استجواب المشعل حول المخدرات

Publié le par جريدة المشعل

الاستجواب الكامل مع جريدة المشعل

لمحمد طارق السباعي

رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب

خصص الاتحاد الأوروبي أموالا مهمة لمحاربة زراعة الكيف  فهل تحقق المنتظر من هذه الأموال؟

في أول تقرير صدر عن لجنة تحقيق برلمانية في المغرب حول المخدرات، في يناير عام 1997، ذكر أن مساحة الأراضي المزروعة من القنب  بلغت 70000 هكتار، وقدرت اللجنة أن إنتاج الحشيش عام 1995 بلغ 1500 طن، وتوصلت دراسة ميدانية لمركز مراقبة المخدرات في العالم، أُجريت عام 1993، إلى أن المساحات المزروعة بلغت 65000 إلى 70000 هكتار بنتاج سنوي 1500 إلى 2000 طن من الحشيش.

وبفضل المساعدات  الأوروبية المقدمة للمغرب فقد بذلت  مجهودات  لمكافحة شبكات تهريب المخدرات الدولية من أجل التخلص من تأثيرات هذه الشبكات التي تنامت في  زمن قياسي واستنفرت  الدولة مجهوداتها للتصدي لشبكات المخدرات ، حيث نجحت مؤخرا  بالناظور في اعتقال العديد من  العناصر الأساسية داخل شبكة لها امتدادات على الصعيد الأوروبي، كما نجحت في متابعة مجموعة من العناصر المنتمية لقطاعات الأمن والدرك والقوات المساعدة.

ولقد أشادت هيئات دولية بالمجهودات المبذولة من قبل الدولة  في عمليات المكافحة، التي قادت إلى تخفيض المساحات المزروعة بهذه النبتة المحظورة إلى 40 في المائة، في حين سجل إنتاجها انخفاضا وصل إلى 62 في المائة.

لكن رغم ذلك فالمغرب لازال يعتبر قلعة خاصة لعتاة المهربين للمخدرات ،فالمقاربة التنموية  التي سلكتها الدولة لم تؤت أكلها فهي  غير كافية للقضاء على شبكات تهريب المخدرات .

كما أن  المقاربة الأمنية محدودة في نتائجها  لشيوع ظاهرة الافلات من العقاب للمجرمين المقربين من مراكز النفوذ رغم ما وصلت إليه في سقفها من اعتقالات أسقطت في مناسبات متفرقة كبار الرؤوس في قطاعات الشرطة والقوات المساعدة والبحرية الملكية، وأبناء فاعلين سياسيين.

 فاستمرار تزايد الطلب الإسباني على المخدرات، المعبر الحقيقي لسوق دولية شاسعة، يفرض على المغرب ان ينادي بتطبيق مبدإ المسؤولية المشتركة. مع ضرورة استعمال الوسائل التكنولوجية لمراقبة السواحل التي وضعتها السلطات الإسبانية لتستطيع بها  توفير معلومات محددة، حول أماكن نقل المخدرات، بما فيها الطرق البحرية ونقط التفريغ.

ولذلك فان أي مجهود يبذل اذا لم يصاحبه تعاون مع الجارة اسبانيا سيذهب هباء مادامت تستقبل بأراضيها كبار تجار المخدرات بأموالهم وتتركهم يتجولون ويتباهون بثرواتهم التي لم يسألوا يوما عن مصدرها ولا كيف دخلت تلكم الثروات الى الاراضي الاسبانية في عزوف مفضوح للدولتين المغرب/اسبانيا عن تطبيق مقتضيات الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد  والتي تعطي الحق للمغرب في تتبع الثروات المهربة للخارج وذلك بتطبيق مساطر الحجز على ممتلكات المغاربة المهربين للأموال بطرق غير مشروعة تطبيقا وتفعيلا كذلك لشعار وطني "من أين لك هذا"

فاذا كان المغرب متهما بتهريب المخدرات فاسبانيا متهمة بالتستر على الفاعلين الرئيسيين تجار المخدرات المقيمين لديها وتقوم باحتضان وحماية رموز هذه الشبكات، فهي لا تتعاون مع المغرب رغم الاتفاقيات القضائية المتعلقة بتسليم الفارين من وجه العدالة بل ان الدولة الاسبانية تمنحهم جنسيتها وتوفر لهم حماية قانونية إسبانية سواء عبر صفة الجنسية أو غيرها من الأشكال ؟؟

كما أن الجارة اسبانيا تسمح كذلك للطائرات الخفيفة أن تخرق المجال الجوي المغربي، و السلطات الأمنية الإسبانية خلقت عملاء ومفسدين في الحرس المدني والجيش الاسبانيين..

ان المغرب يظهر من حين لآخر عدم التسامح مع المتورطين في تجارة المخدرات ،ولذلك فالإتحاد الأوربي مجبر على التفكير في إعادة توزيع عادل في سياسة الدعم  مع مراعاة المجهود الكبير المبذول من قبل الدولة حتى يتحقق  المنتظر من هذه الأموال ، وما على الجارة  إسبانيا الا التخلص من تأثير لوبيات ومافيات المخدرات.

