إلى الجزيرة في عيدها الثاني عشر

Publié le par ياسر الغرباوى


 المجموعة الجيواستراتيجية

ياسر الغرباوى

الانعطافة التاريخية

كان انطلاق قناة الجزيرة  في ساحة الفضاء العربي  فتحاً كبيرا في جدار الصمت الإعلامي  المضروب على قضايا الأمة المركزية ، مثل قضايا الاستبداد والفساد وقضايا حقوق الإنسان وقضية  فلسطين المحتلة تلك القضايا التي تعمد الإعلام الرسمي وما يزال يتعمد تجاهلها  ، فمازالت أذكر المرحلة الجامعية عندما كنت المس عناء الاتحادات الطلابية في  أخذ الموافقات الإدارية على عرض فليم يتناول القضية الفلسطينية ويسلط الضوء على عدوان العدو الصهيوني  في الأرض المحتلة، فمشقة أخذ الموافقة على عرض الفيلم لاتقل عن الجهود المبذولة في إنتاجه وتمويله .

  ولكن مع انطلاق الجزيرة وصل صدى القضايا العربية الكبرى  إلى كل بيت عربي وحدث التناغم بين ما تذيعه قناة الجزيرة  وبين رغبات الجماهير العربية  في أن ترى قضاياها المركزية في سلم أولويات الإعلام و لو على مسار التغطية والمتابعة ، واعتقد أن  التاريخ سيؤرخ  لهذه الانعطافة التاريخية الكبرى في تاريخ نمو الوعي العربي المعاصر، والتي ينبغي أن تتبعها انعطافات أخري كبرى تساهم في تشكيل الوعي العربي والإسلامي نحو الخروج من نفق التخلف والفقر الجهل

مرحلة الرأي والرأي الأخر

و قد نجحت الجزيرة طيلة الأحد العشر عاما الماضية في إسماع الجماهير العربية الرأي والرأي الأخر حول كافة القضايا التي تشغلهم ، وعلى إيصال نبض الشارع العربي إلى العديد من صناع القرار وهذا بالطبع سبب لها العديد من المشاكل مع العديد من الأنظمة العربية وغير العربية من قبيل إغلاق  المكاتب والتضييق على المراسلين الخ، وهذه دلاله واضحة  على مدى تأثير الجزيرة في تشكيل  الرأي العام في المنطقة العربية ويعد نجاحا بارعاً للشبكة والقائمين عليها فطموح أي مؤسسة إعلامية محلية وعالمية هو وصولها إلى مرحلة القدرة على تشكيل وصنع الرأي العام عبر ما تبثه من برامج وفعاليات ،وكثير من شعارات الجزيرة مثل شعار الرأي

والرأي الأخر أصبحت شعاراً للعديد من المؤسسات المختلفة في المنطقة العربية.

على المسار الجيواستراتيجى

ولكن هناك مسار أرى أنه من الضروري للفريق القائم على شبكة الجزيرة أن يدركه بشكل واضح وصريح وهو المحور الجيواستراتيجي  فإذا كانت الجزيرة حققت نجاحاً على المستوى الأفقي (الجماهيري) فهناك  المستوى الرأسي الذي ينبغي أن تحرز في تقدماً لايقل عن النجاح في المستوى الأفقي وهو المستوى الجيواستراتيجي

و لكن ماعلاقة قناة الجزيرة بالمسار الجيواستراتيجي ؟؟؟

الأمم الناجحة والرائدة في عالمنا المعاصر هي التي تعرف ماذا تريد من الآخرين بمعنى أدق لها مشروعها  الجيواستراتيجيى الذي  ُتجيش من خلاله طاقات المجتمع الكبرى نحو أهدافها العليا. فلاشك هنا المشروع الأمريكي الساعي للهيمنة على العالم، وهناك المشروع الفرنسي والصيني والروسي،وهكذا تستعمل الأمم الناجحة كافة طاقاتها المتاحة لديها لضمان نجاح مشاريعها الكبرى سواء من خلال القوة الصلبة (العسكرية )أو القوة الناعمة( الإعلام والتأثير الثقافي والمعرفي <

