سعيد المغربي: غنيت للحرية والمقاومة وهموم البسطاء

Publié le par القدس العربي

 

سعيد المغربي: أغنياتي ترددت في السجون والمظاهرات والإضرابات وحملات التضامن مع فلسطين، غنيت للحرية والمقاومة وهموم البسطاء والمسحوقين.

بروكسل ـ 'القدس العربي' ـ من عبد المنعم الشنتوف يعتبر الفنان سعيد المغربي واحدا من الوجوه الهامة في تاريخ الأغنية الملتزمة العربية. شكل بمعية الفنان المصري الشيخ إمام والفنان اللبناني مارسيل خليفة وآخرين تمثيلا لتجارب جمالية تختلف من حيث سماتها ومكوناتها وطرائق اشتغالها. وعلى امتداد أزيد من ثلاثين عاما تمكن سعيد المغربي من أن يغني للحرية والمقاومة وحقوق وهموم البسطاء والمسحوقين وأن يراكم من ثم إرثا متميزا اشتمل على محطات أساسية. وفي عام 1981، لجأ الفنان والمغرب يعيش حمى سنوات الجمر والرصاص إلى فرنسا ليقيم فيها. وفي عام 1994، قرر إثر صدور العفو الملكي في حقه تطليق المنفى والعودة نهائيا إلى المغرب. حصل الفنان على شهادة الدكتوراه في الموسيقى من جامعة السوربون في باريس، ويعمل حاليا أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بمدينة المحمدية.
التقيناه في بروكسل على هامش مشاركته المتميزة في مهرجان موسم، وكان الحوار التالي.

إذا كان لكل تجربة جمالية سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي، فإنني أرغب في البداية أن أطرح عليك هذا السؤال: ما هي الشروط التي حكمت اعتناقك للأغنية الملتزمة باعتبارها تجربة جمالية؟
أنا لم اعتنق الموسيقى بل هي جزء من كياني، عندما أدركت منذ بداياتي الأولى، إنني مسكون بها، بحث أصبحت تؤثث مجالي الخاص وأضحت تعنيني بالدرجة الأولى فاستهوتني الأصوات. ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول اكتشاف جوهر هذه الأصوات والأنغام وأعمل جاهدا على تركيبها وتنسيقها كما يحلو لي، وكأنها سر من أسرار وجودي العضوي. إنني لازلت اعمل على تفكيك خباياها بل خباياي. مآل هذا الارتباط الروحي بالموسيقى هو الأساس الطبيعي الذي أسست عليه تجربتي الفنية مند لحظاتها الأولى ودون سابق إنذار. أغنيتي هي التي صنعت وبتلقائية أو بالأحرى بعفوية شكلها الجمالي، دون تعسف على مراد ما تبتغيه النفس. وسرعان ما اكتشفت بعد مدة من عناء الممارسة أن ما أقوم به، له جمال خاص وشكل خاص، ومراد أصبح علي أن أتحقق منه، وأحاول امتلاك إدراكه في سياق الإبداع العربي والمغربي ومحاولا أن أجد له تبريرا جماليا ونظريا يستوفيه على كل حال إنها لعبة ورهان يقوم على أساس تبريري أو محاولة لتأويل دائم ومتواصل للحد من قهر الوجود الطبيعي للأشياء علينا
راكمت على امتداد مسارك الحافل تجربة متميزة لها نجاحاتها وإخفاقاتها. كيف تنظر إليها بعد انصرام ثلاثة عقود أو يزيد على بدايتها؟
في بداية الأمر لم أكن أدرك أن المشوار الذي سلكته سيكون صعبا إلى هذا الحد. لم أكن أدرك أني سأكون، ضد نفسي، معارضا ليس فقط لنظام من القهر الاجتماعي والسياسي والثقافي وسيكون هذا شرط الانتماء إلى صف المشاكسين والمعارضين والمنبوذين. بل هذا الاختيار النبيل سرعان ما ستعترضه قوى همها الوحيد هو مناهضة الاختلاف الفكري والسياسي ومحاولة الاستبداد بالرأي والموقف، بتطلعات سياسية فجة ومتنطعة وملتبسة أدت في النهاية إلى قبر نهضة ثقافية عارمة عرفها المغرب منذ الستينات حتى بداية الثمانينات من القرن الماضي بطلها الدولة من جهة والأحزاب الموالية، التي أضنتها بطولاتها الجهادية، التي كانت تراهن على تقربها من السلطة دون خسائر وخدمة طموحات وأغراض سياسوية من خلال استباق ولائها المعلن، عبر مناهضة كل ما من شأنه أن يضعف وجودها وإستراتيجيتها. فكان ما كان، تعاقب خسارات نهجها من جهة وإسهامها المفرط في قتل المشروع الثقافي الشعبي والوطني. في صلب هذه المعادلة أصبح علي أن أقاوم، وبحذر، بطش تضارب المصالح بين نظام مستبد وأحزاب غير مبالية وغير مكترثة بالحركة الثقافة الواعدة والرائدة التي كانت سندا حقيقيا لتلك الحقبة، وشكلت بالتالي سندا حقيقيا لتجربتي الموسيقية وساهمت في انتشارها. داخل هذا المشوار الصعب لا أرى سوى النجاحات المتواصلة كوني لازلت في صلب مشواري والذين نشروا أو قالوا بنهايتي واهمون، لأنهم منذ البداية راهنوا على ذلك ولم يراكموا سوى ثقافة التدجين وساهموا في الانحطاط الفكري لهذا البلد.