كما أن المجتمع المدني يبذل قصارى جهده من أجل محاربة الآفة كجمعية الريف  لحقوق الإنسان  التي كشفت في رسالة لها موجهة إلى الملك محمد السادس، بتاريخ 9 أكتوبر الماضي، عن مجموعة من التواطؤات بين عناصر أمنية و بارونات المخدرات على مستوى إقليم الناظور. مطالبة بالتدخل الملكي العاجل لأجل وضع الحد للمشاكل العديدة التي تتخبط فيها المنطقة عبر سنين، إثر عجز السلطات الأمنية المحلية في اتخاذ التدابير اللازمة،منبهة الى  خطورة توغل شبكات تجارة المخدرات في صفوف الأجهزة الأمنية، التي أضحت مجموعة كبيرة من عناصرها تمثل الضمانة الأساسية لتهريب هذه السموم عبر مختلف أرجاء الوطن و إلى خارج ترابه" والغريب في الأمر أن رئيس هذه الجمعية يتابع في حالة اعتقال بتهمة اهانة هيئات منظمة ، رغم أن منتمين لهذه  الهيئات المنظمة يوجد بالسجن بتهم الاتجار في المخدرات  .

هل فعلا وظفت كل تلك الأموال لغايتها الأصلية؟

ان اعتدال الطقس في المغرب، والموقع الجغرافي ساعدا على إنتاج القنب بكميات كبيرة ففي عام 1996، احتل المغرب المرتبة الأولى كمورد رئيسي للحشيش إلى أوروبا، وأكبر مصدر للمادة ،ولذلك فالاموال التي توصل بها المغرب للقضاء على زراعة الحشيش ضئيلة ولا تسمح بالقضاء النهائي على هذه الزراعة بالمغرب ولا يمكن ان نجحد المجهودات في المجال فالحملة التي باشرتها السلطات المختصة بمكافحة زراعة القنب الهندي في إقليم تاونات مثلا ، ابتداءا من 22 ماي الماضي، اسفرت عن إتلاف341 هكتارا، وتحديد هوية 86 شخصا مبحوثا عنهم لتورطهم في زراعة (الكيف).

لكن يجب القول بأن القضاء على عمليات غسيل الأموال والاتجار الدولي في المخدرات يتطلب الارادة السياسية ، لبناء إطار قانوني وبناء نظام مالي رقابي (أو إدارة مالية استخباراتية) وعدم الإفلات من العقاب بالقدرة على تنفيذ الأحكام القانونية، والشفافية في  تقييم الموارد والمصادر ومراجعة قانون التصريح بالممتلكات .

ان عملية تدمير زراعة الحشيش ينبغي مصاحبتها بفتح أوراش بديلة  كالبحث عن انواع من الزراعة التي يعادل ثمنها الحشيش  مع توعية الساكنة المحلية والشباب بمخاطر وأضرار هذه الزراعة ذات التأثير السلبي على الصحة والتنمية المستدامة بالمنطقة، وإقناع المزارعين بتبني والبحث عن زراعات بديلة تستجيب للخصوصيات الجغرافية والمناخية للمنطقة.

يبدو أن الأوروبيين غير راضين على النتائج، هل من الممكن أن يطالبوا المغرب بتدقيق الحسابات بهذا الخصوص؟

الاتحاد الأوربي قرر تكثيف علاقاته مع المغرب ولايمكنه سوي أن يدعم أجندة إصلاحات وطنية طموحة. في إطار سياسة الجوار الأوربية.

وهذا لايمنع من القول بأن الأوروبيين غير راضين على النتائج فمن حقهم المطالبة  بتدقيق الحسابات في أوجه صرف الدعم المالي لمكافحة المخدرات ،ورغم أن مكتب مكافحة المخدرات وتعزيز القوانين، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، أشاد في تقريره السنوي حول مكافحة المخدرات وتبييض الأموال، إلى أن المغرب حقق انخفاضا مهما في مجال إنتاج وزارعة النبتة.

كما أن  مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، فإن المغرب نجح في تقليص المساحة المخصصة لزراعة القنب الهندي بنسبة 40 في المائة، وذلك بفضل الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لاستئصال زراعة هذه المادة،لكن سيلاحظ الأوربيون بأن  الحكومة المغربية لم تعمل على مكافحة الرشوة والتي تستفحل أكثر.

ولاشك أن الاوروبيين سيطلعون على  أجندة الاصلاحات الاقتصادية في المغرب التي تواجه صعوبات جمة بسبب ضعف مصادر التمويل واستمرار ضغط الملفات الاجتماعية وضمنها ارتفاع نسبة الأمية التي تناهز 50 في المائة، واتساع دائرة الفقر الذي يشمل حوالي 40 في المائة من سكان المغرب.

