همّ البنات للممات

Publié le par حنان محمد فارع

دور الموروث الاجتماعي والثقافي

في تجسيد المفاهيم المشوّهة عن الفتيات

 

 

تحقيق : حنان محمد فارع

  

« زوج بنت الثمان وعليّ الضمان »....

كثيرة هي الأقوال والأمثال الشائعة والمتداولة داخل مجتمعاتنا وتكرس التمييز بين الذكر والأنثى وقلق الأهل الدائم من إنجاب البنات وما قد تجلبه من متاعب وضغوط حفاظاً على عذريتها ، وبحجة الخوف والحرص يتم تقييدهن وفرض الوصاية عليهن وسلب حقوقهن ، بإنجاب البنات تُعلن حالة من الاستنفار والاستعداد داخل الأسرة كأنها تتأهب لخطر محدق بها.

 

وأد الطـفولة

كان الإسلام قد نهى عن وأد البنات وبطريقة مختلفة عن السابق ظل هذا العمل قائماً ، فالتحايل على الإسلام بوأد البنات يتم عبر تزويجهن بسن مبكرة لا يتجاوز الثمان سنوات أو في هموم المطبخ والأعمال المنزلية الشاقة وإهمال تعليمهن ورعايتهن والعمل على تثقيفهن ، تتربى البنت منذ ولادتها على أن تكون زوجة في أسرع وقت ممكن ، سرت هذه الأفكار داخل المجتمع وأصبحت ثقافة عامة وموروث اجتماعي وسادت ظاهرة تزويج القاصرات من تتراوح أعمارهن بين 8 - 15 سنة.

الفقر هو السيف الذي تُذبح به طفولة البنت وذلك للتخفيف من العبء المادي الذي يفرضه وجودهن مع الأسرة و لضمان الحفاظ على شرفها وشرف العائلة.. ولا تختلف المجتمعات المتمدنة كثيراً عن الريفية التي تسيطر عليها العادات والتقاليد فلا تزال النظرة القاصرة تجاه البنت هي الغالبة والبنت - كما يُقال - تظل بنتاً ولو حصلت على أكبر الشهادات ووصلت إلى أعلى المراتب ، فالذكر هو امتداد للنسل أما الأنثى فمصيرها المحتوم هو الذهاب مع الزوج.

 

تمكنت من إجراء حوار مع عدد من البنات، سألتهن عن رأيهن حول تفضيل الأهل للذكور عن الإناث، والنظر إلى البنت على أنها همّ ثقيل على كاهل أسرتها وكيفية التعامل معهن...

 

انعدام الثقة

تحدثت صابرين ( 18 سنة ) بألم وأسى قائلة: الثقة شبة معدومة بيني وبين أهلي، ما يجمعني بهم هو الخوف ونظرة الشك والريبة تجاه تصرفاتي وأي حركة صادرة مني، أشعر أنني مهضومة الحق داخل عائلتي مصابة بحالة من اليأس والإحباط، قد أتفهم لبعض الوقت خوف أهلي عليّ لكن أن يستمر هذا الوضع بصفة يومية يجعلني أشعر بالتعاسة والتمني لو وُلدت صبياً للفرار من تسلطهم والشك غير المبرر في تصرفاتي ومراقبتهم الدائمة.

 

تقييد ومنع

توافقها الرأي منال ( 20 سنة ) إذ تقول: ليس للأهل الحق بمثل هذه النظرة الرجعية، الشك وتقييد حركة البنت ومنعها من التعليم، مما يضطرها إلى الكذب المستمر خوفاً من العقاب وتتخذه وسيلة لحمايتها لفقدان الثقة بينها وبين عائلتها.

 

البنت بسعر الولد

وتردف بالقول: اليوم صارت البنت بسعر الولد، وفي حالات كثيرة أحسن منه، والمشكلة هي الأفكار الاجتماعية المغلوطة  و اختلاف طريقة التعامل بين البنت والابن.. مع تطور العصر خرجت المرأة للعمل وأثبتت جدارتها في مجالات متعددة، أما الذين يدعون خوفهم على بناتهم لأنهم لم يحسنوا التنشئة والتربية وإعداد هذا المخلوق الرقيق أي حواء لتكون قوية وعلى قدر المسؤولية واحترام الحرية التي أعطيت لها.

 

الضرب المبرح

تسرد أروى موقفاً مؤلماً حصل لها مبينة التمييز داخل العائلة بين الذكور والإناث، وامتلاك الذكر حق الوصاية على الأخت:

- تظل والدتي قلقة عليّ منذ ساعة خروجي من البيت وعند العودة تنهال أسئلتها دون انقطاع عن تفاصيل ما حدث معي في الخارج.

في إحدى المرات وبعلم أسرتي ذهبت الساعة الحادية عشرة صباحاً للتقديم في الدراسة بمعهد خاص باللغة الانجليزية على اعتبار أن عودتي للبيت ستكون الساعة الواحدة ظهراً، هناك فوجئت بإدخالي إلى امتحان، وتأخر الوقت، وعدت الساعة الثانية والنصف ظهراً، وعند الباب الخارجي للبيت وجدت أخي بانتظاري دون سؤالي عن سبب تأخيري دفعني إلى الداخل ليصفعني على خدي، وانهال عليّ بالشتائم على مرأى ومسمع والدتي التي لم تحرك ساكناً.

