القروض الاستهلاكية

Publié le par الحوار المتمدن

القروض الاستهلاكية أداة سياسية لتدبير أزمة النظام الرأسمالي ونهب فائض القيمة لذوي الدخل المحدود

 عبد السلام أديب
adibderabat@ yahoo.fr
الحوار المتمدن - العدد: 2554 - 2009 / 2 / 11

حاوره عبد الله ورياش .
• يجب مراجعة القروض الاستهلاكية بتقليص وضبط فوائدها وتصليب شروط منحها
• الحل المنطقي هو تقوية السوق الداخلي بالرفع من القدرة الشرائية للمواطني
قال أنه لحد الآن لا زال الاقتصاد المغربي يعاني من ازدواجية خطيرة بين اقتصاد تقليدي منكفئ في المدن الداخلية واقتصاد عصري مرتبط بالخارج منتشر في بعض المدن الساحلية بقرب موانئ التصدير، وأكد على أن القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود تظل دائما دون تلبية الحاجيات الأساسية، ومن أجل إشباع مؤقت لهذه الحاجيات وعدم المطالبة بالزيادة في الأجر يسلط الرأسماليين على العمال القروض الاستهلاكية ذات الفوائد المرتفعة.


*قروض الاستهلاك الممنوحة، من طرف مؤسسات التمويل بالمغرب جعلت الكثير من الأسر المغربية، تدخل منعرجات خطيرة بسبب العجز عن التسديد..بل هناك من دخل دائرة الاقتراض من اجل تسديد قروض. من وجهة، نظركم كيف تقرؤون هذا الواقع؟
** لعبة القروض الاستهلاكية على أهميتها تشكل أداة من أدوات النظام الرأسمالي لنهب المزيد من فائض القيمة لدى العامل والفلاح والموظف وعموم الكادحين ذوي الدخل المحدود، حيث يصبح هؤلاء بين ثلاث نيران، النار الأولى تتمثل في جمود الأجور وتدنيها حيث ترحل فوائض قيم الأجور نحو الرأسماليين وذوي النفوذ والتي ترفع من ثرواتهم، النار الثانية هي غلاء الأسعار والتي تتكالب الاحتكارات الرأسمالية والأجهزة الدولتية الراعية لها على استنزاف القدرة الشرائية للعمال والفلاحين والموظفين ومراكمة الأرباح عبر استنزاف جيوب الفقراء، النار الثالثة، تتمثل في توفير القروض الاستهلاكية بشروط ميسرة ظاهريا لكنها ذات مفعول استنزافي للقدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، حيث تتقهقر الأجور بفعل تآكلها بواسطة القروض الاستهلاكية، فتتدنى القدرة الشرائية ويتقلص حجم الاستهلاك يصعب مواجهة شروط العيش الكريم، من هنا تصبح القروض الاستهلاكية أداة اضافية بيد رأس المال للاستحواد على فائض القيمة من ذوي الدخل المحدود.
وتعتبر القروض بصفة عامة سواء منها القروض الدولية التي تدخل في خانة القروض من أجل التنمية والتي توجه لبلدان العالم الثالث، أو القروض الوطنية بشقيها الانتاجية والاستهلاكية بما فيها القروض الصغرى
Les micro
crédit احدى الأدوات الأساسية لتطور النظام الرأسمالي، فبدون هذه القروض في اطار المنطق الرأسمالي سيتدهور الإنتاج والاستهلاك والتشغيل وبالتالي ستعمم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية مما يهدد النظام بالإنهيار، لذلك تعتبر القروض احدى أدوات تدبير أزمة النظام الرأسمالي، ففي سنة 1969 وفي خضم الأزمة المالية والاقتصادية التي بدأت تجتاح العالم الرأسمالي صرح ماكنامارا رئيس البنك الدولي آنذاك بأنه يجب القضاء على الفقر المطلق في العالم، لأن ذلك يعني تراجع استهلاك منتوجات وخدمات العالم الرأسمالي، من هنا انطلقت عملية تصدير رؤوس الأموال لبلدان العالم الثالث ، وقد كرس هذا الاتجاه فوائض البترودولار والأورو دولار.
لكن إذا كان الفكر المالي والاقتصادي يخضع في هذه الحقبة للفكر الكينيزي القائم على مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي، فإن الانقلاب على هذا الفكر الذي سيخوضه رولاند ريغان وماركاريت تاتشر ابتداء من بداية عقد الثمانينات سيؤدي إلى تجريد الدولة من مهامها السابقة ومحاولة نقل كل أدوار الدولة للرأسماليين، فالرأسمال يجب أن يوظف في جميع المجالات حتى ينتج أرباحا جديدة، ولأن عدم توظيف الأموال الفائضة سيؤدي إلى تبخيس قيمتها وبالتالي إلى حدوث انهيارات مالية واقتصادية كبرى.
