تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب

Publié le par belkaidi khalid

دعوة لفتح نقاش عمومي حول تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب و توجيه استعمالاته


ديـبـاجـة:   تشهد الكثير من بلدان العالم منذ عدة سنوات نقاشات عمومية واسعة و معمقة و في أحيان كثيرة بلغت حدتها حول مواضيع مرتبطة بتقنين زراعة و استعمال النباتات التي تستخلص منها أنواع المخدرات المحظورة على المستوى الدولي بموجب اتفاقيات صادرة عن هيئة الأمم المتحدة، مثل خشخاش الأفيون، و جنبة الكوكا، و نبتة القنب الهندي المعروف على المستوى الوطني باسم نبتة الكيف التي تتوزع حقولها بين عدة أقاليم شمال البلاد أشهرها على الإطلاق منطقة كتامة

هذا في الوقت الذي يشهد فيه المغرب صمتا مريبا غير مبرر، خاصة من لدن الفاعلين في إطار هيئات المجتمع المدني، بالرغم من الضجة التاريخية الكبرى التي قامت حول حقول القنب الهندي بالشمال، حيث اقتصر تدبير هذا الملف، في جميع مراحل تشكله و تفعيله، على المؤسسات الرسمية التابعة للدولة المغربية و لهيئة الأمم المتحدة و للمنظمة الدولية لمراقبة المخدرات، و التي أفرزت نتائج غير مرضية سواء بالنسبة لهذه الأطراف أو لغيرها، و هو ما أدى إلى تفاقم أزمة الوضع الذي يخضع بشكل مباشر لهذه التدخلات، مما أسفر عن وضع غير سليم سواء بالنسبة للدولة من جهة ، و للمستفيدين من هذه المساحات المزروعة من جهة أخرى .

و بغية المساهمة في فتح نقاش جاد و عميق حول الموضوع على المستوى الوطني بهدف البحث عن الحلول الواقعية و الممكنة، و اعتقادا منا أن تقنين زراعة القنب الهندي و استعماله لأغراض نافعة و في بعض الأحيان ضرورية ، يعد من أولويات الحلول التي يمكن مناقشتها.

 فإننا كفعاليات في إطار المجتمع المدني نطرح هذه الوثيقة للنقاش العمومي كمساهمة في خلق تلك الدينامية الهادفة إلى بلورة أفكار و طروحات أشمل و أعمق حول الموضوع.
 
أية سياسة لزراعة القنب الهندي؟

عرفت الدولة المغربية تاريخيا زراعة القنب الهندي منذ القرن السادس عشر الميلادي، حيث اقتصرت في مراحلها الأولى على خمسة دواوير فقط بكل من منطقتي كتامة و بني خالد في شمال البلاد، ليتم السماح بها لاحقا بإذن من السلطان مولاي الحسن   ابتداء  من سنة 1890 ميلادية في ذات المنطقتين، و بعد احتلال المغرب من طرف الدولتين الإسبانية و الفرنسية بموجب معاهدة الحماية سنة 1912 ميلادية تم تدعيم زراعة القنب الهندي ـ في إطار قانوني ـ بالعديد من المناطق الجديدة على مستوى التراب المغربي، خاصة المتواجدة منها تحت نفوذ سلطة الاحتلال الإسبانية ، وهذه الزراعة  كانت موجهة أساسا للاستهلاك المحلي   كما في  باقي مناطق المغرب ذات النفوذ الفرنسي  قبل أن يتم حظرها على المستوى التشريعي عبر مراحل زمنية متباعدة في ظل ذات الحماية، بلغت أوجها مع استقلال المغرب سنة 1956 ميلادية.

