نكبة الفيضانات بغرب المغرب

Publié le par مصطفى لمودن

قافلة حقوقية تقف على حجم المأساة 

زار حقوقيون وصحافيون ومدونون بعض مناطق الغرب التي تعرضت للفيضانات يوم الأحد 22 فبراير(09)، وإذا كانت الانطلاقة قد بدأت من مقر الاتحاد المغربي للشغل بالرباط، فبداية المشوار الفعلي  كانت من القنيطرة، لتصل  في حدود منتصف النهار بسيدي سليمان، حيث كان في استقبالها كوكبة من المناضلين المنتمين لمختلف الهيئات المحلية، كما حضر بهذه المنطقة مناضلون من سيدي قاسم، خاصة المنتمين لفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان…وقد حاول المشرفون على القافلة التضامنية وضع خط طريق يناسب الإمكانيات اللوجستيكية المتاحة، خاصة مع استعمال سيارات صغيرة للتنقل… وذلك قصد الاطلاع على نماذج من المناطق المنكوبة، التي تعرضت للفيضانات ابتداء من الثالث من فبراير 2009، علما أن الفيضانات شملت مناطق شاسعة، ويستحيل زيارتها كلها…       

عرج المشاركون في القافلة في طريقهم إلى سيدي سليمان على “مخيمات” فريدة من نوعها، توجد بغابة “المعمورة”، فقد التجأ إليها هاربون من الفيضانات رفقة مواشيهم، بحثا عن الكلأ، لأن المياه الغاضبة التي غمرت الحقول لأيام أفقدت  المزروعات نضرتها وأحالتها حطاما أصفر باهتا، إذا لم تكن قد جرفتها بالمرة، ولم يتبق لهؤلاء الفلاحين مخزون من الأعلاف، لأن الجميع كان قد عول على “موسم فلاحي مضمون”، على الأقل بالنسبة للأعشاب والتبن كما يعرف ذلك من له علاقة بالفلاحة، أما ثمن الأعلاف أثناء الفيضانات فقد بلغ مستويات قياسية، ويكفي أن نعرف أن “بالة” تبن فاقت 40 درهما، وقد حل بالمنطقة “سماسرة الأزمة” (كما جاء في أحد بيانات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بسيدي سليمان)، بحيث يتجولون بين القرى المنكوبة بعربات التبن على متن شاحناتهم، ومنهم من يتوقف ليبيع بجانب قرى منكوبة، كنا أثناء التجول على القرى في إطار “لجنة رصد ومتابعة أوضاع ضحايا الفيضانات”  نجدهم في المنعرجات وقد فتحوا الأبواب الخلفية لشاحناتهم قصد بيع التبن، لهذا فليس البشر وحده من نكب، بل كذلك المواشي. وزيارة الفلاحين اللاجئين إلى المراعي بعيدا عن منازلهم يدخل في إطار مهمة القافلة التضامنية…  

   احتضن حي أولاد الغازي بسيدي سليمان القافلة الحقوقية بالهتاف النضالي وشارات النصر، وقد كان هذا الحي “الحضري” على ضفة نهر “بهت” أول من أصابته نكبة الفيضانات بتهدم وجرف كل المنازل التي وصلتها المياه ليلة الأربعاء 2 فبراير 2009، خرج شباب وأطفال ونساء يرددون في تناغم نفس الشعارات التي ترددها القافلة الحقوقية من قبيل” الكواث ها هي والدولة فينا هي”، ليطلع بعد ذلك الزوار القادمون من تمارة، الرباط، سلا، القنيطرة،سيدي يحيى… على معاناة من تبقى  في ملجأ “كوريال” (أقل من 500، من 1300 في أوج النكبة)، مقر شركة كانت قبل سنوات تلفف الليمون للتصدير، قبل أن تغلق أبوابها وتنضاف إلى ما أغلق من مؤسسات كمعمل تكرير السكر “سونابيل” وغيره، وهي قد كانت على كل حال تشغل نسبة من اليد العاملة، بما فيها نساء، للأسف لم يبق لهن الآن سوى العمل في الحقول -إن وجد - وبأجر زهيد، أو الحلم بالهجرة الموسمية إلى إسبانيا قصد العمل في حقول التوت…  

    أما القرى المنكوبة بسيدي قسم فتعيش أضواعا أصعب مما تعرفه مثيلاتها بدائرة سيدي سليمان، ربما لأنها لم تسلط عليها أضواء الإعلام بما يكفي للتعريف بالمآسي الإنسانية المسجلة، ولعل الأحداث التي شهدتها الخنيشات صبيحة الثلاثاء 10 فبراير (09)والأحكام الصادرة عن عشرة متهمين من طرف المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم يوم الخميس 19 فبراير والقاضية بالسجن لمدة 10 أشهر لواحد، وأربعة ب6 أشهر، و2 ب3 أشهر، و3 بشهرين، كل الأحكام نافذة مع أداء 500 درهم في حق الجميع… وعلى إثر الأحداث المذكورة أصدرت وزارة الداخلية قرارا يقضي بتوقيف المساعدات للمنكوبين، وهو ما اعتبر عقابا جماعيا غير عادل سلط على الجميع. 