كيف راهنت تجربتك المتميزة على الأفق التواصلي؟ هل اختلفت شروط واقتضاءات التلقي بين سياقات البداية بما اشتملت عليه من حصار وملاحقة وقمع وتضييق والسياق الراهن وهامش الحرية الذي أتاحه؟
لم أراهن على شكل محدد في بداية مشواري سوى مخزوني الأولي الذي استعرت منه ما يكفي لتبليغ تجربتي بتوافق مع رغبة دفينة في قول الأشياء، لم أكن قادرا لصغر سني على التفكير فيها في بادئ الأمر ـ لكن سرعان ما سيطرح علي مشكل طريقة توصيل الخطاب الغنائي الذي كنت أحاول تأثيثه، فوجدت نفسي في سياق الأشكال الحضرية التي أنتمي إليها، والتي تنصهر فيها موسيقى الأرياف والموسيقى الوافدة والموسيقى الأصيلة هذا الوضع الاعتباري للمدينة، الذي هو شكل من أشكال اختصار المسافات الثقافية واختزالها، ساعدني على بلورة نموذج شخصي يستلهم وجوده الفني من كل هذا التداخل الكمي والكيفي في تعابير المدينة، لهذا مضيت، تفاديا لشر هذا العذاب ، في صنع ما يحلو من أغاني باللهجة المغربية والأغنية ذات النص العربي الفصيح والنشيد، كل هذا في أفق تواصلي متعدد بروافده وأبعاده الابستيمولوجية، هذا على مستوى الشكل. أما على مستوى المضمون الفكري أو بالأحرى السياسي فقد اختلف الأمر وخضع لمراحل متواصلة ومنهكة أدت في النهاية إلى نوع من الانفراج السياسي. وما الهامش الذي يعيشه المغرب الآن سوى نتيجة ايجابية لصراع طويل بين أطراف التغيير التي عملت في الخفاء وعانت ويلات الظلم بالضد من كل أشكال القهر والاستبداد. كل هذا وذاك انعكس في تجربتي الغنائية فكانت جزءاً و تعبيراً رمزياً على معاناة مرحلة بكاملها فهي بالأحرى محكومة بهذا القدر الاجتماعي والسياسي ـ أما السياق السياسي الراهن فهو يغري من ناحيتين فقد وفر إمكانية التصالح من الذات وهي على كل حال شرط أساسي لتوفير شروط المصالحة الحقيقية. وافسد التكتيك التآمري لكل أصحاب البرامج السياسية الذين عملوا في العلن، المتوافق عليه، لعبة المصالحة وأصبحوا غير قادرين على تدبير مرحلة الانتقال التي من المفترض أن تستفيد من هذا الانفراج ومن طموحات الملك الحالي العادلة والمستنيرة والنبيلة.
