هل يُقرُّ الملك رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا؟

Publié le par Nidal NIDAL

هل يُقرُّ الملك رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا؟

مصطفى عنترة

هل يستجيب الملك محمد السادس لمطلب مجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية؟وما الدلالات الثقافية والسياسية التي يحملها هذا المطلب؟ وماذا يعني إقرار تاريخ13  يناير ، أي رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا؟ وكيف يحتفل سكانإفريقيا والمغاربة على وجه الخصوص بهذا الحدث؟ وما هي مظاهر وتجليات ورمزية هذاالتاريخ؟

أقرت الدورة الأخيرة لمجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية،بالإجماع، رفع توصية إلى الملك قصد جعل فاتح السنة الأمازيغية القادم عيدا وطنيا. وتحمل هذه المبادرة طابعا سياسيا ينضاف إلى مطلب الحماية الدستورية للغة الأمازيغيةالتي كان المعهد قد رفعها إلى الملك في دورة سابقة. أهمية هذا المطلب تأتي من طبيعةالسياق السياسي الراهن، ذلك أن الدولة أعادت مؤخرا الروح إلى ملف الأمازيغية بعدإخراج مشروع القناة الأمازيغية من ثلاجة الانتظار وإبرام اتفاقية بين المعهد الملكيللثقافـة الأمازيغــية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وأخرى مع وزارةالداخلية لإدخال الأمازيغية في تكوين الأطر الإدارية. وهي مبادرات تحاول الدولة منخلالها الإجابة عن الاحتجاج الأمازيغي الذي عرف حدته وفرض وجوده في الفضاءاتالعمومية.. خاصة بعد تجاوزه لسقف الحدود الثقافية واللغوية. وقبل الحديث عن رمزيةفاتح السنة الأمازيغية (13 يناير)، لابد من الوقوف عند البعدالتاريخي والثقافي لهذا اليوم على اعتبار أن ساكنة شمال إفريقيا عُرفت تاريخياباحتفالها بطقوس هذا الحدث.

استعمل الإنسان بشمال إفريقيا التقويم الأمازيغي منذ2959 سنة، أي قبل 950 سنة من ميلاد المسيح عليه السلام. وأصبح الأمازيغ يحتفلون كلبداية سنة برأس السنة الأمازيغية كعيد يرسخ علاقة الإنسان بالأرض ويقيمون طقوساخاصة مرتبطة بواقعهم الاجتماعي.

ويعد هذا التقويم من بين التقويمات المستعملةمنذ أقدم العصور، إذ نجده يختلف عن التقويمين الهجري والميلادي. فهو مرتبط بحدثتاريخي، اختلفت الروايات حول عمقه وأصوله التاريخية وتضاربت الآراء حول دلالاتهورمزيته.

الجذور التاريخية:

يُرجع الأمازيغ بداية هذا التقويم إلىحدث تاريخي يتجلى في انتصار الملك الشهير شيشنق على فراعنة مصر واحتلال هرم السلطةهناك بعد أن حاولوا الاستيلاء على أراضي شمال إفريقيا، وذلك في معركة دارت رحاهابالقرب من ولاية تلمسان غرب العاصمة الجزائرية. وعقب انتصاره على هؤلاء سنة 950 قبلالميلاد شُرع في التأريخ لهذا الحدث التاريخي.

وحسب ويكيبيديا (الموسوعة الحرة)فإن شيشنق هو ملك مصري من أصول ليبية. ويرجع نسبه إلى قبائل المشواش الليبية، مؤسسالأسرة الثانية والعشرين وهو ابن نمروت من تنتس بح. استطاع هذا الرجل أن يتولىالحكم في بعض مناطق مصر، حيث جمع بين يديه السلطتين المدنية والدينية، كما نجح فيالاستيلاء على الحكم في مصر بمجرد وفاة آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين وبالتاليأسس الأسرة المصرية الثانية والعشرين (الليبية) في عام 950 ق.م التي حكمت مصر قرابةقرنين من الزمن.