 

الزجاج المكسور لا يعود إلى طبيعته

أما رشا ( 18 سنة ) عبرت عن وجهة نظر معارضة زميلاتها السابقات:

- شيء طبيعي خوف الأهل على سمعة البنت، وأن يسعوا لحمايتها، فهي مثل الزهرة يجب وضعها في ظل مناسب لتنمو نمواً طيباً، أخلاق البنات ليست متساوية، معظمهن أصبحن دون حياء.. لا يضايقني قلق الأهل الدائم، بل أشعر بالسعادة، كون عائلتي تخشى عليّ من ذئاب الزمان ورفيقات السوء.. البنت بحاجة للحماية أكثر من الولد ودفع الأذى عنها.. البنت تتحكم بها العواطف فتكون ضعيفة وسهلة الإغواء وبإمكان أي شاب الإيقاع بها، فهي مثل الزجاج إذا انكسر لا يعود كالسابق.

 

والشباب أيضاًً معرضون للإغواء والانحراف.

الشاب الوحيد الذي تمكنت من الحديث معه حول همّ البنات وعبئهن الثقيل على الأسرة.. وضّح بلال السبئي ( 22 عاماً ) فكرته بالقول:

- في هذا الزمن نخاف على الشاب مثل الخوف على البنت وأكثر، قد يتعرض الشاب لمصادقة رفيق فاسد، والانجرار وراء المخدرات أو السرقة والمفاسد الأخرى، إذا كان الأهل يحمّلون همّ البنت بعد زواجها، أيضاً فلا يختلف ذلك عند الرجل، قبل زواجه يطلب مساعدة أهله، وبعد الزواج إذا كانت أحواله المادية متواضعة يصبح الأهل مجبورين على إعالته وزوجته.. الشاب كذلك معرض للإغواء والانحراف إذا لم يتلقّ تربية سليمة.. أما العادات الاجتماعية التي هضمت حقوق البنت بحجة الخوف من العار والفضيحة إنما هي لدرء رماد العين ؛ لأن للأسف كثير من الأهالي أهملوا نقطة التربية لهذا طلعت بناتهم هشة وآيلة للسقوط.

 

هاجس ومعاناة للأهل

أما الجانب الآخر المغاير، كان لنا حوار مع الأهالي (الوالدين) للاطلاع على حقيقة همّ البنات، وكيف تتعامل الأسرة مع بناتها؟

- تشير خديجة - امرأة في منتصف الأربعينيات - إلى أن النفس البشرية دوماً متطلعة إلى ما تفتقده.. فمن لديه ذكور ترنو عيناه لأنثى يداعبها ويدللها لتحنو عليه مستقبلاً.. أنجبت ثلاثة أولاد، كنت أتوق مع زوجي أن ننجب بنتاً، منذ ولادتها وحتى دخولها الآن مرحلة المراهقة، وأنا دائمة القلق عليها والتفكير بها أكثر من إخوانها الثلاثة، أنام وأصحو على الخوف أن تقع فريسة ذئب بشري يقضي على سمعتها، فصارت كل تحركاتها هاجساً ومعاناة يومية، لن أرتاح إلا إذا رحلت لقبرها أو بوفاتي، حتى إذا تزوجت حينها تبدأ معاناة من نوع آخر تتركز حول طريقة معاملة الزوج لها ووضعها في بيت الزوجية، وهاجس آخر بأن تعود إلى بيت أهلها تحمل لقب (مطلقة) فيعود العبء الثقيل من جديد ويزداد خاصة بنظرة المجتمع السيئة إلى المطلقات.

 

البنات زهرات الحياة

أبو هناء (كما يحب أن يناديه الآخرون) لديه ثلاث بنات ويتمنى المزيد منهن.. يقول:

- إن البيت الذي يفتقد حس الفتيات تكون أجواؤه جافة وتغلب عليه الكآبة، البنات هنّ عادة من يمنحن البيوت أجواء الحركة والرقة، ولا يوجد أحن من البنت، هي زهرة الحياة وتجعل للدنيا طعماً، ليس عيباً تمني الأب أن يرزق بالإناث ، تطور وعي الناس وتغيرت أفكارهم القديمة وأصبح اليوم الاعتماد على البنت أجدى وأنفع من التعب في تربية ابن متمرد وعاصٍ ، البنت بطبيعتها الفطرية حنونة ومطيعة وقنوعة، وهي من تحتضن وترعى والديها عند الكبر، وتقوم بخدمتهما دون شكوى أو تذمر.

 

متى ينتهي ظلم المجتمع للفتيات ؟

ختاماً نسأل: متى تنتهي الجريمة التي تُرتكب بحق البنات واغتيال طفولتهن بتزويجهن في سن مبكر وفقاً لعادات وتقاليد بالية للخلاص من همهن، لم يعد يفرق كثيراً عن وأد البنات في الجاهلية، فكلا الحالتين متشابهتين، في الأولى تكون ميتة ولا تزال جثتها على سطح الأرض، بينما في الثانية ميتة ومدفونة في باطن الأرض.. سيأتي يوم فلا نجد للنساء وجوداً في الكون بسبب الظلم الاجتماعي الواقع عليهن دون شفقة ورحمة..!

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article