مشكلات مجتمع المعرفة والبحث العلمي في الوطن العربي

Publié le par .مسعود ضاهر

 

د.مسعود ضاهر

 

ما زالت مسألة تخلف البحث العلمي في الوطن العربي تستوجب عقد عشرات الندوات والمؤتمرات العلمية،داخل الوطن العربية وخارجه،وبمشاركة باحثين من العرب وغير العرب. لكن المؤتمر السابع والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر الذي نظمته مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ،بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور، يستحق وقفة مطولة لأسباب عدة.

فقد عقد هذا المؤتمر في العاصمة التونسية خلال أيام  5 - 7 شباط 2009  تحت عنوان:”مجتمع المعرفة والبحث العلمي في البلاد العربية  : الوضعية والآفاق ” ،وذلك بمشاركة حشد كبير من الباحثين،ورجال الفكر،وأعضاء السلك الدبلوماسي،وقدامى الوزراء ،وعدد من المحامين والأطباء،والصحافيين،والطلبة الجامعيين ،وممثلين لمنظمات إعلامية تونسية وعربية. وقد تجاوز الحضور أحيانا أكثر من مائة مشارك.

وفد الباحثون من الجزائر،وسوريا،وفرنسا،ولبنان، وليبيا، والمغرب الأقصى، ومصر، بالإضافة إلى البلد المضيف تونس .وموضوع المؤتمر في غاية الأهمية ،لأن معرفة مسألة عالمية الطابع وتتطلب مشاركة باحثين نشروا دراسات علمية معمقة، وعلى إطلاع جيد لما كتب عنه بالعربية وغيرها من اللغات الحية.

مهد الأستاذ التميمي للمؤتمر بكلمة قصيرة موجهة إلى الباحثين المشاركين، لكنها مكثفة ومليئة بالتساؤلات المنهجية. وبدأها بسؤال مشروع : “هل هناك مجتمع للمعرفة في الوطن العربي ؟ “. وقدمت إلى الندوة  أوراق بحثية مهمة للإجابة على هذا التساؤل المقلق. وليس من شك في أن تخصيص مؤتمر بكامله لمعالجة مشكلات مجتمع المعرفة في البلاد العربية يقدم الدليل القاطع على أن الموضوع يأتي في سلم أولويات النهوض العربي الذي طال انتظاره. وهناك دول كثيرة على المستوى الكوني طرحت تساؤلات منهجية لا حصر لها حول أهمية المعرفة في بناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة تحديات العولمة، ثم اختارت أفضل الوسائل الناجحة لتنفيذه. فبعد بناء مجتمع المعرفة في الدول الغربية، بجناحيها الأوروبي والأميركي، بنت دول الشرق الأقصى مجتمعاتها المعرفية وفق صيغ خاصة بكل منها وفي طليعتها اليابان،والصين، والهند،ودول النمور الآسيوية. ثم تبعتها دول أميركا اللاتينية،وبعض الدول الأفريقية التي تسير بخطى ثابتة على طريق بناء التنمية والتقدم.إلا أن العرب دون سواهم من الشعوب الأخرى، مازالوا يكررون أسئلة النهضة منذ القرن التاسع عشر.ويأتيهم الجواب من جميع المتنورين الذين أنجزوا تجارب تحديث ناجحة بأن المعرفة هي المدخل الوحيد لتحقيق حداثة سليمة. لكن أيا من الدول العربية لم تبن مجتمعا للمعرفة،ومازالت غالبية الدول العربية تصنف في عداد الدول العاجزة عن تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

توزعت أعمال المؤتمر ضمن تسع جلسات علمية قدم إليها عشرون بحثا،وتخللتها محاضرتان:  الأولى للوزير التونسي والخبير الدولي الأسبق مصطفى الفيلالي بعنوان :” البحث العلمي التنموي،فجوة ما بين النظرية والتطبيق”. والثانية لوزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق في المغرب،الأستاذ نجيب زروال وارثي،سفير المغرب الحالي بتونس، تحت عنوان:”دور الجامعات في البحث العلمي ، المغرب نموذجا”. 

