديلا عدا التمرد المجاني.
يعتقد مشيل فوكو أننا لم يعد بوسعنا أن نغير الكثير، ومع ذلك فلا بد من أن نفعل شيئا ما، وينكر ديريدا فكرة أن للثورة مساء أخيرا سنسهر احتفالا به، ولا يراهن بودريار على أكثر مما يسميه بالمتفردات ( حركات معزولة ) والقادرة فقط على إزعاج العولمة الرأسمالية واستبدادها، ويتحدث جورج باطاي عن النفي غير الموظف، في حين أن ألبير كامي قد مجد الإنسان المتمرد والذي لا قضية له في مواجهة العبث سوى التمرد المجاني، وأخيرا، تأتي حركة العولمة البديلة اليوم، والتي التحق بها كل من ديريدا وبودريار قبل وفاتهما، لترفع شعار، عالم آخر ممكن، لكن من دون أي تحديد لهذا العالم الآخر. هذا اليسار إذن، ما عاد اليوم ثمة ما يبشر به من أمل، سوى أن يكون مزعجا بعض الشيء.
1/ أزمة التفاؤل في الفلسفة المعاصرة:

العقل أنتجته الفلسفة منذ عصر اليونان، واحتضنه اليسار منذ عصر الأنوار. لكن استعداء العقل هو الآخر أنتجته الفلسفة واحتضنه اليسار. فهل يعني ذلك أن الذي أنتج القضية هو نفسه من أنتج النقيض، وأن الذي احتضن القضية هو نفسه الذي احتضن النقيض؟

وهل يكون قدر الفكر والممارسة أن يكونا هيجليان إلى هذا الحد من انتاج الأطروحة ونقيضها في آن معا؟
إذا كانت إحدى أبرز خصائص الجدل الهيجلي أنه يبعث على التفاؤل، وأنه لا ينتهي إلى إلغاء الأطروحة، بقدر ما ينتهي إلى احتضانها في صورة تركيبية جديدة، فربما نكون اليوم أمام نهاية قد تبعث على اليأس والتشاؤم، طالما أن الأطروحة الأصلية، والتي هي العقل منذ اليونان إلى الأنوار، تتوارى وتنسحب أمام عصر يمكننا أن نسميه فلسفيا بعصر نقيض الأطروحة.
لذلك، فإننا نجد غاستون باشلار يتحدث عن فلسفة اللا ، أو فلسفة النفي، ويتحدث جاك ديريدا عن التفكيك مقابلا لحديث هايدجر عن التقويض، ويروق لآلبير كامي الحديث عن التمرد، في حين يختار جورج باطاي مفهوم النفي غير الموظف ، الخ.
اننا أذن في عصر من عصور الفلسفة يتسم بمفاهيم النفي، الرفض و التقويض ، و إذا كان العقل هو الأطروحة الأصلية للفلسفة الغربية، فيبدو أن النزعة المعادية للعقل قد خرجت، هي الأخرى، من رحم الفلسفة الغربية.
ما هي قصة الأطروحة؟ هذا الأمر معروف.
ما هي قصة الأطروحة المضادة؟ هذا ما سنحاول العمل على استجلاءه.
ولد العقل من أجل تحرير الإنسان من سلطة المعبد، لكن عندما أصبح العقل نفسه معبدا جديدا(*) و قامت أنظمة استبدادية باسمه،صاح أعداء العقل القدامى: يجب تحرير الإنسان من سلطة العقل هذه المرة، إما باسم الدين أو الجنون أو العبث، أو نحو ذلك، وشيئا فشيئا بدأت تتحول رسالة الفلسفة من الدفاع عن العقل إلى مناهضته، و هو التحول الذي وجد التربة الخصبة في أجواء النصف الثاني من القرن العشرين، فما هي تفاصيل ذلك؟
لقد انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء، لكن السؤال قد صار مدويا: كيف حدث ما حدث؟ كيف أمكن لهتلر و للنازيين أن يصلوا إلى السلطة عبر انتخابات حرة و نزيهة وداخل نظام سياسي ظلت مؤسساته الديمقراطية تعمل بنحو جيد؟ كيف نضمن ألا تعيد أية ديمقراطية مستقبلا إنتاج أشباه النازيين؟ و بالجملة كيف نخلص الديمقراطية، ومرة إلى الأبد، من شبح هتلر الذي يتعقبها؟
إنها أسئلة طرحتها و تناولتها أهم مؤلفات القرن العشرين، نذكر من بينها ، اسمع أيها الإنسان الصغير لوليام رايخ، الإنسان المتمرد لألبير كامي، ما هي الفلسفة السياسية؟ لليو شتراوس...

