الدكتور المنجرة : لدينا أزمة رؤية في الأخلاق

Publié le par عادل نجدي

 
عادل نجدي -الرأي نيوز-
Sunday, February 24, 2008
Photo_ME_site_2007.jpg هو من بين المفكرين العرب القلائل الذين يحملون مشروعا منافحا عن الهوية الثقافية في زمن صدام الحضارات، الذين كلما ازدادوا معرفة وعلما كلما التصقوا بهموم الأمة ومستقبلها. ارتبط اسمه بالدفاع عن الحق في الاختلاف كقيمة، والحق في التنوع، وساهم بأفكاره التنويرية في إظهار الإسلام كأخلاق وقيم وفلسفة منفتحة ومتفتحة وتحررية وتحريرية. وخلص بعد عصارة ثلاثة عقود من الكتابات المتنوعة والدراسات المستقبلية حول سيرورة العالم بشقيه الشمالي والجنوبي إلى دور القيم في تماسك وانحلال الروابط المجتمعية والحروب العصرية. عرف عنه مناهضته الشرسة للعولمة، لأنها في اعتقاده مرحلة من مراحل الاستعمار الجديد الذي تعمل القوى
الكبرى على التأسيس والترويج لها ليس فقط على مستوى الممارسة والتطبيق، ولكن أيضا على مستوى الثقافة والفكر. "الرأي" تستضيف عالم المستقبليات المغربي، د. المهدي المنجرة، وتسأله عن الوضع العربي الحالي ورؤيته الاستشرافية لما سيكون عليه في السنوات القادمة، وعن احتمال وقوع انتفاضات شعبية واسعة في العالم العربي، وحوار الحضارات، وقضايا أخرى. فكان هذا الحوار:
 
 ليكون مدخلنا للحوار الحديث عن ما عاشه ويعيشه قطاع غزة من حصار، كيف ترون ما يحدث في القطاع من حصار وتقتيل؟ وفي أي سياق نضعه؟
  الواقع أن هناك حصارا أكبر من حصار غزة، الذي يعاني منه مليون ونصف من المناضلين والمناضلات والأطفال الأبرياء الذين يموتون يوميا، هو الحصار الذي يعاني منه الملايين في العالمين العربي والإسلامي، حصار الحكام ورؤوساء الدول الذين ما لهم أن يقدموا على أية خطوة بدون إذن من واشنطن، حتى أنه لم تبق لأي رئيس دولة أو حكومة في أي مكان من عالمنا العربي صدقية. ما وصل إليه الوضع الفلسطيني كان متوقعا منذ كامب ديفيد، وأظن أن مسؤولية العالمين العربي والإسلامي كبيرة في هذا الجانب، فتعدادنا نحو مليار و600 مليون شخص ونمتلك أكثر من ثلثي النفط الموجود في العالم وعوض استخدامه كسلاح رأينا كيف أن دولا عربية كمصر تساهم في حصار عزة.
 
 الخوف وسيلة للحكم
 
  لكن حتى التحركات الشعبية أصبحت تتسم بالفتور، إذ لم نعد نرى ذلك التفاعل الشعبي القوي مع قضايا الأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؟
 مرد ذلك إلى سببين، فالعالم العربي هو المنطقة التي تعرف أعلى نسبة من حيث الأمية والفقر، فأكثر من نصف العرب ليست لهم الوسائل للتعرف على الإشكالات وللتعبير والاحتجاج، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، هناك عامل الخوف، فنحن نعيش اليوم الخوف كوسيلة للحكم والتحكم، وهو ما أكدت عليه في كتابي " الإهانة "، حين قلت بأننا دخلنا في عهد الخوفقراطية وأن الخوف سيصير وسيلة مهمة للتحكم. فإذا كنا من قبل نشتغل في مجتمع إعلامي وبدور المعلومات في التنمية، فقد دخلنا الآن في مجتمع استخباراتي قوامه ليست حروب الإرهاب الحقيقي، وإنما حرب الإرهاب اللغوي " الإرهاب السمنتيكي "، فنحن نعيش اليوم الخوف كوسيلة للحكم والتحكم . أظن أن التحليل لم يبق نافعا، مادامت الأمور أصبحت واضحة، بيد أن ما أود لفت الانتباه إليه في هذا الصدد، هو أن أكبر خيبة في عالمنا العربي هي ما نسميه بالنخبة التي باتت جزءا من اللعبة، فجزء كبير منها تجده البارحة مشاركا في مظاهرة مساندة للقضية الفلسطينية والعراقية، لتفاجأ به في الغد وقد تربع على كرسي وثير. وهذا التناقض هو في الحقيقة موت أخلاق.
 