قدمت إلى المؤتمر الأبحاث التالية: التنسيق والتعاون بين مراكز البحوث والدراسات في الوطن العربي، في العلاقة بين المعرفة والسياسة،مجتمع المعرفة وتحدياته في العالم العربي،الجاهزية ومؤشرات قياس مجتمع المعلومات والمعرفة، عبور الفجوة الإحصائية عن مجتمع المعلومات العربي : التجربة المصرية نموذجا، مشاكل البحث العلمي الحالية في البلاد العربية،مجتمع المعرفة في دول جنوب وشرق آسيا: اليابان والصين نموذجا،المعرفة في القوانين الفرنسية الجديدة، العولمة من القاعدة،وعود التعليم العالي عن بعد في مجتمع المعرفة،مجتمع المعرفة بين الإطلاق والتقييد،استخدام المعلومات الرقمية كشرط لتقدم البحث العلمي العربي،

 مجتمع المعرفة ومكانة قيمة المعرفة: المثال الجزائري، محددات التلازم الإجرائي بين البحوث النظرية

 والمقتضيات التطبيقية،دور التبعية الأكاديمية في عرقلة إنشاء علوم اجتماعية أصيلة في المجتمعات العربية، مجتمع المعرفة والديموقراطية،إشكاليات إنتاج المعرفة : الرؤى والدروس والبحث العلمي في تاريخ البلاد التونسية في العصر الحديث،الاعتداء على الملكية الفكرية في الوسط الجامعي العربي وحدود المقاربة القانونية، وهجرة الأدمغة العربية: هل هو شر لا بد منه؟   

شهدت جلسات المؤتمر نقاشات علمية عميقة وشمولية تناولت مختلف الجوانب النظرية والتطبيقية والإشكاليات التي تضمنتها أبحاث المؤتمر. وخيمت على الحوار أجواء من الآراء النقدية الجريئة وبروح

من الحرية الأكاديمية المسؤولة. وساهمت النقاشات في إعطاء المؤتمر أبعادا استشرافية هامة ودقيقة لم

تصل إليها غالبية الندوات والمؤتمرات التي عالجت سابقا واقع وآفاق البحث العلمي في البلاد العربية.  وأبرزت تلك المقاربات النقدية أن الفجوة باتت عميقة جدا بين مقولات البحث العلمي التنموي النظرية من جهة ،وإمكانيات تطبيقها على أرض الواقع من جهة أخرى. وأن الدول العربية أضاعت، ليس فقط فرصة الإستفادة من البراءات والاختراعات العملية الناجحة التي أنتجها المبدعون العرب، بل خسرت أيضا القسم الأكبر من أولئك المبدعين الذين أدركوا أن ثمرات عملهم تهدر في أدراج البيروقراطيات العربية المترهلة ،

والأنظمة التسلطية التي لا تحترم البحث العلمي ولا تقدر عاليا جهود العلماء والمبدعين. لذلك أخذوا طريق الهجرة ،الطوعية منها والقسرية، إلى الخارج ليستقروا حيث هناك ضمان للحرية الشخصية،واحترام لقيم  العمل والإبداع والإنتاج . فالبنى الأساسية لمجتمع المعرفة شديدة التعقيد وتستوجب إقامة علاقة طبيعية بين المعرفة والسلطة بحيث تتكاملان وتعملان معا  لتأمين حاجات الأفراد والمجتمع من خلال ضمان التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

لقد بات البحث العلمي في المجتمعات المتقدمة ،ومنذ زمن بعيد،حجر الزاوية في بناء مجتمع المعرفة.ولا بد من دراسة التجارب الناجحة للدول المتطورة التي بنت مجتمعاتها المعرفية وفق خصائصها الذاتية،ومن خلال الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى. والمجتمعات العربية هي بأمس الحاجة لدراسة التطور التاريخي للمجتمعات الغربية،بجناحيها الأوروبي والأميركي،ولمجتمعات الشرق الأقصى بتجاربها الغنية والمتنوعة في كل من اليابان،والصين،والهند،ودول النمور الآسيوية من أجل استخلاص العبر منها لإقامة مجتمع المعرفة العربي،وفق خصائص عربية وليس بالاقتباس السهل عن تجارب الآخرين .