تلك الأسئلة قد صادفت، من جهة أخرى، وجود الإتحاد السوفياتي تحت نير استبداد لا يقل شراسة عن التجربة النازية، و هو ما ضاعف من قلق المرحلة و مخاوفها، بإضافة سؤال أخر:

كيف انتهت الماركسية، و التي انطلقت من وعود تحرير الإنسان، إلى إنتاج إحدى أشرس الأنظمة الاستبدادية؟ سؤال هو الآخر تناولته أهم مؤلفات القرن العشرين، فقد تناوله كارل بوبر في كتابه المجتمع المفتوح و أعداؤه، تناوله ليون تروتسكي في مؤلفه الشهير الثورة المغدورة، و كذلك فعل جان بول سارتر في كتابه، المادية و الثورة، إلخ.
ومرة أخرى أين يكمن الخلل؟
أنه السؤال الذي تمحورت حوله الفلسفة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وكان منطلقا أساسيا لنزعة ما بعد الحداثة، و لكي نتمكن من بسط مقاربة الفلسفة المعاصرة للجواب، سنبدأ بسؤال أساسي:
هل هناك جذور مشتركة بين التجربة النازية، التجربة الستالينية والحربين العالميتين الأولى و الثانية؟
لقد صار الاتجاه العام للفلسفة المعاصرة و لليسار الجذري نحو القول بان مفهوم الدولة الوطنية هو الذي قاد، في آخر المطاف، إلى بروز أهم مشاكل النصف الأول من القرن العشرين، و في هذا الجواب جانب من الصحة لولا أن النوايا سوف لن تقف فقط عند حدود نقذ مفهوم الدولة، و إنما نجدها قد اتجت نحو تكريس نزعة معاداة الدولة بنحو جذري، و هو ما أنتج أنماطا من الفوضوية و الشعبوية، والتي ستتناغم في آخر المطاف مع نزعة الليبرالية الجديدة، المعادية لمفهوم الدولة.
و إذا كانت الدولة الوطنية هي المشترك، فيما يبدو، بين النازية و الستالينية، و هي التي أفرزت مختلف أشكال العنف المرتبط ببناء الدولة (روبسبيير، بسمارك، نابليون، أتاتورك...)، كما أنها أفرزت الصراع بين الدول خلال الحربين العالميتين الأولى و الثانية، فإن المشترك الفلسفي كان هو الإيمان بأن للتاريخ رسالة و غاية، و أن التقدم يخفي وراءه وعودا للإنسان، و لذلك نفهم كيف أن النزعة المعادية للعقل قد استهدفت الإطاحة بثلاثة أعمدة، هي؛ العقل، الدولة و التاريخ ، و من دون شك، فإن شعبية مشيل فوكو تنبع أساسا من خلال ظهوره بمظهر محرر الإنسان من الاستبداد الحديث، استبداد العقل، الدولة و التاريخ، و أيضا من خلال عناوين نصوصه البارزة في مجابهة تلك المفاهيم، فقد جابه العقل ب(تاريخ الجنون)، جابه الدولة ب(نظام الخطاب)، و جابه التاريخ ب(الحفريات).
غير أن الحديث عن مفاهيم العقل، الدولة و التاريخ، هو أيضا حديث عن المفاهيم الأساسية لفلسفة هيجل، فكيف أصبح هيجل بمثابة البؤرة الأساسية التي تهوي عليها مطرقة ما بعد الحداثة؟

في عام 1933، ومن أجل تعويض ألكسندر كويري، تم تعيين الفيلسوف الفرنسي ذي الأصل الروسي، ألكسندر كوجيف، أستاذا بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس، و هناك ألقى محاضراته الشهيرة حول هيجل، دامت محاضراته من1933 إلى 1939، وقد كان له الفضل ليس فقط في تعريف المثقفين الفرنسيين بهيجل، و إنما فرض على المشهد الثقافي الفرنسي رؤية معينة لهيجل، ساهمت، بنحو كبير في بروز فكرة أنه لم يعد من وظيفة أساسية للفلسفة، بعد أن أعلن هيجل عن نهاة التاريخ، عدا مجاوزة فلسفة هيجل، و هو ما قد يكون مجهودا لا متناهيا.

ظل كوجيف يقدم نفسه باعتباره هيجليا، مؤمنا بأن التاريخ قد انتهى مبدئيا مع نابليون، و أن ما تبقى للبشرية هو مجرد صراع حول التفاصيل، بل إن كوجيف ظل ينظر إلى الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي و الشيوعي، من حيث أنها صراع فقط حول الوسائل، أما الأهداف المبدئية فلقد انتهت صياغتها منذ زمن هيجل.