 

كان من المنتظر تناقص المساحات المخصصة لزراعة الكيف بفضل الأموال الأوروبية المرصودة لهذا الغرض، لكن هذه المساحات توسعت و تنامي تهريب الحشيش إلى أوروبا، هل هذه المفارقة مرتبطة بسوء توظيف الأموال الأوروبية لغايتها الأصلية؟

ان  المعطيات الاحصائية تؤكد تقليص المساحات المزروعة إلى 72 ألفا و500 هكتار، مقابل 120 ألفا و500  سنة  2004، فهل توسعت في السنين الأخيرة ؟

لست ادري  فاذا كانت كذلك فهذا مرتبط بسوء توظيف الأموال الأوروبية لغايتها الأصلية، ومن حقهم أي الأوربيين محاسبة الحكومة على عدم التزاماتها وعليها كشف الحساب .

ولازلت اتذكر المرحوم المكي الناصري الذي درسنا القواعد الفقهية  بكلية الحقوق بالرباط ومنها  "ما اسكر كثيره فقليله حرام"  فاللافت أن وزارة الأوقاف باتت، بدورها، في السنوات الأخيرة، غير محرجة من الاستفادة مما تدره أراضيها من أموال نتاج أكرية أضحت باهضة، جراء مضاربات المزارعين وضغط الطلب على أراضيها لاستغلالها في زراعة "الكيف"، خاصة في منطقة  بني زروال وبني أحمد وغمارة.
والأغرب  أن  فؤاد عالي الهمّة  في حملته السابقة لأوانها دعا الى  حوار وطني حول زراعة الكيف رغم أنه  قضى أزيد من عقدين في وزارة الداخلية ، دون أن يجرؤ على طرح بدائل أو القيام بما يدعو له اليوم، فدعوته لا تعدو أن تكون زوبعة في فنجان هدفه  منها استمالة  الأعيان الفاسدين من زارعي الكيف ، بعدما حطب الأعيان الفاسدين في باقي مناطق المغرب، ولن ننسى أن الريف ضل لعقود خاضعا للتهميش عقابا على انتفاضته في وجه الاستغلال والقمع والاستعمار.

هل هناك قطاعات أخرى رصدت لها أموال أوروبية تعرف نفس الأوضاع، سيما قلق الأوروبيين المانحين؟

إكتشفنا منذ سنتين فضائح جد خطيرة ومسكوت عنها لعدة سنوات من طرف المكتب الجهوي للإستثمار الفلاحي بأكادير ذلك أن  رؤساء الجمعيات المكلفة  باستغلال منشئات الدولة الهدروفلاحية التي تم انجازها بحوض سوس والتي كلفت ميزانية الدولة 26 مليار درهم من الدين الخارجي منها 12 مليار درهم إقترضها المغرب من البنك الأوروبي للإستثمار ، و12 مليار الباقية إقترضها من الأبناك الدولية الأخري .

فبعدما تم إنجاز تلك المنشئات الهدروفلاحية الهائلة بمنطقة سوس تولى المكتب الجهوي للإستثمارالفلاحي بأكدير إدارتها وتحصيل مداخيها التي تعد بمئات الملايين  من الدراهم شهريا .

وتصل في مجموعها الى 15 منشأة  معدل مداخيلها  لا يقل عن 240 مليون شهريا  ، ومعدل مصاريفها  لا يزيد على  112 مليون شهريا ، ليكون فائضها 128 مليون تعتبر مالا عاما  موضوعة بيد جمعيات مستخدمي المياه المخصصة للأغراض الزراعية  دون محاسبة والتي يحرص المكتب الجهوي على أن لا يرأسها إلا أعيان  المنطقة  لكي لايخضعون لا للمراقبة او المساءلة  ويمكن الجزم بأن الفائض المالي يخصص لتمويل الحملات الانتخابية  ، ولم يتابع الا البرلماني الاستقلالي بتارودانت الحبيب الببكراوي منذ 2004 ولم يصدر في حقه أي حكم رغم ان المبالغ المستحوذ عليها تفوق الثلات ملايير.

 هذا هو السر في هيمنة  كائنات انتخابية  على تمثيلية مريحة  في الجماعات والبرلمان بصورة دائمة بمنطقة سوس بالإعتماد على المال العام .

كما أننا توصلنا بوثائق مدققة عن تهريب أموال مخصصة للبحث العلمي  هي عبارة عن  مساعدات أجنبية لاحدى الجامعات بالمغرب ولدينا عقود اشرية خمس عقارات باسبانيا  هي في ملكية مسؤول جامعي كبير منشورة بالجريدة الرسمية الاسبانية في غياب تام لمراقبة تهريب  الأموال العمومية الى الخارج .

فهذه الفضائح المسكوت عنها تتحمل فيها الحكومة  والاحزاب والنقابات ، مسؤولية تاريخية تتطلب تطبيق صرامة القانون  لإرجاع الثقة وترسيخ  قيم النزاهة والإخلاص وتغليب المصالح العليا للوطن لكي لاتحل  محلها الوصولية والانتهازية والتدليس مما أدى إلى إفساد الحقل السياسي وفقدان النخب السياسية للمصداقية وانعدام ثقة المواطن في العمل السياسي.

انتهى

الرباط في 1/6/2009

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article