من الصحافة المكتوبة

Publié le par Nidal NIDAL

الاحداث المغربية الاحد 16 نونبر 2008

في حوار مع المناضل الحقوقي عبد العزيز النويضي:يجب أن يخضع العسگري

> راج الحديث خلال الأيام الأخيرة عن مطالبة برلمانيين بالتحقيق في تجاوزات محتملة في صفوف الجيش والدرك الملكي.. كيف ترون هذه المبادرة؟ >> أرى أنه من الطبيعي أن يلجأ البرلمان إلى مثل هذه المبادرة، لأن البرلمان هو أعلى سلطة للمراقبة. لاسيما أننا عايننا في الشهور الأخيرة عددا من التجاوزات، مثلا ما حدث في مدينة الصخيرات من تزوير للوقائع بخصوص بعض الأحداث، وما حدث أيضا في مدينة سيدي إيفني من تدخلات عنيفة من طرف السلطة العمومية ضد المواطنين، فمن الطبيعي جدا أن يطالب نواب الأمة بإجراء تحقيقات في مثل هذه التجاوزات. ويمكن أن أذهب أبعد من ذلك لأقول إنه من المفروض أن يطالب نواب الأمة كذلك بالتحقيق في صفقات الجيش ونفقاته، والتجاوزات فيما يخص هدر المال العام، حيث سبق أن طالب بها عدد من ضباط الجيش، لكنهم للأسف تعرضوا للمتابعة والاعتقال. > ماهي الآليات والوسائل التي يمكن أن يفعلها أعضاء المجلس التشريعي لكي تكون هذه التحقيقات ذات نتائج ؟ >> هناك آليات عديدة ومتنوعة، مثلا عندما تقع أحداث من قبيل ما وقع في مدينة الصخيرات فإن العدالة ينبغي أن تأخذ مجراها، ويمكن لوزير العدل أن يطلب من النيابة العامة فتح تحقيقات. فحينما يلقى شخص حتفه في مخفر للشرطة أو الدرك يجب فتح تحقيق لمعرفة الأسباب والوقوف على الملابسات. وإذا تبين أن الوفاة كانت نتيجة شطط أو عنف فيجب تتم المتابعة والإدانة. أعتقد أن مؤسسات الجيش والدرك والقوات العمومية بشكل عام ليست فوق القانون. وكذلك يمكن لنواب الأمة أن يشكلوا لجان تحقيق إذا راجت شائعات عن هدر المال العام. ويجب أن تتمكن آليات المراقبة فيما يخص حماية المال العام وأن تفعل مثل: محاكم الحسابات والمفتشية المالية ليكون بمستطاعها هي أيضا أن تتحرى في التجاوزات. يجب بكل بساطة أن يخضع العسكري للمدني، وأن يخضع الأمني للسياسي، وبالتالي هذا أحد أوجه الديمقراطية المعاصرة. > تتقاطع تدخلات البرلمانيين مع تحقيقات سبق أن أنجزتها قيادة المؤسستين المذكورتين سابقا، دون أن يمنع ذلك تكرار حدوث هذه التجاوزات.. كيف يمكن تفسير مثل هذه الممارسات؟ >> أرى بأنه لا ينبغي أن تقوم نفس الأجهزة التي تنسب إليها الانتهاكات والتجاوزات بالتحقيق فيما تتهم به، بل ينبغي أن تتولى أجهزة خارجة ومستقلة عنها هذه المهمة، ويجب أن تكون لجان التحقيق هي نفسها مستقلة، لكي تؤدي تحقيقاتها إلى المتابعة أمام القضاء عند الاقتضاء. أعتقد أننا يجب نقطع شوطا في الانتقال الديمقراطي، لأنه ينبغي أن لا توجد مؤسسة ينفق عليها الشعب من ماله خارج إطار المراقبة والمحاسبة. > نظمت مؤخرا ندوة حول إصلاح السياسات الأمنية، حضرها ممثلون عن مؤسسات أمنية، كيف ترون مثل هذه اللقاءات؟ >> أنا أثمن مثل هذه المبادرات لأن الحوار بين المجتمع المدني وبين الباحثين والأكاديميين ورجال الإعلام والبرلمانيين... وغيرهم والأجهزة الأمنية والقوات العمومية هو أمر مستحب، لأن هناك ما يشبه نوعا من القطيعة، التي أكاد أقول إنها مرغوب فيها من طرف خصوم الديمقراطية والمواطنة الكاملة، بين المواطنين والأشخاص الذين يفترض أنهم مسؤولون عن حماية أمنهم والسهر على سلامتهم. أنا أشجع مثل هذه المبادرات وأدعو إلى المزيد منها، وأرى أنه يجب أن تتأسس وتذهب بعيدا، لأننا لا نطالب فقط بمحاسبة الأجهزة الأمنية ومساءلتها ومتابعتها، وإنما نحن أيضا مستعدون للدفاع عن حقوقها وحقوق أفرادها، عندما تهضم حقوقهم. ذلك أن صغار الضباط سواء في الجيش أو الدرك أو الأمن والقوات المساعدة يجب أن ينظر إلى وضعيتهم، وأن يسمح لهم بالتعبير والتنظيم وبأن يعبروا بشكل سلمي وحضاري عن متطلباتهم، حتى يمكن أن توفر لهم الظروف الكفيلة بجعلهم يقومون بواجبهم في حماية الأمن والاستقرار وحماية المواطنين وأرواحهم وممتلكاتهم وأجسادهم وهم يتوفرون على ظروف عمل جيدة وعلى تكافؤ الفرص في الترقيات وتحمل المسؤوليات حسب كفاءتهم وجهدهم، وإن الظروف التي نعاينها سواء فيما يخص مخافر الشرطة وكذلك ما نعرفه من ظروف مادية مزرية يتخبط فيها رجال الأمن من الدرجات الصغرى والمتوسطة. يجب أن يكون هناك حوار حتى يتضح بأن رجل الأمن هو مواطن مثل باقي المواطنين له مهامه الخاصة لكون الدولة تحتكر العنف المشروع، لكن هذا العنف لا يجب أن يستعمل إلا عند الضرورة وليس خارج القانون وليس بشكل غير متناسب مع التهديدات. ولهذا أرى بأن الحوار يجب أن يستمر ويتعمق ويتطور حتى نصل إلى مصالحة حقيقية بين المواطنين وبين الجيش والأمن وغيرهما من المؤسسات. > حاوره: رشيد قبول