يسوقنا السؤال السابق إلى الحديث عن الشروط التي أطرت إنتاجك الجمالي. هل يسعك في هذا الصدد أن تحدثنا عن الشروط التي كنت تنتج وفقها مختلف نتاجات تجربتك الجمالية؟ وهل ما تفتأ هاته الشروط محتفظة إلى الآن براهنيتها أم طالها التغيير؟
طبيعة الأشياء هي التغير، نحن شعوب، عامل التغيير فيها لم يأت من داخلها، لأنها عجزت عن تحقيقه على مر العصور، نظرا لغياب عناصر التغيير في وجودها وبنياتها ونظمها الاجتماعية. الاحتكاك بالآخر وفر علينا تعب هذه المهمة. بحيث أن ما يعرفه العالم الحالي من تلاقح ثقافي وفكري مباشر وغير مباشر، أحدث فجوة عميقة في بنية مجتمعاتنا العربية الحالية، مما انعكس على الخطاب الموسيقي والفكري. عندما بدأت الغناء كان التواصل مع الآخر أساسا عن طريق الكتابة، وتأثيرها كان بطيئا مما ساعد على بلورة الأفكار وتوطينها ثقافيا، وسمح للفنان العربي من ابتكار أساليب محلية ذات بعد محلي وصيغ فنية محلية. أي أن التأثير الخارجي سرعان ما انتفى في الزمان وساعد على بلورة قيم محلية قادرة على الصمود. الآن نحن أمام سيادة أشكال دخيلة كلية، وتحتكم إلى سرعة زمنها الحقيقي، دون مرور عبر وسائط الفكر، متجاوزة بذلك حدود العقل والآفاق الإبداعية المحلية، فأصبحنا أمام وضع تاريخي يصعب فيه تمييز المحلي من شيء آخر، حتى لا أقول الكوني. هذا تناقض باختصار شديد بين مرحلتين، بين تلك التي كانت تعمل على خلق الأشكال وتراهن على بلورة مشروع محلي خاص وتمثيلي، وبين الوصفات الجاهزة التي يتصف بها العالم الحالي. إنها جريمة ضد الثقافات المحلية ونموها ودوامها . أما البديل لتجاوز هذا التضاد، فهو التسلح من أجل مقاومة الذوبان الثقافي والانسلاخ السهل الذي توفره الآن كل وسائل الاتصال. أظن أن العالم أصبح يعي خطورة هذا الوضع وأصبح ينادي بضرورة تحديث الثقافات المحلية والحفاظ عليها، كأساس لبلورة الاختلاف الثقافي كمشروع كوني وتقويته. أنا الآن بصدد التفكير في صيغ راهنية هاجسها كل هذا. ـ ثمة محطات أساسية في مسارك عرفت فيها تجربتك الفنية تحولات من حيث الشكل والمضمون تخالف من حيث درجة حدتها. هل يمكن الحديث والحالة هاته عن تحولات تستشرف درجة القطائع الجذرية أم استمرارية مدموغة بالوعي النقدي؟
الفنان لا يستطيع بتاتا القطع الجذري مع ما يميزه. وإلا أصبحت العملية الإبداعية عنده، كلعب عيال كما يقول المصريون. الفنان يعيش عصره بكل طمأنينة مع نفسه أولا، أي أنه في ذلك ينمو بشكل متواتر، ويختلف من حيث السرعة والنضج بين فنان وفنان. وهو على كل، مسار واحد معقد ومتداخل وليس للقطيعة فيه مجالا، كون العملية الإبداعية حسية وروحية أو رمزية وليست بالأحرى عملا علميا صرفا ، رغم تجليات الصنعة الظاهرة في شكله. وعليه، عندما أغني مضمونا ما ففي الآن نفسه أقوم بنفيه وتجاوزه. عملية النفي هاته ليست قطعا بل هي بالأساس ما يميز لحنا عن لحن ومضمون شعري عن آخر، وقضية عن قضية. في هذا المسار التطوري يصعب علي أن أحدد مكامن الضعف والقوة في تجربتي. كل ما أحاول أن أقوم به نقديا، هو مساعدة الآذان الصاغية على تًسَمُّعِ ما غنيت وليس سماعه، لأنني أعتبر ما قمت به لحد الآن هو عملية تجديد متواصل لخلق شكل فني مغربي أصيل، له فاعلية في رصد تحولات الأغنية المغربية وبلورتها من داخل نصها الموسيقى لتصبح تعبيرية تركيبة وذات معنى في بنائها، أي أن النص الموسيقي عندي هو عموما بناء درامي يتداخل فيه الأفقي والعمودي في عملية توليد موسيقي ونغمي مستمر ومتصاعد.