لكن كوجيف كان أيضا ذلك الرجل الذي أزاح عن هيجل عنصر التفاؤل، وجعله يبدو، في اخر المطاف كئيبا، كما لو أن غسق الليل حل في نهاية التاريخ.
كان هيجل فيلسوفا متفائلا، لكن كوجيف أشاع تأويلا لهيجل، يجعل من نهاية التاريخ لدى هيجل، علامة على سيطرة الدولة المستبدة الكونية، و علامة على هزيمة الحرية و ضياع الإنسان أمام الهيمنة المطلقة للعقل الكوني، و هذا يعني أن كوجيف بقدرما كان هيجليا، فإنه كان أيضا الأب الروحي للنزعة المعادية لفكرة وجود عقل كوني يوحد بني البشر، و من ثمة فإننا نفهم نزوع ما بعد الحداثة و اليسار الجذري نحو الاختلاف، التعدد، التباعد، الانفصال، و أيضا نحو الأقليات الثقافية و العرقية و الدينية، طالما كان الأمر يندرج في إطار التمرد على العقل الكوني و الانفلات من هيمنته و استبداده.
و في الواقع، فإننا نستطيع أن نجمل مؤاخذات الفلسفة المعاصرة على هيجل في ثلاثة مؤاخذات رئيسية:
اولا: يؤاخذ على هيجل أنه جعل للتقدم غاية معينة، في حين أننا حين نجعل للتقدم غاية قصوى، تكون محددة سلفا و قبلا، فإننا قد لا نتوانى عن تبرير العنف الذي قد تمارسه الدولة أو طائفة ترغبان في تحقيق غاية التاريخ، فأينما كانت هناك رسالة كان ثمة جهاد و عنف .
ثانيا: انه رأى بأن الأفعال التي قد نحكم عليها بأنها سلبية (الحروب، المجاعات، الجرائم، الاحتلال...)، هي من وجهة نظر التاريخ أفعال معقولة، وهي لا تحدث ألا لتخذم إحدى غايات التاريخ و مراميه.
ثالثا: ان هيجل قد مجد غزو نابليون لأوروبا، و هو الأمر الذي قد يخفي نوعا من التواطؤ بين العقلانية الهيجلية، الثورة الفرنسية و عقلية الغزو و الإستعمار.

أمام هذه المؤاخذات،لم يختر رواد ما بعد الحداثة النقذ العقلاني للعقل ذاته، وهي امكانية أتاحتها العقلانية منذ لحظة التأسيس، لم يكتفوا بنقد العقلانية في بعض تجلياتها و توظيفاتها السياسية، و إنما وجدناهم قد انصرفوا إلى النقد الجذري للعقل و إلى الاحتفال الدائم بالتمرد و الخروج عنه، و هو ما قاد، في آخر المطاف، إلى أزمة انعكست على اليسار و اليسار الجذري، و انعكست أيضا على الفلسفة المعاصرة، و هيأت المناخ الملائم لاستقواء النزعات المحافظة و الأصوليات الدينية.
2/ نهاية ما بعد الحداثة أو رحلة سيزيف الأخيرة:

قامت الفلسفة المعاصرة، في مجملها، على أساس مجابهة سؤال العنف، ذلك أنها هي نفسها قد استيقظت صباح ذات يوم على وقع الحربين العالميتين، استيقظت على دوي القنبلة الذرية، وعلى وقع آليات تدمير البيئة والإبادة الجماعية.
في مواجهة هذا الكم الهائل من العنف، ومن الإمكانيات التدميرية التي باتت تهدد الوجود الإنساني برمته، فإن الفلسفة المعاصرة قد اقترحت استراتيجية مفاهيمية جديدة، أو لم يقل جيل دولوز بأن الفلسفة هي إنتاج للمفاهيم؟
لقد حاولت الفلسفة المعاصرة أن تجد للعنف جذورا ضمن مفاهيم محددة، ستعمد إلى تفكيكها وتقويضها، مفهوما تلو الآخر، وذلك من أجل نزع فتيل الألغام المبثوثة داخلها، من أجل طرد الشرطي، الدركي، رجل المخابرات أو الجلادين القابعين داخلها.
فباسم مفاهيم العقل والتقدم، مارس روبيسبيير ذلك الإرهاب الذي كان يسميه فضيلة، باسم مفاهيم الوحدة والهوية حكم بسمارك ألمانيا بالحديد والنار، وباسم مفاهيم الحقيقة والمعنى، رفض الشيوعيون الاعتراف بالتعددية الحزبية...الخ.
ما العمل إذن إزاء هذه المفاهيم، والتي يبدو وكأنها مولدة للعنف، أي مفاهيم الحقيقة، العقل، التقدم، الأصل، الهوية، المعنى...؟
إنها أسئلة مشروعة، بيد أن الفلسفة المعاصرة قد قادتنا إلى الافتتان بنوع جاهز من الأجوبة، والتي لا تعوزها القدرة على الإغراء، وذلك بأن نردد مع نيتشه؛ أن لا أصل تصدر عنه الأشياء، ونقول مع التفكيكيين أن الهوية هويات متنافرة ومتباعدة، وكذلك نقول مع فوكو؛ أن لا وجود للمعنى ولسنا نعرف في آخر المطاف سوى التأويل، وأخيرا، علينا أن نتعلم كيف نردد، صحبة جوقة المعادين للعقل، بأن العقل ضد الحرية، ضد الجسد، وضد الحياة.
والآن، ها قد مضى حين من الدهر على ظهور وهيمنة الفلسفات المعادية للعقل، فمن حقنا أن نتساءل، وأن نطلب كشف الحساب، هل تراجع فعلا هذا العنف الذي بشرتنا ما بعد الحداثة بمقاومته بل والقضاء عليه؟
لم يتراجع العنف، وعوض ذلك، فإنه قد عرف كيف يتحول إلى كيفيات جديدة وحالات مختلفة، جعلته يبدو منفلتا من شبكة القراءة التي اقترحتها الفلسفة المعاصرة.

لقد ساد الاعتقاد بأن عنف القرن العشرين، وبما أنه قد صدر بالأساس عن دول تتبنى أنظمة مركزية وتقدس الوحدة الوطنية، فإن حقوق الأقليات، والتنوع الثقافي، ستبدو و كأنها الأسلحة الفعالة ضد هذا النمط من العنف، بيد أن الوقائع تؤكد اليوم أن العنف الذي قد تنتجه الطائفية العرقية، أو الهوية الأقلوية ، قد لا يقل شراسة ودمارا عن العنف الذي قد ينجم عن وحدة الدولة الوطنية، ولا شك أن حالة العراق تعد تجربة دالة على ذلك.

ساد الاعتقاد أيضا أن عنف القرن العشرين، وبما أنه ناجم عن نمط من الوعي الجماعي، والذي يدور حول شخصية وطنية ( بسمارك، فرانكو..)، أو شخصية طبقية ( ستالين، بول بوت..)، أو شخصية عرقية ( هتلر، ميلوزوفيتش...)، فإن الحريات الفردية ستبدو وكأنها، هي الأخرى، سلاح فعال ضد هذا النمط من العنف. لكن المؤشرات اليوم لا تدل على صحة هذه الفرضية، ذلك أن المبادرات الفردية في العنف، لا تقل اليوم خطورة وشراسة عن عنف المجموعات الوطنية أو العرقية أو الطبقية، بل إن خطورة تنظيم مثل القاعدة، هي بسبب رهانه على المبادرات الفردية الخارجة عن أي سياق وطني، طبقي أو عرقي.

لم يسبق أن كان العنف بمثل هذه "المرونة"، إذ أنه لا يطلب أكثر من أشخاص على رؤوس الأصابع حتى يتمكن من تحقيق الدمار الذي يرجوه و ينتظره، و بالجملة فقد كان العنف، فيما مضى، قرارا يتخذه عدد كبير من الناس، فبمقدار السيوف أو البنادق كان عدد السواعد المرجوة. أما اليوم فإن إمكانية العنف نجدها قد استقلت عن الإرادة العامة، تلك الإرادة التي سبق أن وصفها جان جاك روسو بأنها تبتغي الصالح العام بالضرورة، و أمسى بضعة أشخاص فقط قادرين على قتل آلاف الأبرياء، لأتفه الأسباب أو حتى من دون أي سبب.
لقد أضحى العنف، في غالب الأحيان عنفا مجانيا، إذ من دون سبب و من غير الحاجة للاستناد إلى حقيقة من الحقائق أو معنى من المعاني، قد يقوم شخص بارتكاب مجزرة داخل مدرسة للأطفال، و في المقابل يقوم اخر بتفجير نفسه داخل محطة أو مستشفى أو حديقة عمومية. أن العنف الذي يستشري اليوم قد صار عنفا لا هدف له، لا وحدة له و لا معنى له، و بالجملة فإنه عنف لا علاقة له بعقلانية هيجل.
العنف اليوم هو أيضا عنف افتراضي، عنف لاواقعي، عنف شبيه بالنزعة السوريالية، تلك الحركة الأدبية التي ابتغت مناهضة العنف، من خلال تدمير المعنى و الذي تعتبره الرحم المولد للعنف، إنه عنف يشبه حفريات فوكو، حيث لا معنى له، لاأصل و لا هوية ، هو عنف يشبه تمرد ألبير كامي، هذا الأخير الذي لا يمجد سوى ذلك العنف "الذي لا ينتج أي شيء"(**). إنه أخيرا عنف لا يستجيب لشبكة القراءة التي اقترحتها الفلسفة المعاصرة.