 و ما تشهده الساحة الفضائية العربية من محطات مثل روسيا اليوم، والقناة الفرنسية،

 دويتشه فيله الألمانية، والحرة الأمريكية وغيرها، ماهى الإ تجليات لمشاريع جيواستراتيجية كبرى تتسابق على المجالات الحيوية في المنطقة العربية وخاصة عقول شبابها الصاعد ، ومن هنا يأتي دور قناة الجزيرة الإستراتيجي  فإذا كانا كعرب في الوقت الحالي نفتقد للمشروع الإستراتيجي الجامع الحاشد لكل طاقات المنطقة نحو بلوغ أهدافها العليا فالأقل من أن نمتلك محطة فضائية كالجزيرة تستلهم فلسفتها الإعلامية من روح المصالح العليا للمنطقة العربية وتبحث عن نقاط الالتقاء الجيواستراتيجية الإعلامية بينا وبين مشاريع الأمم الأخرى الصاعدة بعيدا عن الهيمنة الأمريكية  ،مثل المشروع الروسي أو الهندي أو الصيني .

فاحد أسباب نجاحات الجزيرة هي امتلكها لشبكة من المراسلين عبر قارات العالم الخمس ينقلون لنا ما يقع في غابات الأمازون وما يجرى في أدغال أفريقيا ، وما يعد من قرارات في ساحات البيت الأبيض الخ ..، وهذه ميزة عظيمة ولكن السهم لايصيب الإ إذا كان مدبباً ، فالهدف في وجهة نظري من كل هذا الانتشار الجغرافي للمراسلين هو توفر رؤية جديدة للمشاهد العربي عما يجرى في العالم  من حوادث تؤثر عليه حاضراً ومستقبلاً بدرجة من الدرجات فنقل الأحداث لمجرد أنها أحداث ووقائع لايصلح أن يكون هدفاً في حد ذاته  خاصة عند المؤسسات التي تمتلك رؤية ورسالة تناضل من أجلها وتدفع في سبيل ذلك بالغالي والنفيس مثل شبكة الجزيرة  .

فالعالم الآن يشهد تحولاً جيواستراتيجيا  هائلاً  تتجلى مظاهره في صعود قوى دولية جديدة مؤثرة على الساحة الدولية وهناك من يُبشر بعالم متعدد الأقطاب يشتمل على قوى صاعدة جديدة مثل روسيا والصين والبرازيل والهند وغيرها من الدول الكبرى ،وبالتالي ليس منطقيا ً أن تظل بعض برامج الجزيرة  ترسم صورة ذهنية للمشاهد العربي بأن العالم تدار شؤونه كلها من مطبخ واحد هو المطبخ الأمريكي فقط!!!، عبر بث برنامج من واشنطن بشكل ثابت ودائم من العاصمة الأمريكية.

 فلماذا لانشاهد برنامج من نيودلهي ، أو من موسكو، أو من بكين، أو طوكيو ، خاصة وأن شعوب هذه الدول الصاعدة حريصة بدرجة كبيرة على التواصل مع الشعوب العربية والإسلامية على عكس الشعب الأمريكي الذي تمتلك بعض قطاعاته نظرة استعلائية على شعوب العربية والإسلامية .

بالإضافة إلى انه توجد نقاط تقاطع مع مصالح المنطقة العربية ومصالح هذه الدول الصاعدة  أقلها التخلص من هيمنة القوة الأمريكية الضاغطة على المنطقة  فينبغي لبرامج الجزيرة أن تشكل  رؤوس جسور للمشاهد العربي يعبر من خلالها وبها نحو اكتشاف  المسارات الإستراتيجية على مستوى الداخل العربي وعلى مستوى متابعة حركة الحراك السياسي العالمي  عبر بناء علاقات شاركه إعلامية مع القوى الدولية الصاعدة .

 فنحن نحتاج في ساحتنا العربية  إلى برامج تعرفنا طبيعة الثقافات والمجتمعات والعادات السائدة في هذه البلاد الصاعدة وأيضا تنقل لهذه الشعوب عاداتنا وأحلامنا وطموحتنا عبر وسائط إعلامية مبتكرة أظن أن فريق الجزيرة قادر على إبداعها من خلال شاشة الجزيرة  مما يدفع بنا نحو بداية بناء مشروع جيواستراتيجى عربي جامع لنا من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر .

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article