 المساء 17 11 2008

 

هيئة حماية المال العام تطالب بتسوية وضعية القائد فنيش

يبدو أن قصة القائد يونس فنيش مع مسؤولي وزارة الداخلية ستمنع أكثر من رجل سلطة يسكنه الإبداع وحب الأدب والكتابة من المغامرة بوضعه الاجتماعي مخافة التعرض لتوقيف مفاجئ و«معانقة» مصير مجهول.
فنيش رجل سلطة قرر أن يبدع نصوصا روائية تنتقد بعض المظاهر الاجتماعية التي تخدش صورة المغرب وتعرقل تطوره، فنال عقوبة توقيفه عن العمل وأحيل على القضاء بتهمة الإساءة إلى بعض رؤسائه بالكتابة الأدبية. وبالرغم من أن القضاء أنصفه، فإنه لا يزال يعاني من التوقيف عن العمل.
وعود كثيرة أعطيته لحل ملفه، يقول مصدر مقرب منه، لكن الانتظار طال ما يقرب من 6 سنوات، دون أي أن يحصل أي تقدم في ملفه. المصدر ذاته يعاتب منظمات المجتمع المدني على عدم إعطاء الاهتمام الكافي لملف رجل سلطة حارب الفساد ورفض الرضوخ لعدد من الإغراءات. «وحدها الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب هي التي تبنت ملفه وواكبت تطوراته»، يضيف المصدر ذاته.
الهيئة ذاتها قامت، في الأسبوع الماضي، بتوجيه رسالة إلى وزير الداخلية شكيب بنموسى استعرضت فيها ملابسات قضية قائد كانت بداية «الإطاحة به» من مقاطعة النرجس، إحدى مقاطعات فاس سنة 2002.
ويقول محمد طارق السباعي في هذه الرسالة إن توقيف القائد فنيش يخالف مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في فاتح مارس 1963، لأنه لم يحل على المجلس التأديبي منذ توصله برسالة إخبار من والي جهة فاس بولمان يشعره فيها بأنه موقوف عن العمل.
الهيئة تعتبر أن قرار توقيف هذا القائد له علاقة بفضحه «أنواعا من الفساد»، مسجلة أنه جرد من المسؤولية وحرم من ثلاثة أرباع أجرته، ولم يعد يتقاضى إلا 3400 درهم، علما بأنه «أب لطفلين وزوجته معطلة عن العمل، وهو الذي أنفقت عليه الدولة 140 مليون سنتيم لما كان يتلقى تدريبه بمدرسة تكوين الأطر ليصبح قائدا».
وبعد توقيفه كقائد، وبعد اجتياز امتحان القضاء، أخبر شفويا بضرورة الالتحاق بولاية الرباط كمتصرف مساعد، وإلى حد الآن لم يكلف بأي مهام رسمية ولا يتوفر على أي مكتب بمقر عمله الجديد. ولايزال حتى الآن قابعا في منزله بدون مهام، علما بأن هذا الأخير «يرفض أن يعيش بلا كرامة ويرفض الفساد ويرفض أن يكون «موظفا شبحا»»، تضيف هذه الهيئة.
وصدر بالجريدة الرسمية بتاريخ 27 أكتوبر 2008 ظهير شريف رقم 1.08.67 (31يوليوز2008) في شأن هيئة رجال السلطة، كما صدرت عدة مراسيم ذات صلة، ونصت المادة الثانية من الظهير على أن رجال السلطة يباشر تعيينهم وإعفاؤهم بمقتضى ظهير شريف يصدره الجناب الشريف باقتراح من وزير الداخلية.
واعتبرت الهيئة بأن هذا الظهير الجديد يضمن حماية الدولة لرجال السلطة وأن الكفاءة أصبحت بمقتضاه هي معيار الترقي طبقا للمواد 9 و11 و18، داعية وزير الداخلية إلى تسوية وضعية هذا القائد واقتراح ترقيته «لما يتميز به من كفاءة مهنية واستقامة وتفان في القيام بواجبه إحقاقا للحق». لحسن والنيعام

 

فوزية عسولي: الدعارة شكل من أشكال العنف ضد المرأة