و قد أدت هذه السياسات الفجائية و الحاسمة، عبر مختلف مراحلها، إلى خلق مجموعة من التوترات على مستوى المناطق المعنية مباشرة بزراعة القنب الهندي، بسبب تهديدها لمصدر الرزق الوحيد لساكنتها التي كانت تعيش في ظل أوضاع اجتماعية و اقتصادية مزرية، ساهمت في تشكلها  و تكريسها سياسات نظام الحماية و الحكومات المتعاقبة لما بعد الاستقلال، و هو ما حذا بالدولة إلى التغاضي عن زراعة القنب الهندي في نطاق محدود للغاية بمنطقة كتامة مع محاربته في باقي مناطق توسعه و إن بكيفية محتشمة، كل ذلك تم في ظل غياب لأية بدائل حقيقية لهذه الزراعة ، مما انعكس سلبا على سياسة الدولة في هذا المجال، حيث أخذت حقول القنب الهندي في التوسع شيئا فشيئا لتخرج عن نطاق السيطرة لتصل إلى مناطق خارج تراب منطقة كتامة، تحت تأثير ارتفاع الطلب الأجنبي على مادة راتنج القنب الهندي و ما يشهده الاقتصاد المغربي من انتكاسات بشكل عام، حيث انتشرت هذه الزراعة خلال العشرين سنة الماضية بكل من إقليم شفشاون بكامله لتنتقل بعد ذلك لأقاليم تطوان و العرائش و تاونات.

و قد أخذت الحكومات المغربية المتعاقبة في مراحل لاحقة من تدبيرها لهذا الملف الشائك  ـ تحت يافطة مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات في تماه تام مع قرارات و توجيهات الأمم المتحدة و الاتحاد الأوروبي في هذا الباب ـ إلى محاولة القضاء على هذه الزراعة تدريجيا بدءا بالأقاليم التي امتدت إليها حديثا وصولا إلى حقولها التقليدية بكتامة في أفق استئصالها من المنطقة نهائيا، و هو ما أدى ، كنتيجة حتمية ، إلى تضرر الأسر المستفيدة من حلقات زراعة القنب الهندي و تفاقم أزمتها، في ظل وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية المزرية أصلا في غياب تام لبدائل حقيقية من جانب الدولة المغربية وكذا من مختلف الأطراف الدولية الموجهة لسياستها في هذا المجال، و هي الأزمة التي ازدادت حدة وطأتها مع تكريس سياسة التهميش والإقصاء الذي عانتهما المنطقة برمتها على يد هذه الحكومات على مختلف الأصعدة  ، مما يعاكس حتى جوهر و مضامين السياسات الوطنية و الدولية العديدة المعلن عنها في إطار محاربة الفقر و الهشاشة و عدم الاستقرار.
 
و من ثمة، فإن أية معالجة يمكن أن توصف بكونها منصفة و ذات فعالية لهذا الملف من طرف الدولة المغربية و مختلف شركائها على المستوى الدولي، يجب أن تنطلق عبر تحديد المداخل الأساسية الحديثة و الديمقراطية في إطار من احترام مبادئ وثوابت حقوق الإنسان الكفيلة برسم معالم سياسة عمومية بديلة و ناجعة مؤسسة على خلق اقتصاد بديل قابل للنمو و الاستدامة، يكفل الحدود الدنيا للعيش الكريم و يسهم بشكل فعال في دعم فرص النمو الاقتصادي و الرقي الاجتماعي، بعيدا كل البعد عن الحلول الكلاسيكية المتوارثة و المؤطرة ضمن المقاربة الأمنية المحضة، و التي أثبتت فشلها الذريع في استيعاب إشكالية زراعة القنب الهندي بالمغرب على مدى عقود طويلة من الزمن.