    عند توقف القافلة الحقوقية بقرية “الترابنة” في ضواحي سيدي قاسم التف حولها جمع غفير من المواطنات والمواطنين من مختلف الأعمار، وقد ذكر سعيد العلام وهو من المتضررين القاطنين بنفس القرية أن هناك 100 منزل متهدم، وقد أخذنا للاطلاع على نماذج من البيوت الطينية المتهدمة والتي لم تعد تصلح للسكن…وفي قرية “سوق الحد” ذكر محمد الطويل أن 40 دارا تهدمت، ولاحظنا بناء خيام وسط المنازل المتهدمة، يقطن بها أفراد العائلات المنكوبة، وذكرت القاسمية المعلم،  من نفس القرية أن السلطات أمرت بجمْع الخيام المبنية بجانب الطرقات والدخول إلى بين ما تبقى من أطلال المنازل والسكن فيها، وقد أضافت وهي تبكي أن المحسنين لم يعودوا يرونهم على جنبات الطرق فيمدونهم بالمساعدات، أما السلطة فلم تقدم شيئا، باستثناء مساعدات بسيطة لمرة واحدة، وكما ذكر علي الوطاسي وهو بجانب حطام منزله المستوي مع الأرض بالقول أن المساعدات لم تتجاوز كيس دقيق وزنه 10 كيلوغرام،  و 5 لترات من الزيت، 2 علب سكر، و4 علب شاي، و 80 كيلوغرام شعير، والبعض تسلم  حليبا،  وأفاد نفس المتحدث أن قرية “أولاد برحيل” تهدمت بها 137 دارا، وأضاف وهو يتذكر تفاصيل ما وقع لهم إثر الفيضانات التي بدأت تداهم المنازل عند الثالثة صباحا، لتسقط جميعا قبل الخامسة : “لم يتدخل أحد لإنقاذنا، وقد احتمت النساء والأطفال بدار عالية، أخرجتهم جرافة من النافذة ، ليتم بعد ذلك نقل كل المنكوبين إلى مدينة الخنيشات على متن الجرارات، ووجهنا إلى المركز الفلاحي، أو الخيرية، وهناك من استقر بالإعدادية، وقد كانت معنا مواشينا ودوابنا، ليخرجوننا بعد ذلك بالقوة رغم أن منازلنا قد هدمت “، وفي استفسار عن مطالبهم، ذكر “أنهم فقط يريدون مساكن تأويهم، وأن هناك مشاكل لدى من في ذمتهم القروض الصغرى، كما قطعوا عنا الكهرباء وأخذوا العدادات،”، وعلمنا أن المتضررين الذين هدمت منازلهم، يسكنون مع المحسنين سواء في الخنيشات أو مع بعض الأسر التي لم تتهدم بيوتها… ولحدود يومه ما تزال منازل غارقة في الوحل ولم يصل إليها أحد بعد، ورغم ذلك أخرج أصحابها من الملاجئ التي كانوا فيها..

    كما كان مقررا اختتمت القافلة مسيرتها بمدينة الخنيشات، وككل المحطات يبسط المناضلات والمناضلون لافتة تعبر عن التضامن مع المنكوبين، نصها الكامل هو: “القافلة التضامنية تعبر عن تضامنها المطلق مع منكوبي فيضانات منطقة الغرب وتطالب الدولة المغربية بتحمل مسؤوليتها بتقديم الدعم والتعويض عن الخسائر وإطلاق سراح معتقلي أحداث الخنيشات”، ويشرعون في ترديد الشعارات، في الحين يلتف حول المكان عدد من المواطنين والمواطنات، غلبا ما يدخل المناضلون وبعض الإعلاميين الحاضرين في حوارات مع السكان، وهناك من يلتقط صورا ثابتة أو متحركة، وتنتهي كل وقفة بكلمة ختامية…كان للقافلة في الخنيشات وقع آخر، لقد حضر بعض أفراد عائلات المحكوم عليهم بالسجن لمدد مختلفة، فهذه أم هشام المراني (10 أشهر) تتوسط الدائرة وتصيح بأعلى صوتها كأنها تريد أن يسمع العالم بأن ابنها تعرض للتعذيب كما تقول، وهذه زوجة إدريس شتوكة رفقة ابنيها تقولك”زوجي عذبوه وضربوه، وحكموا عليه ب6 أشهر، أنا الآن مشردة، عندي ثلاث أولاد، وتهدمت داري وضاع كل متاعي…”، أما أخ  بوجمعة الوافي المحكوم ب3 أشهر سجنا، فيقول أن أخاه “نائب القرية أخذوه لأنه تكلم عن السكان المتضررين، وحكموا عليه ب3 أشهر”، وأضاف أنه هو وأخوه بوجمعة من متطوعي المسيرة الخضراء، ولم يكن ينتظر أن تفعل بهم السلطات ما قامت به، ويؤكد من جانبه أن هناك شهودا كان معهم في مكان معين بعيدا عن الأحداث يمكن أن يدلوا بشهادتهم، وقد صرح أحد المحامين   أثناء وقفة الخنيشات ب”أن الدفاع طالب بإحضار الشهود، وهناك من لم يتعرض للاستنطاق وقدم للمحاكمة، وقد كان الهدف هو ترهيب المتضررين كي لا يحتجوا”، من جانبه دعا عمر باعزيز رئيس الفرع الجهوي لجهة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان في كلمته أمام الحاضرين إلى تحمل الدولة لمسؤوليتها في حماية المتضررين وتقديم المساعدات والتعويضات لهم، والإفراج عن معتقلي أحداث الخنيشات، وأضاف أن “هؤلاء المعتقلين قد شرفوا المنطقة والمغرب باحتجاجهم على تحويل المساعدات إلى جهات أخرى”، وطالب بتشكيل لجنة لدعم المعتقلين، واقترح على الأسر التآزر فيما بينهم، حتى الإفراج عن المعتقلين، ودعا كافة المتضررين إلى تكوين جمعية للدفاع عن مصالحهم…

