كلنا في الانبطاح عربُ

Publié le par د. فيصل القاسم

كلنا في الانبطاح عربُ! بقلم : د. فيصل القاسم

ما أن يتعرض بلد عربي لعدوان خارجي، أمريكياً كان أو إسرائيلياً، حتى تتعالى أصوات العرب، شعوباً وحكاماً، لتتهم بعضها البعض بالانبطاح والتخاذل والعمالة والخيانة، وما شابهها من مفردات عربية "أصيلة" باتت مبتذلة وهزلية لكثرة ما تم تداولها في مثل تلك المناسبات الأليمة. وما يحدث اليوم من حرب كلامية عربية – عربية، بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، ليست جديدة بأي حال من الأحوال، فقد أصبحت تلك التراشقات الإعلامية الموسمية لازمة من لوازم "العمل العربي المشترك" عند وقوع أي اعتداء أو غزو لبلد عربي. بالأمس القريب، بُحت أصوات العرب وهم يتبادلون الاتهامات بالتواطؤ مع البيت الأبيض لغزو العراق. وكم سمعنا من اتهامات لهذا البلد العربي أو ذاك بتسهيل الغزو الأمريكي، وحتى دفع بعض نفقاته. لكن الغزو مر بسلام عجيب بتواطؤ عربي عام شارك فيه الرجعي والثوري بنفس القدر على حد سواء. ونسينا قضية العراق التي انضمت إلى قضايانا المتناسلة كالفئران والأرانب. وكلنا يتذكر الصرخات العربية المتبادلة أيام العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل، فقد شهدنا وقتها ما أسماه الإسرائيليون أنفسهم بمحرقة، أي، "هولوكوست" كتلك التي يزعم الإسرائيليون أنها حصلت لليهود على أيدي زعيم النازية الشهير أدولف هتلر. وقد وصل عدد الجرحى والشهداء وقتها إلى أكثر مما وصل إليه في العدوان الجديد، فلم تترك إسرائيل آنئذ مقراً مدنياً ولا عسكرياً إلا وسوته بالأرض، وجعلته هباء منثوراً وعصفاً مأكولاً. ولمن لا يتذكر، فقد أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في تلك الأيام المجبولة بالغضب والإحباط بأن عملية السلام بين العرب وإسرائيل قد ماتت إلى غير رجعة كصرخة مدوية في وجه الهمجية والنازية الإسرائيلية، لكن سبحان من يحيي العظام السلامية وهي رميم، فعادت العملية بزخم أقوى من ذي قبل، وطبعاً بنتائج أكثر هزالاً وهزلاً وتطبيعاً، ناهيك عن أن بعض العرب راح ينشر إعلانات مدفوعة الثمن في الصحف الإسرائيلية للترويج لمبادرة السلام العربية، لعل إسرائيل تحن عليهم بإيماءة سلامية خجولة. ولا ننس أيضاً أن مصر تعرضت آنذاك إلى حملة عربية شعواء، كتلك التي تتعرض لها الآن بعد الهجوم الإسرائيلي الجديد على قطاع غزة، كي تتدخل عسكرياً من أجل إنقاذ الفلسطينيين المذبوحين بالألوف. لكن مصر أخفضت رأسها أمام العاصفة الكلامية العربية، إن لم نقل تجاهلتها بعد أن صاحت في وجوه الثائرين قائلة:"متعوده.... دايماً"، ولم تحرك ساكناً، لينسى العرب بعدها دماء الشهداء وأنات الجرحى. لا بل إن رئيس الوزراء المصري آنذاك عاطف عبيد قد أطلق تصريحاً استرزاقياً بذيئاً، فقد طلب من العرب أن يوفروا لبلاده مائة مليار دولار لتدافع عن الفلسطينيين. وهو بالطبع مطلب تعجيزي جاء كناية عن التردد، لا بل الإحجام والامتناع المصري والعربي العام عن نصرة الفلسطينيين. صحيح أن مصر تبدو الآن الأكثر فجوراً وعهراً في محاصرة الفلسطينيين وإذلالهم وتسهيل إبادتهم، لكننا لا نستطيع تبرئة بقية العرب من الدم الفلسطيني، فالكثيرون منهم والغون فيه بطريقة أو بأخرى. وهل نسينا الاتهامات العربية المتبادلة أيام عدوان تموز/يوليو الإسرائيلي على لبنان عام ألفين وستة بعد قيام حزب الله بقتل ثمانية إسرائيليين وخطف آخرين؟ فبينما كانت المقاومة اللبنانية وإسرائيل تخوضان حرباً ضروساً بكل أنواع الأسلحة، وتتبادلان الصواريخ، كان العرب حكاماً وشعوباً يتبادلون بدورهم أبشع وأقسى الاتهامات بالعمالة والنذالة والخيانة، خاصة بعد أن حمـّلت بعض الأطراف العربية حزب الله مسؤولية العدوان الإسرائيلي على لبنان، تماماً كما فعلت مصر بعد العدوان الإسرائيلي الجديد على غزة. فعلى ما يبدو، فإن العرب يتناوبون فيما بينهم على إطلاق تلك التصريحات التي تحمــّل الضحية مسؤولية الدماء الغزيرة التي يسفكها برابرة العصر. وكلنا يتذكر الحملة النارية التي تعرض لها الطرف العربي الذي أطلق ذلك التصريح المشؤوم بإلقاء اللوم على المقاومة اللبنانية وتبرئة إسرائيل. وما زالت الشتائم التي تبادلها الحكام العرب وأبواقهم الإعلامية آنذاك ترن في الآذان العربية من المحيط إلى الخليج، لا بل تسمم العلاقات العربية العربية إلى حد الساعة. واليوم ها هي الأصوات نفسها من الجانبين الممانع والمهادن، تتبادل نفس الاتهامات بالعمالة والرذالة والثورجية والقومجية، بينما كان يحترق أطفال غزة ونساؤها وشيبها وشبابها باللهب الإسرائيلي الساحق الماحق. فما أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تبيد الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة حتى بدأت تخرج أصوات عربية عالية النبرة لتتهم القادة العرب حرفياً "بالجبن والتخاذل والانبطاح". لكن السؤال المطروح هل هناك أطراف عربية جبانة ومتخاذلة ومنبطحة وأخرى مقاومة وممانعة وثورية؟ هل يكفي أن نرفع أصواتنا، ونشتم إسرائيل وأمريكا، ونندد، ونستنكر، وندين، ونشجب همجيتهما ونازيتهما كي نصبح مناصرين للفلسطينيين المساكين؟ أما زلنا ظاهرة صوتية بامتياز؟ هل يكفي أن نسيّر مظاهرات مسيّرة تضامناً مع أهل غزة كي نبدو مختلفين عن المتواطئين والانبطاحيين؟ لماذا يريد العرب أن يضحوا ببعضهم البعض دون أن يكون أحد منهم مستعداً للتضحية؟ لماذا يريد العرب من بعضهم البعض أن يحملوا مشعل المواجهة دون أن يجرؤ أي منهم على حمل المشعل، ناهيك عن البندقية والقنبلة؟ الكثيرون يريدون أن يبدوا أبطالاً وثوريين في أوقات العدوان الإسرائيلي أو الأمريكي على الأرض العربية، فيشرعون باتهام الآخرين بكل أصناف الهجاء والتجريح التي تحتويها المعاجم العربية من "المحيط" إلى "لسان العرب" مروراً بـ"مختار الصحاح". كم يذكــّرني الحكام العرب بحكاية الفئران والقط والجرس، فكل الفئران والجرذان كانت تريد أن تعلق الجرس في عنق القط كي تسمعه وتهرب عندما يتجه صوبها لافتراسها، لكن من يستطيع أن يعلق الجرس، فكل الفئران جبناء، ولا أحد يريد أن يضحي بنفسه من أجل بقية الفئران. وهكذا شأن الحكام العرب، فالكل يتهم الآخر بالنذالة والعمالة والتخاذل والانبطاح، لكن هل هناك في عالمنا العربي منبطحون وثوريون حقاً، أم إنكم كلكم، يا سادة، منبطحون؟

 

diwank.ca

Publié dans Actualité

Commenter cet article