 هل المثقف العربي غائب أم مغيب؟
  الأمران معا، فمن الناحية التاريخية ومنذ عهد الرومان كان المثقف دائما يستعمل ثقافته إما لمحاربة الحكم أو التعاون معه، حيث كان يجد في السلطة وسيلة للتعويض عن ضعف إمكاناته في العطاء في الشعر أو الرسم أو الرياضيات ...النخبة المثقفة في العالم العربي نوعان: فئة تتعامل مع الوضع كما هو بانتهازية وأحيانا بارتزاق، فحين نتحدث عن الرشوة والفساد في صفوف مسؤولينا، نكتشف أن نسبة كبيرة من هؤلاء المسؤولين الفاسدين الذين يتصرفون في المال العام وكأنه مالهم الخاص هم من النخبة المثقفة. أما الفئة الثانية من المثقفين، فلا تتحرك وتقبل بالأشياء كما هي وهذه هي الفئة الكبرى.
 
 الشعوب العربية تعيش في الذلقراطية
 
  أوردت في مقدمة كتابك " انتفاضات في زمن الذلقراطية "، أن انتفاضة الأقصى هي مرحلة تحول كبرى تبشر بميلاد جديد، إنها رحلة لذيذة لأنها ستحملنا إلى مشارف عهد جديد" وتنبأت بوقوع انتفاضات شعبية واسعة في العالم العربي. سؤالي: هل ما زالت إمكانية حدوث هذه الانتفاضات الشعبية ممكنة؟
  ما زالت قائمة وتزداد يوما بعد آخر، ويشجعها مثل ما يحدث في غزة، بل ويعطيها دفعة قوية. ولتنظر إلى وجوه الناس العاديين في الشارع لترى إلى أي حد وصل الاحتقان. وإن كانت الشعوب العربية تعيش في ما أسميه الذلقراطية دون أن يصدر عنها أي تحرك، مما يثير أكثر من علامة استفهام، إلا أن الوضع لن يبقى كذلك. صحيح أن الشعوب العربية تتحرك بطريقة خاصة، وأنه ليست هناك قواعد تجعل أي متتبع يجزم بأن أمرا ما سيقع، إلا أن ما أود أن أؤكد عليه هو أن الأشياء لن تبقى على ما هي عليه حاليا أكثر من سنة أو سنتين أو 5 سنوات على الأكثر، حيث سنرى تغييرات جذرية تحدث.
 
 أزمة رؤية
 
 ما الحل لتفادي هذه الانتفاضات ؟
  يتعين اعتماد رؤية، فنحن لدينا أزمة رؤية في الأخلاق، وهي أكبر أزمة يعرفها العالم الإسلامي، فالحركات الكبري في العالم بدأت برؤية، وبدون هذه الأخيرة لا يمكنك أن تبني إستراتيجية، وبدون إستراتيجية لا يمكنك أن تبني سياسة، وبدون سياسة لا يمكنك أن تتقدم في أي ميدان من ميادين الحياة. إن الشرط الأساسي للوعي بقيمة الرؤية هو الديمقراطية التي تهيئ السبيل لكي يعبر كل فرد في المجتمع عن ذاته، حتي يبلغ مستوى المشاركة، ويصبح جزءا من صناعة القرار.
 