 وأضافت أم هشام المراني مخاطبة الحاضرين:”يأمروننا بالدخول إلى منازلنا المتهدمة، وبها نبني خيمة ونسكن فيها، وقد مارسوا علينا ضغوطا كي نعود إلى منازلنا المتهدمة، وإلا لن يعطونا كيس شعير”(!) .

     أما رحمة جلول مسنة فحالتها تذمي القلوب، تدور بين الحاضرين، تشتكي مما سمته ظلما وإهانة، تسكن دوار أولاد عبد الواحد. تقول:”تهدمت داري ولم أتلق أية مساعدات، وقد طردني القائد لما طلبت مساعدة، لم يعطوني خيمة، أنا وحدي وليس لي أبناء، أسكن تحث جدار مائل بمنزلي المتهدم…”

   عند حلول المساء كانت القافلة قد أتمت “مهمتها” على الوجه الأكمل، غير أن زيارة المنكوبين ولمرة واحدة غير كاف، ومطلوب من كافة الإطارات الحقوقية والسياسية والجمعوية والنقابية… القيام بزيارات مماثلة، قصد معرفة الحقائق والمعانات من عين المكان، واتخاذ الإجراءات المناسبة لذلك، منها تحمل الدولة لمسؤوليتها، وعدم ممارسة تعتيم إعلامي حول مخلفات الفيضانات، ففي كل الدول تقع كوارث(رغم تسجيل المسؤولية البشرية أحيانا…)، والمغرب يساعد الدول المنكوبة كعادته دائما، وقد رأينا كيف ساعد قبل شهور دولة الصين القوية عندما حدثت فيها الفيضانات، فلماذا لا نتلقى بدورنا المساعدات من دول صديقة لعون المنكوبين؟ خاصة من أجل بناء منازل لهم إذا لم تكن الدولة المغربية قادرة على ذلك؟  فعلا ذكرت الحكومة أنها خصصت 1.3 مليار درهم لذلك، وأن وزارة الفلاحة والصيد البحري تعد لتعويض المزروعات المتضررة بأخرى ربيعية”حسب الإمكان” كما جاء في البلاغات الرسمية، وأن هناك حملة تلقيح 100 ألف رأس ماشية، وأن وزير الداخلية اجتمع بمنتخبي منطقة الغرب في العاصمة الرباط لتقييم الحاجيات…لكن مريضا يــــئـــن، وجائعا يتضور وهو ينام في شبه عراء، وتلميذا ضاعت محفظته، وأسرة نكبت في ماشيتها…كل هؤلاء لا يمكن أن ينتظروا إلى الغد، فبالأحرى إلى حين تقييم الوضع وصرف الميزانية.  

تجدر الإشارة أن المشاركين في القافلة التضامنية لمنطقة الغرب المنكوبة ينتمون للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي، والخيار الديمقراطي الاشتراكي، والحزب العمالي، والحزب الاشتراكي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، وأطاك المغرب، وأكمي، والجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، والجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي( الاتحاد المغربي للشغل)، والمنظمة الديمقراطية للشغل، والكنفدرالية الديمقراطية للشغل…  (ولو بتمثيليات محلية أو الاقتصار على الحضور في بعض المحطات)، ولمشاهدةالصور يمكن زيارة مدونة نشرف عليها عبر الرابط التالي: zide.maktoobblog.com

    لوحظ تصوير وقفة “الخنيشات” من قبل رجال أمن من أعلى سطح بناية الدرك الملكي، كما تم تسجيل ألواح السيارات المشاركة في القافلة التضامنية، وكانت القافلة على العموم مراقبة أمنيا، وهو شيء عاد وقد يتطلبه الموقف، لكن على الدولة ألا تعتبر بأن نكبة المواطنين يعنيها وحدها فقط، فكل الإطارات المسؤولة بل وكافة مواطني المغرب معنيين ولو بدرجات ومسؤوليات متفاوتة، وإذا حاول البعض استغلال ذلك لأغراض انتخابية ضيقة فالمغاربة لم يعودوا قاصرين وقليلي الفهم، بل يميزون بين الصالح وبين من أوصلهم إلى الهاوية…

    

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article