أما الإغريق فقد سموه سوساكوس. غير أن معظم الباحثين، حسب نفسالموسوعة ـ يُرجح أن شيشنق تمكن من الوصول إلى الكرسي الفرعوني بشكل سلمي في ظروفمضطربة في مصر القديمة، حيث سعى الفراعنة القدماء إلى الاستعانة به ضد الاضطراباتبعد الفوضى التي عمت مصر القديمة جراء تنامي سلطة العرافين الطيبيين.

وكيفماكانت الطريقة التي تمكن بها شيشنق من الحكم على مصر، فإن التقويم الأمازيغي قديمقدم الإنسان الأمازيغي الذي ارتبط ظهوره بشمال إفريقيا، بل إنه قد يكون أقدم منالتقويم الفرعوني الذي قد يعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

لكن تعالت فيالسنوات الأخيرة، بعض الأصوات الرافضة لربط الاحتفال بعيد السنة الأمازيغية بانتصارالملك شيشنق على مصر. فقد سبق للصافي مومن علـي (عضو المكتب الوطني للجمعيةالمغربية للبحث والتبادل الثقافي) أن وجه نقده لدعاة هذا الطرح 'إن هذا الاعتقاد إنكان أصلا خاطئا ومتعارضا كليا مع الحقائق التاريخية، ومع ذاكرة شعبنا، ومع وقائعهذا العيد وطقوسه، فإنه يلطخ صفاء هذا العيد النبيل، بربطه بالدم، وبالسيوف،وباستعمار أراضي الغير وبالتالي يعيق تحقيق مطلب الحركة الأمازيغية العادل فيإقراره عيدا وطنيا رسميا، لما في ترسيمه من إحراج لدولتنا إزاء دولة مصر الشقيقة،وإزاء كل دول المعمورة التي ستقاطعنا في هذا العيد ولا تشاركنا فيه فرحتنا، كما لنترسل إلينا في مناسباته برقيات التهنئة لارتباطه بفكرة الاعتداء على سيادةالشعوب'.

المظاهر والتجليات:

تتعدد مظاهر وتجليات الاحتفال برأسالسنة الأمازيغية سواء على المستوى الاجتماعي أو المستوى الثقافي والفني و حتى علىالمستوى السياسي خاصة بعد أن حرص الفاعل الأمازيغي على استغلال هذا الحدث كل سنةنظرا لما يكتسيه من دلالات رمزية وتاريخية من أجل توجيه رسائل وإشـارات ونـداءاتسياسية إلى الدوائر الرسمية المسـؤولة بغية الاستجابة لدفتر مطالبه.

وعلىالمستوى الاجتماعي، تنظم الأسر في العديد من المواقع الجغرافية بشمال إفريقياأطباقا خاصة، تعبيرا منها على أهمية هذا اليوم الذي يعد يوم الاحتفال بالأرض لماتتمتع به من عناصر الحياة.
فيتناول المغاربة على سبيل المثال 'الكسكس' كوجبةأمازيغية أصيلة بلحم الديك وبخضر متنوعة (سبع خضر)، أما في المساء فيقومون بإعدادشربة 'أوركيمـن' (التي تطورت فيما بعد لتصبح الحريرة التي نتناولها خلال شهر رمضان)تطـــــبخ فيها كل أنــواع محصولات تلك السنة من الحبوب، كما تقوم الأسر ببعضالتقاليد المعروفة كوضع الحنة للأطفال وغير ذلك وفقا لخصوصياتها الثقافيةوالاجتماعية. ويستشرف الأمازيغ الأمل في المستقبل من أجل أن يكون الموسم الفـلاحيالقادم مزدهرا وغنيا.