و في ذات السياق تم الترويج على نطاق واسع لإستراتيجية دولية حول الزراعات البديلة، و التي سبق أن تم إنجازها في عدد من بلدان العالم من ضمنها التايلاند سنة 1969 و تركيا سنة 1970 و البيرو سنة 1981، و التي تقوم فلسفتها على أساس تعويض المزارعين بزراعات مشروعة تكون مداخيلها مساوية أو تفوق المداخيل المحصل عليها من الزراعة غير المشروعة التي يتعاطونها، و كنتيجة لذلك أكد تقرير المنظمة الدولية لمراقبة المخدرات سنة 2005، على أن هذه الإستراتيجية ضيقة الأفق و غير فعالة بالنسبة للنتائج المرجوة منها، كما تم استخلاصها من تجربتي سهل بقاع لبنان و الريف بالشمال المغربي، و هو ما أدى لاحقا إلى تغيير هذه الإستراتيجية لتصبح سياسة الزراعة البديلة جزءا من سياسة أعمق و أشمل تقوم على التنمية البديلة التي عرفت بدورها العديد من المشاكل و الحواجز.
    
و تقوم التنمية البديلة إضافة إلى تنفيذ سياسة الزراعات البديلة، على توجيه الاستثمارات إلى المناطق موضوع التدخل في اتجاه إحداث البنيات التحتية و محاربة التهميش و إدماجها في النسيج السوسيو- إقتصادي الوطني، و هي الإستراتيجية التي لاقت العديد من العراقيل و المعيقات جعلت المراهنة على التنمية البديلة تكون على المدى البعيد، عكس انتظارات المجتمع الدولي الذي عبر باستمرار عن نفاذ صبره في تحصيل النتائج، و قد أوضح التقرير سالف الذكر على أن شروطا سوسيو-اقتصادية و أخرى جغرافية و إيكولوجية أدت إلى إضعاف هذه السياسة، حيث أكد على أن المزارعين المعنيين يعيشون على الهامش بالنسبة لاهتمامات دولهم و كذا عدم وجود مؤسسات مجتمع مدني قادرة على تأطيرهم و دعم تفاوضهم مع المؤسسات و المنظمات العمومية و الخاصة، كما أكد على أن وجود هذه الزراعات في مناطق جبلية و وعرة يجعل إحداث بنيات تحتية لتحقيق الأهداف المرجوة من الإستراتيجية أمرا صعبا إلى جانب أن هشاشة البنية الإيكولوجية لهذه المناطق بسبب تلك الزراعات تجعل سياسة الزراعة البديلة محدودة النتائج.

و هكذا، تولدت عن النقاشات العمومية التي انطلقت عبر العالم منذ سنوات  طروحات و مقترحات تنحو في اتجاه ضرورة الحفاظ على هذه المزروعات غير المشروعة، عبر منحها صفة الشرعية القانونية، ليتم توجيه استعمالها وفق برامج وطنية و دولية سيما في إطار التنمية البشرية، خاصة مع تطور استعمالها في المجالين الطبي و الصناعي، كما هو الشأن بالنسبة للقنب الهندي، وأنواع أخرى .

الاستعمالات البديلة للقنب الهندي

تم على المستوى الدولي ـ في إطار هيئة الأمم المتحدة ـ اعتماد الاتفاقية الوحيدة للمخدرات لسنة 1961 بصيغتها المعدلة ببرتوكول 1972، بهدف جعل استعمالات العقاقير المخدرة المدرجة في الجدولين الأول و الثاني للهيئة ، مقتصرة على مختلف الأغراض الطبية و العلمية و توافرها كذلك للأغراض المشروعة بصفة عامة و منع تسريبها و إساءة استعمالها في أغراض قد تمس بأمن و رفاهية البشرية، و في ذات الاتجاه دعت كل من هيئة الأمم المتحدة و منظمة مراقبة المخدرات عبر تقاريرها الأخيرة إلى ضرورة ضمان توافر الأدوية المستخلصة من هذه العقاقير لوضع حد للآلام الحادة و المزمنة التي يعاني منها الملايين من المرضى عبر العالم و بخاصة من جراء الولادة و العمليات الجراحية و الصدمات و أمراض مثل الإيدز و السرطان.