أكدت أبحاث المشاركين والنقاشات العلمية الرصينة التي حفلت بها جلسات المؤتمر على أن الأنظمة العربية،على اختلاف توجهاتها السياسية،لم تمنح مسألة بناء مجتمع المعرفة الاهتمام الجدي،ولم تعمل على تحقيق البنى الأساسية لمجتمع المعرفة العربي القائم على الإنسان الحر، والتعليم العصري، والتكنولوجيا المتطورة، وإرساء الدولة الديمقراطية،ونشر المساواة والعدالة، وتشجيع مراكز الأبحاث لتوفير أسس المعرفة الحقة. فالعجز عن بناء مجتمع المعرفة في عصر العولمة وما عرفته من ثورات متلاحقة، سوف يزيد من عزلة الشعوب العربية ،ويبعد العرب عن المعرفة العلمية السليمة والمتاحة، بحيث تصبح الأنظمة والشعوب العربية عاجزة عن مواجهة التكتلات السياسية والاقتصادية والإعلامية العملاقة. ومن نافل القول أن التعليم العصرية بمراحله كافة، شرط أساسي لبناء مستقبل أفضل بالاستناد إلى التكنولوجيا الجديدة من طريق توطينها ،وتطويرها ،والإبداع فيها .

وبدا واضحا من خلال النقاشات المستندة إلى تجارب شخصية وأبحاث موثقة أن سلوكيات كثير من الباحثين تجاه مصادر المعلومات غير مشجعة.وأن مجتمع المعلومات في الوطن العربي لا يقوم على توليد معلومات جديدة واستثمارها بطرق إنتاجية خلاقة  بل كثيرا ما يتم نقلها وتزوبرها دون مراعاة لحقوق الملكية الفكرية . كما أن السرقات العلمية هي سلوك غير مشروع وغير أخلاقي.وهي تنتشر بكثافة مخيفة داخل الجامعات العربية ،وينتهك مرتكبوها قيم الأمانة العلمية،والنزاهة الخلقية. ولا بد من مواجهة هذه الظاهرة من الانحراف الخلقي والمسلكي، وفضح مرتكبيها بكل الوسائل المتاحة،ومعاقبتهم أمام القضاء وفي المحافل العلمية والأكاديمية.

وأكد الباحثون على أن قطاع البحث العلمي الذي ينتج المعلومات العلمية والتقنية هو أحد ابرز ركائز مجتمع المعرفة الجديد .وهو يتطلب استصدار سلسلة من القوانين التي تضمن له الحماية التامة من خلال توفير الإمكانيات المادية،والطاقات البشرية ،والإرادة السياسية المتنورة،والإدارة العامة ذات الكفاءة الشخصية العالية. وشددوا على الأثر السلبي للتبعية الأكاديمية في الجامعات ومراكز البحوث العربية،وهي ظاهرة بائسة أعاقت إنشاء علوم اجتماعية عربية أصيلة.فمجتمع المعلومات وفق المقاييس الدولية يؤمن انسياب المعلومات بسهولة لكنه يعتمد على مقاييس علمية دقيقة من خلال الأدوات الإلكترونية التي تفضح السرقات والتزوير وكل أشكال الاستغلال غير المشروع لمجتمع المعلومات أو التعليم عن بعيد . ومجتمع المعرفة يحتاج إلى استراتيجية مدروسة قوامها الفهم المعمق لأساسيات نشر المعرفة في الدول المتقدمة والقائم على عدد من الثوابت والقناعات غير القابلة للنقاش أو الجدل العقيم.وهو يتطلب التمتع بالحريات الأكاديمية والإطلاع على مختلف بنوك المعلومات لمواجهة الالتزامات الثقافية لأن إخفاءها يتعارض مع الممارسة الديمقراطية كحق من الحقوق الأساسية للباحثين.ومن أولى واجبات المسؤولين العرب عن قطاع المعرفة والبحث العلمي دراسة تجارب الصين واليابان والهند واستخلاص العبرة والدروس منها. بالإضافة إلى دراسة تجارب التحديث الجارية الآن في الغرب الأوروبي ،وبشكل خاص ما تقوم به فرنسا من خطوات جديدة لتحديث التعليم

العالي والبحث العلمي فيها.