وفي اطار اعادة انتشار رؤوس الأموال عالميا للهيمنة مباشرة على المرافق العمومية المخوصصة وتسليع جميع مناحي الحياة ظهرت العديد من صيغ منح القروض الاستهلاكية وذلك للإستجابة لضرورتين، الأولى هي الحد من مطالب الطبقة العاملة والفلاحين والموظفين للزيادة في الأجور، وبالتالي توفير يد عاملة رخيصة تمكن أكثر من منافسة الشركات الأجنبية، أما الضرورة الثانية فتتمثل في تمكين العمال والفلاحين والموظفين من الاستهلاك واقتناء المساكن.
وقد اتخذت القروض الاستهلاكية منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي أشكالا متطرفة في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا وابريطانيا، ومن بين هذه الأشكال ما يعرف بسوبرايم وهي قروض تمنح لأشخاص يتصفون بالهشاشة سواء على مستوى الأجر أو العمل وذلك من أجل اقتناء منازل باهظة الثمن، يقتصر فيها الدفع على الفوائد فقط والتي كانت جد متدنية، لكن المنازل المقتناة تبقى مرهونة لدى البنك صاحب القرض، وبطبيعة الحال فإن هذه التقنية ستتحول إلى قنبلة بدأت تنفجر انطلاقا من سنة 2007 ولكي تعم العالم في نهاية 2008.
إذن فالقروض الاستهلاكية تبقى أداة سياسية لتدبير أزمة النظام الرأسمالي ونهب فائض القيمة لدى ذوي الدخل المحدود.
*إذن في ظل هذا الوضع المختل، بالإضافة إلى الزيادات المهولة في الأسعار.. ستزداد حالات الطلاق وتشريد الأسر وما يترتب عنها من انعكاسات خطيرة على المجتمع ككل، باعتباركم باحثا في الشؤون الاقتصادية،هل هناك من حل ؟
** ان الاقتصاد الرأسمالي اقتصاد مجنون يقوم على غريزة متوحشة للرأسماليين من أجل التوسع والهيمنة والاستغلال البشع للطبقات الدنيا، وتعتبر الاقروض الاستهلاكية احدى الأدوات لتحقيق أغراض الرأسمال، وبطبيعة الحال فإن نتائج هذا الاستغلال الوحشي ينعكس في تدمير حياة الكثير من الجماهير الشعبية، لذلك فإن مواجهة هذا الوضع المتطرف وغير السليم لا يتأتى سوى بحلول جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية، ولتحقيق ذلك يجب أن يصل الصراع الطبقي إلى مستوى متقدم من الوعي ويتوفر على أطر مؤمنة حقا بالفكر الاشتراكي. لكن يمكن مع ذلك التفكير في حلول مستعجلة لتغيير الوضع القائم وتجاوز الأزمة.
فكأول تدبير في هذا الاطار يجب الرفع من أجور ومرتبات ذوي الدخل المحدود بشكل ملموس بشكل تتجاوز فيه نسبة الزيادة في الأجر نسبة الزيادة في الأسعار، وحاليا يمكن الحديث عن مبالغ زيادات تتراوح بين 1500 درهم و4000 درهم، من خلال الزيادة في الحد الأدنى للأجر ومن خلال الزيادة في التعويضات وكذا من خلال تخفيض معدلات الضريبة على الدخل. فمن شأن هذه الزيادات أن تستعيد القدرة الشرائية حيويتها فيتحرك الاستهلاك والانتاج والتشغيل، إلى جانب ذلك تجب مراجعة سياسة القروض الاستهلاكية بحيث يتم تقليص وضبط فوائدها وتصليب شروط منحها. كما يجب العمل على ايجاد الشغل القار لحوالي مليونين من حاملي الشهادات المعطلين، لكن لتوفير الشغل للجميع يجب التراجع عن خوصصة عدد من المرافق الحيوية عبر تأميمها وترشيد تدبيرها.
إن الأزمة المالية والرأسمالية العالمية والتي ستصيب البلاد بقوة في حالة الاستمرار في نفس السياسات الليبرالية المملاة من طرف الامبريالية، تتطلب تعاملا مختلفا ينطلق من تقوية السوق الداخلي وخلق دينامية مالية واقتصادية داخلية تؤدي إلى التنمية الشاملة بالاعتماد على الذات، فلحد الآن لا زال الاقتصاد المغربي يعاني من ازدواجية خطيرة اقتصاد تقليدي منكفأ في المدن الداخلية واقتصاد عصري مرتبط بالخارج منتشر في بعض المدن الساحلية بقرب موانئ التصدير، لكن هذا الاقتصاد العصري بدأ في استيراد الأزمة، لذا يبقى الحل المنطقي هو تقوية السوق الداخلي، ولا يمكن أن يتحقق ذلك بدون تقوية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين.

