تطور المطلب الدستوري بالمغرب من 1908 إلى اليوم

Publié le par حمــد الغلوســي

المسائية العربية

http://www.almassai a.com/ar/ news_view_ 983.html

مراكش : محمد الغلوسي
ظلت الوثيقة الدستورية محط صراع بين القوى الأساسية الفاعلة في الحقل السياسي المغربي على مدى عقود من الزمن ونقصد بذلك الملكية من جهة، والأحزاب الوطنية الديمقراطية من جهة أخرى وكان هذا الصراع يعكس جوهر الصراع السياسي ببلادنا. هذا الصراع الذي يحتد في لحظات تاريخية ويتراجع في لحظات أخرى نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية، وقد استطاعت الملكية أن تقلل من حدة هذا الصراع

بإدماج جزء كبير من المعارضة التقليدية في دواليب السلطة واستنكاف هذه الأخيرة /أي المعارضة/ عن طرح مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي، وتبين ذلك بالملموس من خلال التصويت الإيجابي على دستور 13 شتنبر 1996 مع تهميش وقمع القوى الممانعة والمضادة للحقل الرسمي.

لقد بينت الممارسة السياسية بالمغرب لمدة تفوق خمسة عقود أن الانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون لا يمكن أن يتم إلا في ظل دستور ديمقراطي يؤسس لمصالحة تاريخية بين الدولة والمجتمع ويضع حدا للاستبداد والاستفراد بالسلطة ويربط هذه الأخيرة بالشرعية الشعبية ومبدأي المحاسبة والمسؤولية.

إن الإصلاح الدستوري والسياسي المنشود هو الذي يرسي أسس النظام الديمقراطي ويتضمن في هندسته مجموعة من المبادئ المتعارف عليها في الدساتير الديمقراطية وضمن هذه المبادئ التأسيس للحريات والحقوق وتنظيم السلط وتوزيع الصلاحيات بينها بشكل متوازن.

إن أهم وأكبر إشكال يطرحه الدستور المغربي الحالي هو هيمنة الملكية على كافة المؤسسات الأخرى وتمتعها بصلاحيات غير محدودة تجد مرجعيتها في الفصل 19 من الدستور و في إمارة المؤمنين وهو الشيء الذي سنعالجه بشيء من التفصيل من خلال هذا العرض المتواضع وذلك من خلال محورين.

المحور الأول:
الفصل 19 من الدستور- دستور داخل دستور-
يعتبر العديد من المتتبعين والمهتمين بالحقل الدستوري أن الفصل 19 من الدستور المغربي يشكل دستورا مستقلا بذاته، فخارج الخطاب الرسمي الذي يروج للحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان تختفي إمارة المؤمنين التي تلقي بظلالها وثقلها على كافة الحقوق والحريات مشكلة مرجعية تعطي الشرعية لهيمنة الملكية على الفضاء السياسي بمختلف تشعباته وتعقيداته، والمزاوجة تلك أي بين الحداثة والديمقراطية من جهة وإمارة المؤمنين كحقل تقليدي يحيل على نظام الخلافة من جهة أخرى يجعل الحديث عن الانتقال الديمقراطي ودولة الحق والقانون مجرد أوهام تسوقها نخب تستفيد من توزيع النعــم.

لقد بشرت ملكية يوليوز من خلال خطب رسمية بالعهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة ودولة الحق والقانون، وأقدمت على إقالة أحد رموز النظام السابق وأنشأت هيئة الإنصاف والمصالحة التي ستجلي الحقيقة حول ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واللجنة الملكية المكلفة بمدونة الأسرة والمجلس الملكـــي للشؤون الصحــراوية والمعهد الملكي للأمازيغية، والمجلس الأعلى للتعليم إلخ.

و هو الشيء الذي أوحى للبعض بأن الملكية تتجه نحو التأسيس لمرحلة جديدة مرحلة تتناغم فيها مع النظام الديمقراطي وتقطع مع الاستبداد والحكم الفردي المطلق.

إن سياسة المجالس الاستشارية التي تلجأ إليها الملكية في مختلف الحقول كأسلوب للتدبير السياسي ما هي إلا توظيف مكثف لمقتضيات الفصل 19  و هو ما يؤزم الخطاب حول التحديث والدمقرطة ويجعل المرجعية الوضعية حول الحقوق والحريات تنهار أمام تقليدانيـة النظام السياسي و خيانة النخبة.