ويلاحظ انه منذ الاستقلال السياسي الذي تجاوز النصف قرن،قصرت البلاد العربية،غنيها وفقيرها،عن إيلاء الباحثين الجادين والمستقلين سياسيا اهتماما لتأمين وتوليد المعرفة لتنمية الشعوب العربية . وهذا يفسر هجرة الكفاءات العربية بالآلاف سنويا ،وهي ظاهرة خطيرة تشكل أكبر وأفدح خسارة أصيبت بها المجتمعات العربية برمتها،وسوف تتزايد نتائجها السلبية في العقود القادمة ما لم تتخذ الإجراءات الضرورية. وباتت هذه المسألة تستدعي إعداد مشروع إنقاذ شامل على طريقة مشروع مارشال لإنقاذ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. فغياب مراكز الأبحاث ومختبرات البحث العلمي التي تحتضن العلماء والخبراء العرب، في مختلف ميادين المعرفة ،وتشجيعهم ومنحهم الثقة لإنجاز بحوثهم، يشكل انتكاسة خطيرة جدا للأنظمة السياسية العربية دون استثناء. فقد كان من واجبها توفير المناخ المشجع وتبني القوانين والتشريعات لبناء المؤسسات والمراكز البحثية ، الرسمية  منها وغير الرسمية، والتي تعد المخرج الوحيد لانطلاقة البحث العلمي في الوطن العربي. وذلك على غرار ما قامت به الدول المتقدمة التي حررت البحث العلمي  والباحثين من جميع القيود المعوقة للإبداع،ووفرت لهم التشريعات والقوانين الضامنة لتطوير المعرفة وانسيابها دون قيود. .كما أن رجال المال والأعمال ،والأثرياء العرب قصروا عن القيام بواجبهم الوطني والقومي والإنساني تجاه شعوبهم العربية. وليس لديهم سوى حضور هزيل في دعم البحث العلمي على امتداد الجامعات ومراكز الأبحاث العربية .  وهم يفتقرون إلى الحد الأدنى من المقارنة مع أمثالهم من رجال المال والأعمال في أوروبا،وأميركا،

واليابان،والصين،والهند،ودول النمور الآسيوية ،الذين دعموا بسخاء البحث العلمي في دولهم وفي دول أخرى،منها الدول العربية.

ختاما، لقد وفد المشاركون إلى هذه الندوة من دول عدة حاملين معهم أبحاثا أصيلة حاولت الإجابة،من مواقع معرفية ومنهجية متنوعة ومتعددة،على ما وصل إليه مجتمع المعرفة في الدولة المتطورة من جهة، وتوصيف واقع مجتمع المعرفة في الوطن العربي من جهة أخرى.

كانت المقارنة مؤلمة للغاية،وليست لصالح العرب على الإطلاق. فهم مفككون وعاجزون عن اتخاذ قرارات مصيرية تطول حاضر العرب ومستقبلهم. لكن المتنورين والباحثين العرب يكررون التنبيه بأن بناء مجتمع المعرفة هي الخطوة الأكثر إلحاحا لكي يصبح العرب في موقع متقدم على الخارطة الدولية لعصر العولمة. وهم بحاجة إلى رؤية عربية واضحة المعالم والأهداف،والتخطيط العلمي الواعي لبناء مجتمع المعرفة في الوطن العربي على أسس علمية وعقلانية.إلا أن المجتمعات العربية لا تسير في الاتجاه السليم.فالحريات الأكاديمية مصادرة بصورة كاملة أو جزئية ومعها الحريات الشخصية للباحثين. ومراكز الأبحاث معطلة بسبب غياب التمويل الثابت.وهجرة الأدمغة والباحثين العرب إلى الخارج تنذر بكارثة حقيقية تطول مستقبل الأجيال العربية. والجامعات العربية أسيرة سياسة التلقين وهدر الطاقات الشبابية دون جدوى. والثقافة الشعبوية تهيمن على الشارع العربي وتنفخ فيه سموم الطائفية والقبلية والعشائرية والتعصب العرقي.     لذلك ارتدى هذا المؤتمر أهمية استثنائية في هذه المرحلة الراهنة من التفكك العربي .فقد حللت أبحاثه مجتمع المعرفة من جميع جوانبه التاريخية،والسياسية والاقتصادية، والاجتماعية،والثقافية وغيرها. ووضعت مسألة البحث العلمي ومجتمع المعرفة في موقع القلب من أي مشروع نهضوي عربي جديد. وقدمت إضافات نوعية لتوضيح مفهوم مجتمع المعرفة،من حيث النظرية والتطبيق، وتحليل مصادره وتجلياته في الغرب وما أدخل عليه من إضافات نوعية في دول الشرق الأقصى. ومدى استفادة العرب من ذلك المسار العالمي المعقد لبناء مجتمع المعرفة العربي،بخصائص عربية،وعبر مقولات ثقافية من إنتاج المتنورين العرب، ولأهداف استراتيجية تطول حاضر العرب ومستقبلهم.فشكل المؤتمر نقلة نوعية على طريق الإحاطة الشمولية بركائز مجتمع المعرفة في الوطن العربية وآفاقه المستقبلية.

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article