*بعض المحللين يرجعون عجز الغير عن تسديد ما عليهم من ديون إلى ارتفاع الأسعار دون ارتفاع في الأجور..هل توافقون هذا الطرح أم أن لمؤسسات القروض، دورها –كذلك – نتيجة الفوائد المرتفعة جدا، والمدة المحددة في خمس سنوات فقط ؟
** طبيعة النظام الرأسمالي تقوم على التفاوت بين الأجور والأسعار وانتزاع فائض القيمة التي ينتجها العمال، لذلك فإن القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود تظل دائما دون تلبية الحاجيات الأساسية، ومن أجل اشباع مؤقت لهذه الحاجيات وعدم المطالبة بالزيادة في الأجر يسلط الرأسماليين على العمال القروض الاستهلاكية ذات الفوائد المرتفعة، ومع تراكم القروض وجمود الأجور وارتفاع الأسعار يعجز العامل عن سداد ما بذمته وبالتالي تتم جرجرته أمام المحاكم. إذن فهناك ثلاث عوامل: ضعف الأجور، وارتفاع الأسعار، وارتفاع نسبة فوائد القروض.

*إلى حدود أواخر الثمانينيات، كان هناك حديث عن الطبقة المتوسطة كحلقة تحدث التوازن داخل المجتمع مستواها المادي وثقافتها ووعيها بالقضايا التي تشغل بال المجتمع ككل، لكن هذه الطبقة تحولت عن طريق إغراءات مؤسسات التمويل إلى طبقة تصنف مع الفقراء.. ماراكم بخصوص هذا الموضوع؟
** كما أشرت إلى ذلك من قبل فإن انتقال الفكر الاقتصادي والمالي من الفكر الكينيزي إلى الفكر النيو ليبرالي مع بداية عقد الثمانينات قد أحدث تأثيرا عميقا على وضع الطبقة الوسطى. ففي ظل الدولة الكينيزية كان التدبير العمومي يعمل على تحويل جزء من فوائض القيمة المنهوبة من طرف الرأسماليين من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي وذلك عبر توفير التعليم والصحة العمومية بالمجان وعبر توسيع القطاع العمومي مما أدى إلى اتساع حجم الطبقة الوسطى، وقيادتها للعديد من التنظيمات الحزبية والنقابية. لكن عقب الانقلاب الذي أحدثه الفكر النيوليبرالي واليمين المتطرف على الفكر الكينيزي، كان أول مطلب سياسي واقتصادي هو الغاء أي دور للدولة وبالتالي خوصصة جميع القطاعات العمومية لكي تصبح في يد الرأسماليين الذين رفعوا اسعار الاستفادة منها، وقد أدت هذه العملية إلى فقدان الطبقة الوسطى لمكانتها الاقتصادية والسياسية، مما جعلها تتدهور اقتصاديا ومعيشيا لكي تلتحق بفلول الطبقات الدنيا، وهذا ما جعل مجتمعنا ينقسم إلى طبقات عليا تمسك بمختلف المقدرات الاقتصادية وطبقتين وسطى ودنيا ما فتئت وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية تتدهور سنة بعد أخر، ففي كل بيت هناك عدد من العاطلين يقتاتون على أجر رب الأسرة الجامد والذي تآكلته قروض الاستهلاك وارتفاع الأسعار خصوصا بالنسبة للتعليم والصحة والسكن والمواد والخدمات الأساسية.

*سبق لبنك المغرب أن عقد اجتماعا مع فدرالية جمعيات القروض الصغرى، وكان محور هذا الاجتماع اخذ الحذر والاحتراس من مخاطر عدم قدرة المستفيدين من القروض على تسديد فواتير الاقتراض..رغم ذلك، لايزال جشع هذه المؤسسات يشتعل اكثر..برأيكم، هل تعتبرون أن مثل هذه الاجتماعات ذات جدوى، أم يجب ضرورة تدخل الدولة لوقف هذا، (التهافت) وحماية المواطن بالدرجة الأولى؟
** تلك الاجتماعات تخصص أساسا لحماية رؤوس الأموال من الانهيار واتخاد اجراءات الاحتراس اتجاه ذوي الدخل المحدود الذين أشرفوا على الافلاس وهي الحالة التي يمكنها أن تؤدي لوضعية أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، أما مصلحة الطبقة العاملة فهي أقصى ما يمكن أن يفكر فيه مثل هؤلاء.
*لحد الآن، ليس هناك قانون واضح وصارم ينظم العلاقة بين المقترض ومؤسسات التمويل إذ نجد المواطن المحتاج يوقع على عقود إذعان من دون إعطائه حتى مهلة للإطلاع على محتوياتها..هل يمكن اعتبار هذا نوعا من الاحتيال ؟
** نعم وهو احتيال بمباركة السلطات الإقتصادية لأنها تعتقد أن ذلك من شأنه تحقيق التراكم الرأسمالي البدائي الذي سيمكن الرأسماليين من الاقلاع بالبلاد في اتجاه النمو والازدهار، لكنه نمو وازدهار الرأسماليين فقط.
*ما رأيكم في قضية شراء الديون الاستهلاكية وغيرها الممنوحة للأشخاص المقترضين؟
** من الأفكار المتداولة قيام جمعيات الأعمال الاجتماعية والتعاونيات بالمؤسسات الانتاجية المختلفة باتاحة امكانية شراء العاملين بها لديونهم الاستهلاكية بقروض لا فوائد لها.

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article