هل تحتفظ والحالة هاته بمسافة نقدية بينك وبين بعض انجازات تجربتك الجمالية؟
صحيح أن أغنية سعيد غيَّرَها الوسط الجامعي وأصبحت في قليل من الأغاني أكثر مباشرة في التعامل مع الكلمات التي هي كذلك ذات طبيعة مباشرة . لقد أصبحت أغنية استعجالية، شأنها في ذلك، شأن الوضع السياسي الذي كان هو الآخر استعجالي في القهر وقمع الحريات سواء منها الفردية أوالجماعية، فكنت في ذلك استلهم الأشكال والنصوص التي تعبر على الرفض وعدم الخنوع والصبر والتضحية والأيمان بأن صوت الحق لابد أن يستجيب يوما. أغنيتي هي أغنية الأمل المغربي الممنوع، لهذا رغم طراوتها وحِدَّتها التعبيرية في ذلك الزمان، أحبها الجمهور دون تردد وساعد على انتشارها الرائع، (إن كانت هناك شهادة تقدير تمنح للأعمال الأكثر تهريبا في العالم فستستحقها تجربة سعيد المغربي)، جميل أن يصنع الفنان تجربة يساهم في صنعها الجمهور ويستأنس بها في لحظات الشدة وما أكثرها وقتذاك. في تاريخ المغرب لم تردد أغاني سعيد إلا في الفضاءات التي كانت تظهر فيها قساوة تلك اللحظة التاريخية، من سجون، وتعذيب ومظاهرات وإضرابات وحملات تضامنية مع قضايا التحرر في العالم ابتداء بفلسطين حتى الجنود المغاربة المرابطين على حدود الصحراء المغربية الذين أغرتهم هذه الأغاني بحماستها وقوتها التعبيرية فأصبحوا يرددونها من أجل رفع حماستهم الوطنية ضد أعداء الوحدة الوطنية. المسافة التي بيني وبين إعمالي حققت عندي نوع من الاطمئنان يقوم على الدهشة والانبهار لمرحلة شكلت منعطفا حاسما في تاريخ المغرب السياسي والثقافي.
ما الموقع الذي يشغله سعيد المغربي في خارطة الغناء الملتزم العربي التي ضمت أسماء وازنة من قبيل مارسيل خليفة والشيخ إمام ؟ ما هي مظاهر الالتقاء والاختلاف التي قد توجد بين تجربتك ونظائرها؟
كثيرا ما أسأل عن هذه المقارنات، وقد قلت فيها الشيء الكثير عبر الصحف المغربية والتونسية. أتمنى أن يطرح نفس السؤال على مارسيل خليفة يجيب كلية أو جزئيا عن موقعه في الغناء الملتزم ويخرج من تنطعه الشخصي رغم محبتنا له كفنان وأحد الرواد. أنا كمغربي ملتزم أقرب إلى الشيخ إمام في مقاربته الموضوعاتية وأقرب إلى مارسيل خليفة في بعض مقارباته الموسيقية أما من حيث الهم السياسي فكلنا غنى لقضايا الإنسان العربي، ويمكنني أن أؤكد لك أنني لست لا هذا ولا ذاك أنا مغربي حتى النخاع، وهمِّي الموسيقي هو بلورة هذا الانتماء خدمة للأغنية المغربية .
هل يمكن القول بعد عودتك إلى المغرب عام 1994 وتطليقك للمنفى الفرنسي أن مساحة الحرية قد زادت بالنسبة لك باعتبارك مبدعا؟ وبتعبير آخر، هل استعدت قدرتك الكاملة في ظل العهد الحالي على التعبير الإبداعي؟
المسألة ليست مرتبطة بحقي الفردي في التعبير، بل في الحق المجرد الذي يمكن أن نلمسه حاليا في المغرب، المغرب يعيش أجمل لحظاته، في ما يخص حرية التعبير، بالمقارنة مع سنوات الجمر والرصاص. هذا يظهر جليا في الساحة السياسية والإبداعية المغربية ويظهر كذلك من خلال كلمات المجموعات الشبابية الحالية التي تتمتع بقسط وافر للتعبير عن آراءها الاجتماعية لدرجة أن الملك محمد السادس احتضنهم برعايته في مهرجان الرباط الأخير، وسلمت لهم هدايا باسمه، وهذا شيء جميل يعرفه الإبداع في المغرب برعاية الدولة. في ما يخصني الأمر مختلف ليس هناك منع معلن بحيث أحييت حفلات موسيقية وتم بالمناسبة تكريمي ليس فقط عن طريق المجتمع المدني المناضل بل من طرف مجموعة من البلديات في المدن المغربية، وهذا في اعتقادي علامة بارزة على التحولات الايجابية التي يعرفها المجتمع الحقوقي.
وفي نظري يجب توجيه النقد بل العتاب للذين امتهنوا الوصاية على الشأن الثقافي والإبداعي في المغرب، والذين استفادوا من نضالات الحركات اليسارية السابقة وعذاباتها، وتربعوا على عرش الثقافة ليعيثوا فيها فسادا بعدما افسدوا السياسي باسم المعارضة الموالية دون أي مشروع ثقافي ولا حتى سياسي. عشر سنوات من المحن الثقافية تكالبت على الشأن الثقافي واغتنت بفضله بمزايا لا تمت بصلة بتاتا بالمشروع الثقافي الأصيل الحداثي والشعبي الذي احتكم إليه اليسار السياسي والثقافي المبعد كلية، والمحارب من طرف شرذمة من الوصوليين. الدولة إن أرادت خيرا لتدبير الثقافي يلزمها ويجب عليها أن تختار من يرعى الثقافة والفن ويواصل ورش التنمية الثقافية في المغرب، من المقاهي المغربية، حيث توجد الأطر الثقافية المهمشة والمبعدة قسرا على المواكبة الفاعلة والموازية للتحولات التي يعرفها المجال الحقوقي في بلادنا.