- كيف تنظرون إلى المعطيات التي تضمنها التقرير الأخير للمنظمة الإفريقية لمكافحة السيدا حول الدعارة في المغرب والأرقام الواردة فيه؟
< في الحقيقة هو تقرير يكشف حقائق مهمة وخطيرة بخصوص ظاهرة الدعارة في بلادنا وتجارة الرقيق الأبيض، وقد سبق لنا في مرات عدة أن قرعنا ناقوس الخطر من استفحال هذه الآفة في المغرب، وسقنا أدلة ومعطيات حول الموضوع، ولكن ما تضمنه التقرير الصادر عن المنظمة الإفريقية لمكافحة السيدا خطير جدا وبمثابة إنذار، خصوصا في ما يتعلق بسن الفتيات المغربيات اللواتي يمارسن هذه الظاهرة، وأنا هنا أرفض اعتبار الدعارة عملا، كما تشير بعض التقارير مثلا إلا أن الدعارة ليست عملا، ووصفها بذلك يسبغ عليها نوعا من المشروعية بطريقة غير مباشرة وغير واعية، الدعارة ليست عملا بل هي تجارة في الرقيق الأبيض وفي تجارة الأجساد وامتهان كرامة الإنسان وقيمة المرأة والطفل وضرب كل القيم المتعارف عليها. تدر هذه التجارة على المستوى الدولي مداخيل ضخمة تأتي في الدرجة الثانية بعد تجارة الأسلحة في العالم، وهذا يعني أن هناك شبكات دولية تشتغل في هذا المجال ولها أياد تمتد في العديد من البلدان، والمغرب من بين هذه البلدان التي أصبحت للأسف الشديد مرتعا لهذه الشبكات، وقد سبق لنا في الرابطة الديمقراطية لنساء المغرب أن طالبنا بإنشاء مؤسسة لمحاربة الدعارة لأننا نعتبرها شكلا من أشكال العنف الممارس على المرأة والقاصر.
- كيف تفسرين أن بعض المدن المغربية أصبحت مقصدا للدعارة معروفا على النطاق العالمي؟
< نحن مع السياحة من حيث المبدأ، فبلادنا ليست مصدرة للبترول، ذلك أن السياحة تدر على ميزانية الدولة مداخيل مهمة، إنما نحن ضد السياحة الجنسية التي تسعى إلى تحويل بلادنا إلى قبلة لكل الراغبين في شراء الأجساد وامتهان كرامة المواطن المغربي، والصحافة المغربية أصبحت اليوم مليئة بأخبار هذه القضايا التي تحصل في بعض المدن السياحية، بل إن بلادنا أصبحت معروفة في بعض المدن العربية الأخيرة كمصر والأردن، بوصفها بلدا مصدرا للأجساد، مما يؤثر على صورتنا في الخارج، لكن ما نلاحظه للأسف الشديد هو أن هناك غيابا لأي إجراءات قانونية صارمة لمحاربة هذه الظاهرة، بل نرى أنه في القضايا التي يتم فيها اعتقال أفراد يمارسون الدعارة يتم الإفراج عن الرجل، ولذلك طالبنا في الرابطة الديمقراطية لنساء المغرب بتجريم الزبون أيضا، كما فعلت السويد، وكان لذلك أثر إيجابي في الحد من الظاهرة، رغم أن ظاهرة الدعارة في السويد ليست بالحجم الموجود في بلادنا.
- كيف يمكن وضع خطة للتحسيس والتوعية بمخاطر هذه الظاهرة؟
< يجب التفكير في خطة شمولية وصارمة لمكافحة ظاهرة الدعارة في المغرب، لأن الأمر تجاوز كل الحدود، ولم يعد الأمر يقتصر على النساء بل تعداه إلى الأطفال القاصرين، فالأمر لا يخص الدعارة فقط بل أصبحت هناك دعارة الأطفال، أو البيدوفيليا، وما لم يتم وضع خطة حقيقية للتوعية والتحسيس وإجراءات صارمة لمحاربة الظاهرة فإننا سنجد أن الوقت قد فاتنا. *رئيسة الرابطة الديمقراطية لنساء المغرب