لذلك إذن نفهم كيف ارتبك أحد أبرز النيتشويين المعاصرين، وهو من أشهر فلاسفة ما بعد الحداثة و اليسار الجذري، أمام انفجار ظاهرة الإرهاب العالمي، و ذلك حين راح ينظر إلى هذا العنف اعتباره نوعا من الخلاص النيتشوي من عنف و شرور العولمة الرأسمالية، فهل يتعلق الأمر بمجرد سقطة هيجلية وقع فيها جان بودريار حين اعتبر أن العنف الإرهابي هو إفراز للعولمة الرأسمالية كما تفرز القضية نقيضها، و أنه يندرج اليوم ضمن المتفردات القادرة على خلق متاعب للعولمة الرأسمالية(***)؟ ... فمتى كان الموت المجاني للعبد يقلق السيد؟؟؟

يبدو و كأن الأمر يتعلق بسقطة هيجلية، لكنها سقطة أعادت بودريار إلى نهاية غير سعيدة لجدل العبد والسيد، حيث أمام نهاية التاريخ، حسب زعم أحد مفكري يسار مابعد الحداثة (ألكسندر كوجيف)، و أيضا حسب زعم أحد مفكري يمين ما بعد الحداثة (فرانسيس فوكوياما)، لم يعد أمام العبد اليائس من أمل عدا الانتحار العبثي و الجريمة المجانية، على طريقة روايات أندريه جيد و ألبير كامي.
لقد أعاد سيزيف الصخرة إلى القمة، و مرة أخرى تركها تتدحرج إلى الأسفل، و قد لا يعود لحملها، فربما أتعبته طريق لا تؤدي إلى أي شيء، ور بما هي نهاية الرحلة بالنسبة لأولئك الذين راهنوا على أن الخلاص من العنف لن يكون إلا بالخروج عن العقل، عن المعنى، و عن الوعي، في رحلة التيه داخل صحراء بلا أفق، اسمها العدمية.
3/ عن مستقبل الديمقراطية؟
لا شك أن المتتبع لمسار الممارسة السياسية عند أبرز الفلاسفة المعاصرين، سيقف على إحدى الحقائق التي قد تسترعي الاهتمام، فبقدرما تميز أولئك الفلاسفة بمناهضتهم للأنظمة الكليانية و الإستبدادية التي أفرزها القرن العشرين، و بقدرما خاصموا الحداثة بدعوى أنها لم تكن ملاذا آمنا للديمقراطية ولا ضمانة أكيدة للسلام العالمي، إلا أن انتماءاتهم و ولاءاتهم السياسية، في المقابل، لم تكن تنم إلا عن القليل من الحماسة لمبدإ الديمقراطية، فلقد انتمى معظمهم، و لو لفترات متفاوتة، إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، والتحق آخرون بمنظمات متطرفة، فكيف يمكن لمثل هذه الانتماءات أن تستهوي فلاسفة يزعمون أن وظيفتهم الأساسية هي مناهضة الوظائف القمعية لمؤسسات الدولة الحديثة؟
بإمكاننا أن نلتمس بعض الجواب في تقاليد النقد الماركسي للديمقراطية و للأنوار، بيد أن أثر نيتشه كان بليغا في تدهور الوعي الديمقراطي داخل الفلسفة المعاصرة، فقد كان انتقاده للديمقراطية جذريا، و جعل الديمقراطية و المساواة تندرجان، في رأيه، ضمن أخلاق العبيد.

لقد اعتمد فلاسفة ما بعد الحداثة إجمالا على ماركس، نيتشه و فرويد، و ذلك من أجل نقد فلسفات الوعي، بيد أنهم انتهوا في اخر المطاف إلى تدهور الوظيفة السياسية للوعي. لقد أهملوا الوظيفة العلاجية للتحليل النفسي، و اعتبروها تندرج ضمن الوظائف القمعية للمؤسسات الحديثة، أهملوا الوظيفة المعرفية للماركسية، و التي غايتها تحرير الوعي من الإستيلاب، و اكتفوا بتمجيد قوى اللاوعي و اللاإرادة و من ثمة أعلنوا موت الإنسان.

Archives