و قد أثبتت العديد من الدراسات المختبرية الحديثة أن لنبتة القنب الهندي مجموعة كبيرة من الخصائص و المميزات التي تجعلها مستجيبة إلى حد بعيد للفلسفة التي تعبر عنها الاتفاقية الوحيدة للمخدرات بصيغتها المعدلة، سواء فيما يتعلق بالاستعمال الطبي و العلمي بشكل عام أو فيما يتعلق بالمجال الصناعي، فمن جهة فإن الاستعمالات الطبية لنبتة القنب الهندي قد أخذت تتطور في الوقت الراهن إلى حد كبير حيث تستخلص منها مجموعة من الأدوية و العلاجات الفعالة خاصة للحد من الآلام الشديدة خصوصا لدى المرضى المصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة أو السرطان إلى جانب علاجات أخرى، و ذلك بمجموعة من بلدان العالم المتقدمة التي تبنت بشكل لا رجعة فيه دعم و تطوير هذا الاستعمال، من ضمنها بريطانيا و كندا و سويسرا و إسبانيا و هولندا و بلجيكا و كذا مجموعة كبيرة من الولايات الأمريكية.

إضافة إلى الاستعمال الطبي، فإن لنبتة القنب الهندي استعمالات أخرى ناجحة و ذات فعالية و مميزات خاصة في كثير من الميادين الصناعية يصعب حصرها عدديا، و التي تعود أصول كثير منها إلى الآف السنين، حيث وجدت شواهد ترجع لما يناهز أربعة آلاف سنة حول استعمال أليافه في تصنيع مجموعة من المواد مثل النسيج و الحبال و الأشرعة، لتمتد بعد ذلك لصناعة الملابس و الأحذية و الأقمشة و ما يماثلها، كما يتم استخدامها أيضا في مجال الصناعات الورقية و الغذائية و كذا في إعداد أعلاف خاصة بالحيوانات و الطيور إلى جانب الصناعات المرتبطة بمواد النظافة و التجميل، كما تستخدم نبتة القنب الهندي بشكل واسع في ميدان البناء كعازل حراري و في صناعة الإسمنت و مواد أخرى.

إن لنبتة القنب الهندي العديد من المزايا و الإيجابيات، يمكن أن تسمح لنا باستغلالها بشكل إيجابي و مقبول في إطار من الشرعية القانونية، وذلك في سبيل خلق و إبداع العديد من الاستعمالات المفيدة و النافعة، و استثمارها في خلق اقتصاد بديل بدون زراعة بديلة بمناطق زراعة القنب الهندي على مستوى الشمال المغربي، خاصة مع ما يشهده هذا المجال من تقدم واضح و ملموس تعززه كل يوم النتائج المختبرية و التشريعات المرتبطة باستعمالاته بعدد من بلدان العالم، و التي يمكن أن تكفل لنا حلولا أكثر واقعية لمعضلة الزراعات غير المشروعة و التي فشلت في التصدي لها كافة السياسات المتبعة لحد الآن.

مـقـتـرحـات

في إطار خلق دينامية على مستوى ملف تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب، فإننا نقترح مجموعة من الخطوات و التدابير الممكن الانخراط في تفعيلها بنهج تشاركي مع مختلف المتدخلين و الفاعلين سواء على المستوى الوطني أو الدولي إلى جانب المؤسسات الرسمية الوطنية منها و الدولية ، و التي نجملها فيما يلي:
    تنظيم سلسلة ندواتý علمية و سياسية حول الموضوع في إطار تعزيز و تطوير النقاش في جو من الديمقراطية و احترام الآراء.
    تعزيز التواصل مع التنظيمات الحزبية و الجمعويةý و العرفية المدافعة عن الاستعمال الطبي و الصناعي للقنب الهندي على المستوى الدولي ، في إطار الاستفادة من طرائق ترافعها.
    تشكيل منتدى وطنيý للتفكير في الموضوع في أفق توحيد الرؤى و التدخلات بين مختلف الفاعلين.
    طرح الموضوع للنقاش العمومي عبر مختلف الوسائلý الممكنة، و من ضمنها الوسائط الإعلامية.

 

 

Publié dans Santé

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article