 

بنكيران: ما يهدد المغاربة ليس الفقر وإنما جهاز القضاء

هاجم عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، من وصفهم بناهبي أموال الشعب والمتزلفين للملك، وقال إن بعضهم يسعى إلى محاربة حزبه باسم الدين، ودعا بنكيران إلى تخليق الحياة السياسية بدل تفريخ أحزاب الهدف منها التشويش على العمل الحزبي، وإلى توزيع عادل للثروات بين مختلف جهات المملكة.
ووجه أمين عام حزب العدالة والتنمية، تقريعا شديد اللهجة إلى من سماهم بالباحثين عن ربح المال بالمرور عبر السياسة، وقال بنكيران الذي كان يتحدث صباح أمس الأحد أمام المشاركين في المؤتمر الجهوي للحزب بمدينة العيون، إن خصوم الحزب السياسيين يعطون الانطباع بكون الملك في خطر، أو أن شيئا يتهدده بغرض النيل من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية والتزلف للملك. وزاد بنكيران قائلا: «الخطر الوحيد الذي يتهدد الملك محمد السادس هو تهافت الناس للسلام عليه في الطرقات تقديرا واحتراما ومودة. هم يقولون إنهم يضبطون الشعب، ربما كان ذلك صالحا في زمن مضى، لكن الآن كل المغاربة مجمعون عليه ويحبونه بتقدير، أعتقد أنه ليس دور السلطة تركيع المواطن أو الإساءة إليه بل التقرب منه وهذا للأسف غير موجود».
وعلق بنكيران ضاحكا، ردا على سؤال حول آخر تطورات علاقته بفؤاد عالي الهمة، مهندس حركة لكل الديمقراطيين وصديق الملك محمد السادس: «المناوشات بيني وبين الهمة خفتت، يبدو أن الرجل منشغل بأموره ونحن مستمرون في عملنا».
وقال أمين عام العدالة والتنمية إن هناك سياسيين يعتبرون المغاربة مجرد قاصرين بحاجة للوصاية عليهم باسم الحداثة والديمقراطية، معربا عن اعتقاده بأن هؤلاء السياسيين يضمرون رغبتهم في مهاجمة الإسلام.
واستحضر بنكيران أمام المشاركين في المؤتمر الجهوي للحزب قصة وقعت له أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، عندما سألته سيدة أمريكية عن مدى حاجة المغرب كبلد فقير للمساعدة، وكيف أنه رد عليها بالقول إن ما يهدد المغاربة ليس الفقر وإنما جهاز القضاء. وروى بنكيران كيف أن المرأة الأمريكية فغرت فاها وهي تنصت إلى كلامه عندما أخبرها بأن المغاربة اعتادوا منذ القدم على تناول الخبز والشاي كوجبة يومية دون الإحساس بالجوع، لكن سكان المملكة بحاجة إلى من يرفع عنهم الظلم وإلى قضاء ينصفهم.
وعاد بنكيران ليهاجم أعيان اقتصاد الريع، وقال إن جهة الساقية الحمراء وادي الذهب تضم آلاف الكيلومترات من السواحل الغنية، ومع ذلك فإن أبناء المنطقة لا يستفيدون منها، وقال: «دعوا الحقوق تعود إلى أصحابها، إذا كان الأعيان يستغلون البحر لأزيد من 30 سنة، دعونا نقيم علاقات قابلة للاستمرار».
من جهة أخرى، اتهم عبد الإله بنكيران من وصفهم بالاستئصاليين داخل الحكومة بشن حملة ضد منابع التدين في البلاد. وقال بنكيران، في حوار مع يومية «الحياة» اللندنية، إن حزبه لا يريد الانضمام إلى الحكومة، معتبرا أنهم «مخطئون إذا اعتقدوا أننا متلهفون على المناصب». وعن إمكانية انضمام الحزب إلى تحالف الأغلبية في حال الإقدام على تعديل حكومي، أضاف بنكيران: «لا نفضل الدخول في مثل هذه الحكومة الحالية. ولو وقع فيها تعديل اليوم، فالراجح أننا لن نقبل الدخول إليها. ليست عندنا قابلية». عبد الواحد ماهر