إن الملك وهو يزاوج بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية يجعله مهيمنا ووصيا على الحقلين الديني والسياسي وهو الشيء الذي يتبدى من خلال الهندسة الدستورية نفسها باعتبار خطبه لا يمكن أن تناقش وشخصه مقدس فضلا عن امتلاكه للسلط التشريعية والتنفيذية والقضائية ولا يعتبر مسؤولا إلا أمام ضميره وأمام الله

المحور الثاني:

السلـط الفائضــة عن الملكيـــة
لقد أكدنا من خلال ما سبق على هيمنة الملكية على الحقلين السياسي والديني وهو الشيء الذي تعتبر معه باقي المؤسسات / السلط امتدادا للحقل الملكي.

فالوثيقة الدستورية الحالية قد غيبت من هندستها سؤال المأسسة وأبعدت عن صياغتها مفاهيم فصل السلط والتمثيل السياسي واستقلال القضاء وعوضتها بشخصانية السلطة.

إن المأسسة تعني اكتشاف البعد الدستوراني باعتباره نظاما للكوابح واتخاذه كإطار لإعادة توزيع السلط في اتجاه تأسيس نظام ديمقراطي.

إن البرلمان وفقا للدستور الحالي يتشكل من غرفتين وفقا للفصل 36 من الدستور وينتخب أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات في حين يتكون مجلس المستشارين من أعضاء تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي الجماعات المحلية، ويتكون خمساه الباقيان من أعضاء تنتخبهم أيضا في كل جهة هيئات ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني هيئة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين وذلك لمدة 9 سنوات (الفصل 38) مع تحديد كيفية تجديد ثلته، بينما تنص الفصول 39 و 40 و 41 على حصانة النواب وانعقاد دورات المجلس ومسطرة جمع البرلمان في دورة استثنائية وتحدد الفصول 52 وما بعدها مجال اشتغال البرلمان.

إن القراءة الأولية للفصول أعلاه وخاصة الفصل 38 من الدستـور توحي بأن الاقتراع العام أو نتائج الانتخابات لها تأثير مباشر على السياسات العمومية وترسم معالم البرنامج الحكومي إلا أن واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك، فالانتخابات في النسق السياسي المغربي لا تشكل لحظة سياسية ترسخ التوجهات الكبرى للبلاد ولحظة لمحاسبة الفاعلين السياسيين عبر صناديق الاقتراع، فالحكومة لا تنبثق عن الأغلبية البرلمانية ذلك أن تعيين الوزير الأول وباقي الوزراء يخضع لإرادة الملك وفقا لمقتضيات الفصل 24 من الدستور والحكومة مسؤولة أمام الملك والبرلمان، كما أن المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يتمتع بصلاحيات واسعة (الفصل 66) كما أن للملك حق حل مجلسي البرلمان (الفصل 71) وإلى حين انتخاب البرلمان الجديد أو المجلس الجديد فإن الملك يمارس السلط التي يختص بها البرلمان في مجال التشريع.

إن امتداد تقل الملكية إلى باقي السلط يبرز أيضا بشكل واضح عند الحديث عن القضاء فالدستور لم يرق به إلى مستوى السلطة كما أن الملك هو الذي يعين القضاة بظهير شريف وهو الذي يرأس المجلس الأعلى للقضاء وتصدر الأحكام باسمه.

على سبيل الختـــم إن التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم في ظل هيمنة الليبرالية المتوحشة تفرض على البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى فتح نقاش وطني موسع تشارك فيه كل القوى الوطنية الديمقراطية ومكونات المجتمع المدني حول المسألة الدستورية في اتجاه فرز مؤسسات ذات مصداقية تتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة تحاسب الحاكمين على كافة المستويات مع ترسيخ الحريات العامة وحقوق الإنســان وجعل القضاء سلطة مستقلة وذلك لضمان عدم تكرار ما جرى من انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان في العقود الماضيــة.

محمــد الغلوســي
الكاتب الوطني للشبيبة الطليعيـة

ملحوظة: قدمت هذه الأرضية في الندوة الوطنية المنظمة من طرف الشبيبات الديمقراطية ((لتشــدو)) والمنعقدة بتاريخ: 21 مارس 2009 بمقر الجهـة بالربــاط.

 

 

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article