المجتمع المدني والرهانات المعطوبة

Publié le par ذ. سعيد رحيم

 

      ثمة أكثر من سؤال يطرح اليوم حول المجتمع المدني بالمغرب، في سياقات اشتغاله ومواكبته للتحولات المجتمعية.. ومع كل ما يوازي هذه السياقات والتحولات من حكامة الاشتغال ونجاعة التدخل، فإن هناك أخطاء قاتلة تحجبها عادة لغة شعاراتية للاستهلاك فقط.

     وأول ملاحظة تتبادر إلى الذهن هو هذا التجاوب، الذي يبدو في ظاهره ايجابيا، بين الدولة وجمعيات معينة، وبالتحديد التي تشتغل في أوراش موضوعاتية في محاربة الهشاشة الاجتماعية والتضامن وكذلك الجمعيات التنموية العاملة بالخصوص في العالم القروي، ما لم تخترقها التشكيلات الأصولية.

     وإن كنا لا نبخس عمل هذه الجمعيات، وخاصة ذات التجارب الرصينة، فإن ذلك لا يحجب ازدواجية الدولة ومؤسساتها في تعاملها مع باقي الإطارات الجمعوية، التي تتعارض مع الاختيارات الرسمية والمتمسكة باستقلاليتها وأجندتها الخاصة والمناضلة من أجل المواطنة وحقوق الإنسان والتعددية الثقافية وحماية الأقليات الدينية والجنسية.

     إننا إزاء وضع في غاية الالتباس، حين تكون الدولة راغبة في جمعيات تقوم معها بتدبير الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ولو بمقاربة إحسانية، ولا تتردد في تمليس الأزمة عوض التفكير في تجاوزها ببدائل تنموية ديمقراطية.

     إن الهامش الكبير من الدعم الذي تمنحه الدولة والجهات المانحة الدولية لبعض هذه الجمعيات، والبعيد عن كل محاسبة ومساءلة، أفرغ الفعل المدني من قيمه التطوعية وجوهره المبني على الخدمة العمومية، مما فسح المجال لبروز تمظهرات ريع جمعوي بامتيازات مادية ومعنوية يحضى بها فاعلون جمعويون. وهكذا نكون أمام مسلسل جديد لتمييع المشهد الجمعوي والإجهاز على قيمه بعدما تمت بلقنة المشهد السياسي وتبخيسه...لأن الفاعل الذي بيده البلاد والعباد لا يحتمل فاعلا سواه مدنيا كان أم سياسيا.

     في ظل هذا الوضع، لايمكن انتظار أي دور من المجتمع المدني في الدفع بسيرورة التحديث والدمقرطة، مع تفشي مظاهر الانتهازية والفهلوية لدى العديد من الفاعلين المدنيين، الذين يلهثون وراء الامتيازات المادية، في الوقت الذي يتحللون فيه من كل مرجعية فكرية وثقافية، وعلى الأقل أخلاقية، تؤطر عملهم. إن الكثيرين لا يترددون في تأسيس غيتوهات جمعوية تتقن تفريخ أنشطة مدرة للدخل لأنفسهم أولا، قبل الفئات الهشة، والبحت عن مصادر التمويل التي يذهب ثلثيها في التعويضات الخيالية، قبل أن يصل إلى الفئات المرصودة لها أصلا في أهداف المشروع.

     إن الكثير من هذه المظاهر يتم تمريرها عبر الحديث عن الجمعية المؤسسة والحكامة الجمعوية.. وهي مفاهيم كونية تمت تبيئتها سلبيا في المناخ الجمعوي المغربي، وتم تفريغها من جوهرها، وتعرضت لتعديل في الجينات والكروموزومات لتسكنها الكثير من الأمراض الانتهازية والطفيلية.

     وبالتالي، آن الاوان أن ندافع عن هده الممارسة بقيمها وأخلاقياتها، ونتشبث بمدونة سلوك مدني تؤطر عمل الفاعل الجمعوي، وأن ننتبه لخطورة اختزال العمل الجمعوي في بعد تنموي شكلي واجتماعي احساني.. بل أن نعمل على أن يكون الرهان في اتجاه تنمية ديمقراطية، بمؤسسات جمعوية رشيدة، عصبها وضوح الرؤية والشفافية والمحاسبة، حتى لا تكون الأجندة المدنية أجندة برهانات معطوبة...

                                    وإلى دبابيس سبرنيطيقية أخرى...

                                                          العقل ولي التوفيق

 


ذ. سعيد رحيم

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article