 

رضوان زهرو: الدولة الاجتماعية

إنها الدولة التي تعتبر الإنسان ثروة حقيقية، وتسعى إلى حمايته من الأخطار الاجتماعية التي تهدده، كالمرض والشيخوخة والبطالة والفقر... وهي نموذج للدولة الحديثة، التي عرفت منذ وقت مبكر ظهور نظام التأمينات الاجتماعية ومؤسسات الضمان الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، التي أصبح يوكل إليها القيام بأدوار موازية لعمل الدولة، بهدف التخفيف من حدة الكوارث الناجمة عن تدهور الأوضاع الاجتماعية.
لقد جاءت الدولة الاجتماعية كنتيجة لتطور السياق السوسيواقتصادي للعولمة، وما حملته هذه الأخيرة معها من تراجع في دور النقابات المهنية والأحزاب السياسية، حيث لم تعد الأجوبة الوطنية وحدها كافية لتصحيح الاختلالات وتحقيق المطالب الاجتماعية. فالمجتمع العادل لم يعد يخضع فقط لعمل الدولة وإنما أضحى يقوم، إلى جانب ذلك، على علاقات مؤسساتية، اقتصادية واجتماعية، ترتكز على معايير عادلة وتقوم على مبادئ ومرجعيات مشتركة، ترمي إلى بناء مجتمع عادل ومتضامن ومسؤول. حيث لم تعد الدولة المرجع الوحيد للمجتمع العادل، بل ظهرت إلى جانبها حركة مجتمعية واسعة، أكثر تنظيما وأقوى تأثيرا، تهدف إلى جعل التصرفات الاقتصادية أكثر عدلا وإنسانية.
هذه الثنائية في الأدوار وفي المسؤوليات بين الدولة والمجتمع المدني، يمكن اعتبارها أساس الدولة الاجتماعية اليوم. كما أن المسؤولية الاجتماعية لا تقتصر على الدولة والمجتمع المدني فحسب، وإنما تتعداهما، لتشمل المدخرين والمستثمرين، عندما يتحول الادخار إلى استثمار في القطاعات الأقل مردودية (في الثقافة وفي الخدمات الاجتماعية) أو إلى قروض لصالح الفئات الفقيرة (من خلال مشاريع مدرة للدخل).
إن التنمية ليست مجرد عملية إنتاجية لتوفير المواد والسلع والخدمات، وإنما هي أكبر من ذلك، تبتدئ بسد الخصاص في الشغل والسكن والصحة والتعليم، وتنتهي عند تحقيق الأمن السياسي والمشاركة في الحفاظ على التوازن البيئي واحترام القانون والمؤسسات.
لكن، في المقابل، هل الدولة مستعدة اليوم، بما فيه الكفاية، للقيام بكل هذه الأدوار والوظائف الاجتماعية الجديدة؟ وهل الدولة قادرة كذلك على احتواء واستيعاب جميع شرائح المجتمع، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا... وهل الدولة مستعدة للتخلي عن جزء من سلطتها وجعل مستقبل التنمية داخلها بيد الأفراد والمؤسسات؟
إن الدولة الاجتماعية، كمؤسسة عادلة، ترتكز على التزامات متعارف عليها، تحتاج في عملها إلى «عقد اجتماعي»، يكون بمثابة ميثاق وطني، يحدد المسؤوليات، حتى يستطيع كل المتدخلين تكييف مبادئهم وكفاءاتهم مع طبيعة مسؤولياتهم، وذلك بهدف بناء مجتمع فاعلين ومسؤولين.