الأكيد أن الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية من شأنهاأن تلقي الضوء أكثر على مختلف الجوانب المرتبطة بهذا الحدث. أما على المستوىالثقافي والفني، فقد دأب الفاعل الأمازيغي على تنظيم تظاهرات ثقافية وفنية للتعبيرعن التنوع الثقافي والتعدد اللغوي الذي يزخر به مجتمعه.
وفي العقد الأخير استطاعهذا الفاعل الأمازيغي، بفضل رياح الانفتاح السياسي التي هبت على سماء المملكة،إخراج هذا الاحتفال من طابعه الشعبي الضيق إلى طابع وطني أوسع لهذا الحدث، حيث يكونمناسبة لطرح مطالبه الثقافية والسياسية. والأكثر من هذا وذاك، تجديد التأكيدوالمطالبة بضرورة ترسيم السنة الأمازيغية واعتبارها عيدا وطنيا كباقي الأعيادوالمناسبات الأخرى.

رمزية الحدث:

أكيد أن الانفتاح الرسمي على هذاالحدث التاريخي، وذلك من خلال حضوره المحتشم في الإعلام العمومي، يفيد أن الدولة فيطريقها إلى الاعتراف برأس السنـة الأمازيغية. وربما قد يكون هذا الانفتاح التدريجييهدف إلى تهيئة الرأي العام الوطني قصد القبول بهذا الاعتراف اعتبارا للأهميةالثقافية والتاريخية والسياسية ولطبيعة وخصوصية هذه البنيات السائدة التي ما زالتتظهر صلابتها ـ في بعض الأحيان ـ في وجه تطور الأمازيغية وإحلالها مكانتها الطبيعيةداخل المجتمع والدولة.

فالاعتراف بالسنة الأمازيغية هو في العمق اعتراف بالوجودالأمازيغي، وهذا يعني أن تاريخ المغرب لا يقف عند الفتح الإسلامي كما دُرّْسلأبنائنا في المقررات الدراسية التابعة لوزارة التربية الوطنية، بل يمتد إلى آلافالسنين، كما يرسخ الطابع الأمازيغي للمغرب، ويؤكد الهوية الموحدة الغنية بروافدهاالثقافية واللغوية والعقائدية المتعددة، ويدعو في نفس الوقت إلى فتح ورش إعادةكتابة تاريخ المغرب والمغاربة على اعتبار أن هذا الأمر لا زال ضمن خانةالمحرمات!!

الظاهر أن المقاربة التي اتبعتها البلاد في ' العهد الجديد' لمعالجةهذا الملف الموروث عـــن 'نظـام ما قبل الاستخلاف'، بدأت تعطي نتائجهاالإيجابية بدون إراقـة دماء كما هو الحال لدى الجارة الشرقية. ومن هــنانعـتقد أن ترسـيم السنة الأمازيغية لا يتطلب وجـود إمكانيات مادية كبيرة أورصد ميزانيات ضخمة.. بقدر ما يتطلب قرارا سياسيا رمزيا من قبل ملك البلاد الذي حرصكل الحرص على إدماج الأمازيغية ضمن محاور مشروعه الديمقراطي الحداثي، أي قرار ينسجمفي دلالاته السياسية وعمقه التاريخي مع التطور الهام الذي يشهده هذا الموروثالثقافي' كان من المنتظر أن تبادر دولتنا ـ حسب تعبير الصافي مومن علي ـ بعد خطابيالعرش وأجدير سنة 2001، إلى إضفاء صفة العيد الوطني الرسمي على عيد فاتح السنةالأمازيغية، وذلك لتقوم بتصحيح خطأ حكوماتنا المتعاقبة التي همشت هذا العيد، وإحقاقالحق والعدل والمساواة بخصوص أبعاد شخصياتها الثلاث الكبرى، أي البعد الوطنيالمتمثل في عيد السنة الأمازيغية، والبعد الإقليمي الكبير المتجسد في عيد فاتحالسنة الهجرية، ثم البعد الإنساني الكوني الشمولي المتمثل في عيد فاتح السنةالميلادية'.

مصطفى عنترة - باحث جامعي مهتم بالحركة الامازيغية

القدس العربي

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article