ما هي العلاقة التي تحتفظ بها مع المؤسسات الوصية على الفعل الثقافي في المغرب؛ أقصد اتحاد كتاب المغرب ووزارة الثقافة؟
ليست هناك أية علاقة. لقد تم الاستيلاء على كل المؤسسات المؤثرة لقطع الطريق على كل ما من شأنه أن يفعل خيرا ثقافيا بارزا في البلد، وحسب فهمي فالمسألة مدبرة بالتأكيد وهي خطة محكومة تمت على حساب تراجع الفعل السياسي المدبر وتعويضه بفعل ثقافي لا يخدم حتى التطلعات الرسمية المعلنة لمغرب اليوم. أحمل المسؤولية كذلك للعنصر البشري في هذه المقاربة ولعدم قدرته على أن يكون بؤرة من بؤر التقدم الثقافي الطموح والواعد. أشير هنا أن هذا الارتباك في التدبير وغياب الفعل الثقافي سيُؤْذي حتما ما تتوق إليه الدولة السياسية الحقوقية والقانونية المنشودة. فالنخب المغربية الحالية هي جد متقدمة فكريا وإبداعيا على المؤسسات التي تدعي أنها تمثلها. انظر، مثلا جاك لانغ الفرنسي وما فعله في الساحة الفرنسية ومدى سخائه المعرفي والسياسي وطواعيته في تحريك الثقافة كفاعل مجدد في التنمية الثقافية والسياحية الفرنسية واندماجه الكلي كفاعل ومدبر لمرحلة لازالت ساطعة في فرنسا والعالم. نحن لدينا مجالا يجب استثماره ثقافيا وسينعكس كل نجاح ثقافي على المؤسسات السياسية والاقتصادية الأخرى.
هل يعتقد سعيد المغربي في قدرة الأغنية الملتزمة على الاحتفاظ براهنيتها وتأثيرها على المتلقي وحمله على تغيير عاداته الجاهزة والسلبية في الفعل والتفكير داخل المجتمع أم تراه يؤمن بحتمية تغيير أسئلتها وأفق توقعاتها وطرائق اشتغالها؟
الأغنية السياسية أغنية ليست أغنية دعوية أو تبشيرية، إنها أغنية تعبر عن واقع إنساني رحب، إنها عمل فني جاد، لا يقوم فقط على إثارة الحواس والتساؤل، بل هي انعكاس ايجابي للحياة ومدى تأثيرها في النفس . الإبداع عموما يقاس بعناصر ذاتية ونفسية وثقافية مما يمكن اعتباره خارج عن دائرة الزمن الآلي، وهو بهذا منخرط دوما وأبدا في الزمن الإنساني بكل معانيه السياسية والثقافية والاجتماعية.
ما من شك في أنك قد أحطت علما بالمصير المأساوي الذي عرفه الإرث الإبداعي والرمزي للمبدعين المغربيين الراحلين محمد شكري ومحمد القاسمي. وغير خاف في هذا الخصوص أن العلة لا تعدو كونها المنزلة البخسة التي تحظى بها الثقافة عموما في المغرب وغياب قانون يضمن حماية ما يخلفه المبدعون المغاربة من التلف والضياع وعبث الجهلاء والمرتزقة. ألا يساورك بعض القلق والخوف على الإرث الذي سوف تخلفه بعد العمر الطويل طبعا؟
أولا، وزارة الثقافة هي المعنية الأولى بمصير الإبداع والمبدعين وهي الساهرة على الشأن الثقافي وتأهيله في البلاد . إلا إنها ، في وضعها الحالي، غير مؤهلة فكريا ولا سياسيا للقيام بالدور المنوط بها، نظرا لغياب الكفاءة في عملها كوصية على الفن والإبداع وفي ظل غياب مشروع ثقافي واضح وحداثي وإرادي ستبقى دار لقمان على حالها.
أما في ما يخصني فالأمر مختلف جداً جدا. إنني أرى أعمالي أمام عيني في نفس الوضعية إن لم تكن أكثر من ذلك، كونها أغاني الشارع العمومي وذاكرة أجيال ولم يتقدم احد لأرشفتها وإعادة تسجيلها بشكل لائق.` تصادم آمال المسلمين المهاجري

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article