إن التنمية الاجتماعية مسار طويل ومتشعب ومتعدد الأبعاد، يقود إلى تنمية القدرات الفردية والفرص والإمكانات المتاحة، وإلى توسيع دائرة الخيارات وتقوية الطاقات، على أساس من المشاركة والحرية والفاعلية، من أجل الوصول إلى تحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع، اليوم وغدا، دون أن ترهن في ذلك قدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لرغباتها. ولا يتأتى ذلك كله إلا بالزيادة من مخزون الرأس المال المتاح، بجميع أصنافه ؛ المادية (أراضي وتجهيزات) والمالية (ادخار وقروض) والطبيعية (مواد طبيعية) والبشرية (تعليم وصحة) والاجتماعية (علاقات اجتماعية). من هذا المنطلق تمثل التنمية البشرية برنامج عمل بنيوي وطويل الأمد ومتعدد الجوانب؛ يشمل الجانب المادي (توفير المواد والسلع والخدمات) والجانب الثقافي (حماية الهويات) والجانب السياسي (تقوية السلطة) والجانب الأخلاقي (المعايير والقيم)، وكل ذلك بهدف مواكبة العملية الاقتصادية، حتى لا تؤدي إلى اختلالات اجتماعية، تعوق الاستمرار في النمو وفي تحسين ظروف العيش.
إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعتبر تجسيدا حقيقيا للدولة الاجتماعية والتضامنية، ومقاربة تنموية نموذجية ورؤية استراتيجية ومستقبلية، واضحة المعالم، ترتكز على ثقافة التقويم والمساءلة والحكامة الجيدة، وتهدف إلى التصدي إلى مظاهر العجز المختلفة، من فقر وإقصاء وبطالة وقصور في ولوج المعرفة وضعف في تمكين المرأة وتقهقر في الخدمات الاجتماعية. الأمر الذي يتطلب مبادرات جريئة وشفافة وإمكانات هائلة، واختيار نخبة من النساء والرجال يتمتعون بروح المسؤولية والاستقامة والنزاهة، وإشراكهم لتقلد المسؤولية على أساس من الكفاءة والفاعلية والمساواة بين الجميع، وليس على اعتبار الحزبية أو العائلية أو الزبونية، وذلك حتى تتسع رقعة المشاركة في التدبير السياسي لجميع أفراد الشعب. إضافة إلى بناء أسس اقتصاد قوي ومتين وذي تنافسية عالية. إذ لا تنمية اجتماعية من دون نمو اقتصادي حقيقي، ومن دون استثمار منتج في الفلاحة والصناعة. كما أنه لا تنمية اجتماعية من دون حل جذري ونهائي لإشكالية التبعية والمديونية الخارجية، أي من دون استقلالية وتحرر وإرادة وكرامة، ولا تنمية اجتماعية من دون وحدة وتضامن ومن دون عيش كريم، تُحترم فيه كافة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، ولا تنمية اجتماعية كذلك من دون أمن غذائي وسياسي وثقافي وديني...

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article