 التغيير الشامل
 
 تأسيسا على الأبحاث المستقبلية، كيف ترون وضع العالم العربي في السنوات المقبلة؟
 التغييرات الجذرية تخاض عبر الأجيال، وفي هذا الصدد، غالبا ما أستعير مقولة لأنطونيو غرامشي، مفادها أنه علينا أن نتسلح بعقلانية التشاؤم وتفاؤل الإرادة من أجل مواجهة تحديات الواقع، ولو كنت متشائما لما تحدثت عن التفاؤل أصلا. وعلى كل حال، الأشياء
في الدراسات المستقبلية تتغير عبر ثلاثة مشاهد، الأول: مشهد الستاتيكو أي بقاء الأشياء على حالها، لأن من غير الممكن أن تبقى الأمور على ما هي عليه في العالم العربي أو ننزل إلى أسفل مما نحن فيه. والثاني هو الإصلاح الذي انتهت فترته وكان يمكن تحقيقه في السنوات الخمس أو الثلاث الماضية، وأي إصلاح الآن سيكون جزئيا ولا يمكن أن يؤثر على الكل المأزوم. أما المشهد الثالث، فهو التغيير الشامل الذي يمكن أن يتحقق عبر احتمالين، إما وعي حقيقي ومسؤولية كاملة من أصحاب القرار تجاه مستقبل بلادهم والإيمان بأن الإصلاح الجزئي غير كاف، وإما اللجوء إلى ما يسمى القطيعة، على أساس أن الأولوية تكون للتحرك الثقافي، إذ لا يمكن لأحد خارج البلاد العربية والإسلامية أن يحل مشاكلها بل يمكن الاعتماد على خبرته لا على اختياراته، وعلى اعتباره وسيلة وآلة وليس بإتباعه في المقاصد والغايات. وأعتقد أن كل يوم تتأخر فيه هذه القطيعة سنؤدي عليها أكثر.
 
دعوات الحوار بين الحضارات دعوات ديماغوجية
 
 كيف تنظر إلى الدعوات التي تصدر في الغرب والشرق والداعية إلى الحوار بين الحضارات ؟
 بالنظر إلى تجربتي في هذا المجال، حيث أني أفنيت أكثر من نصف عمري في التعاون ما بين الحضارات، وكنت المسؤول الأول في اليونيسكو عن الثقافة والعلوم الاجتماعية وتاريخ الإنسانية العلمي والتكنولوجي، أقول بأن التواصل الحضاري الثقافي ما بين الغربي وغير الغربي صعب جدا، وبأن دعوات الحوار بين الحضارات هي دعوات ديماغوجية مبعثها الخوف. في سنة 1986 أشرت في برنامج تلفزيوني فرنسي، إلى كون الغرب يخشى ثلاثة أشياء، وهي الديمغرافيا، الإسلام، اليابان. وهذه المعادلة عرفت بعض التغيير حيث لم تعد الديمغرافيا تحتل نفس الأهمية التي كانت عليها في السابق واحتلت البيئة مكانها حاليا، وحلت الصين محل اليابان، لكن ما لم يتغير هو الخوف من الإسلام حيث ازدادت الإسلاموفوبيا اليوم أكثر من أي وقت مضى .
أؤمن بالحوار وأفردت له مؤلفات ك"حوار التواصل" و"الحرب الحضارية الأولى"، وكنت دائما أنادي بالتواصل، وحبا في السلام جعلت مداخيل كتبي منذ 1991 تذهب في هذا الاتجاه من خلال خلق جائزة"التواصل الثقافي" التي منحتها في إلى وزير العدل الأمريكي السابق رمزي كلارك. بيد أني أرفض المشاركة في أي اجتماع لما يسميه البعض حوار الحضارات، لأنه في الحقيقة تغطية عن مكمن الداء، فكيف لهم أن يتحدثوا عن التسامح وعن الحوار بين الأديان، ونحن نرى ماذا يفعلون بأشقائنا الفلسطينيين في غزة.
الحوار يتطلب التواصل ولاسيما التواصل الثقافي. يجب أن يكون هناك تفاهم متبادل واحترام لقيم الآخر إضافة إلى ضرورة توفر القابلية للإنصات لأن الحوار هو عملية تعلم لا متناهية. وهذا هو السبيل لتقليص إمكانات اللاتفاهم و"الصدام"، فضلا عن ذلك فهو القاعدة الصلبة لتحقيق السلم والتعايش لأنه إحدى الشروط الأساسية للحفاظ على الاختلاف.
 

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article