ولادة في مستشفى عمومي

Publié le par مريم التيجي

ولادة في مستشفى عمومي 1

كتبها مريم التيجي ،

ليلة مخاض

بحكم عملي وبحكم أني امرأة، أمر بشكل متسمروسط مستشفى الولادة، وأرى آلام النساء، وأعلم كما تعلم كل من وضعت طفلا ذات يوم في مستشفى عمومي مغربي ظروف الولادة، والمعاملة القاسية التي تلاقيها الأمهات، وهذا ما لم تنفه وزارة الصحة التي تعرف أن أعلى درجات العنف وسوء المعاملة التي يمكن أن يتعرض لها وافد على مؤسسة صحية عمومية توجد بمستشفيات الولادة..ومن وحي هذا الواقع أكتب قصة مخاض طويل من داخل مستشفى الولادة بالعاصمة ..يا حسرة
..
وضعت قدمها اليمنى خارج سيارة الأجرة التي أوصلتها الى باب مستشفى الولادة بصعوبة بالغة، كان الألم يحتل كل ذرة من جسمها، نزل زوجها ، ساعدها على النزول، حاول إسنادها قليلا، رغم أنها كانت لا تقوى على الكلام إلا أنها استغلت انفراجة خفيفة منحها إياها مخاض تلك الليلة لتؤكد له من جديد"لا تنس أن تتصل بأمي وتخبرها، يجب أن تعود لتأتي بها…" عادة دورة الألم من جديد توقفت عن المسير لكن زوجها حثها على السير قائلا "وصلنا لم يبق الا بضع خطوات اصبري سندخل الآن.."
عضت شفتيها وواصلت المسير..
ترى هل في كل بلاد العالم لا تستقبل النساء في مثل حالتها بكرسي متحرك ، أم أنه كما يقولون "شقا الحاملة فيه الأجر" و عليها أن تعتمد على نفسها حتى لو اقتضى الحال أن تحبو إلى الداخل؟..لا مجال لطرح الأسئلة..آآآمممم عاد الألم من جديد، أغمضت عينيها وسمعت صوت امرأة تقول لزوجها "صافي آسيدي بقا  برا…دخلي آللا" أمسكتها صاحبة الصوت من يدها وساعدتها على الجلوس على مقعد، أمام امرأة أخرى يبدو أنها طبيبة أو مولدة، لا يهم  لم تجلس كثيرا حتى طلبت منها تلك الجالسة خلف مكتب كأنها معلمة في حصة الدرس أن تدخل للحجرة المقابلة وتزيل ملابسها الداخلية، لم تقو على النهوض، لكن هنا المكان أشبه بيوم الحساب كل النساء يتألمن ويقطعن المكان جيئة وذهابا ولا أحد يساعدهن أو يعبأ بهن، أصحاب الوزرات البيضاء تبلدت مشاعرهم ولم يعد الأنين يحرك فيهم شيئا، لذا يتوزعون على المكان بين من يكتب على ورقة ومن يوجه الأوامر ومن يفحص أجساد النساء كأنه يقلب أحجارا أو أشجارا وليس كائنات بشرية في أقسى درجات ضعفها وألمها
لا مجال لأن تطلب المساعدة من أحد، لكن تقدمت منها فتاة في مقتبل العمر يبدو أنها متدربة وأمسكتها من معصمها وساعدتها على الوصول إلى الحجرة وعلى إزالة ما كان يستر نصفها السفلي، بل تكرمت عليها وساعدتها على صعود السرير العالي الخاص بالفحص، إنه كرم لم تتوقعه لكثرة ما سمعت عن هذا المكان لذا لم تحرم تلك الفتاة من دعواتها، وظلت تردد "الله يسهل عليك..الله يعطيك ما تمنيتي …"إلى أن غابت الفتاة، لتدخل معلمة الصف بعد ذلك .. بلامبالاة خاطبتها بعد أن وضعت قفازا طبيا في يدها :"يالله آللا حلي رجليك..واه باقي عاد بديتي.." غرست أصابعها في أحشائها المتألمة، ثم أخرجتها مليئة بالدماء وتمتمت بكلمات فرنسية قبل أن تضيف "صافي أللا آجي هنا.." خرجت وكأنها جرت مع أصابعها المدماة خيطا من الألم..لم تعد تقوى على الانحناء ..يا إلاهي كيف ستلتقط سروالها من الأرض، أين تلك الملاك التي أدخلتها الى الحجرة؟ حاولت أن تلتقط  سروالها بأصابع رجليها لكن لا مجال لذلك، وأخيرا استسلمت وخرجت بعد أن أسدلت ما بقي لها من ملابس على جسدها العاري تاركة سروالها خلفها.
وقفت أمام المعلمة التي بدأت تسألها عن الدفتر الصحي، وعن آخر دورة شهرية وعن عدد أطفالها وتكتب في ملف أبيض أمامها،  وبعد أن انتهت من أسئلتها طلبت منها أن تبحث عن  مكان تنام فيه ، سارت تجر خطاها المتثاقلة قبل أن يفاجئها القيء مصحوبا بآلام رهيبة شعرت معها كأن كل أحشائها ستنفجر وستخرج من فمها، قذفت سوائل تميل الى الخضرة  من فمها، لم تترك المرارة والألم لها فرصة لتميز الأصوات التي كانت تتقافز خلفها، لكنها فهمت من حركات امرأة ترتدي وزرة زرقاء أنهن كن يصرخن عليها لأنها تقيئت في الممر..
مشت في الممر المؤثث بالأسرة الكئيبة ولم تجد أي سرير فارغ في لحظات كانت تشعر بأنها سيغمى عليها من شدة الألم..اتكأت على سرير تتألم فوقه امرأة أخرى، رأت على السرير المقابل امرأتين ففهمت أنه لا داعي لتضيف خطوات أخرى في الممر فكل الأسرة مملوءة..شعرت صاحبة السرير بوجودها  فتنحت جانبا وضمت رجليها لتسمح لها بالاتكاء الى جانبها..
رغم الآلام التي تطوف على كل النساء إلا أنهن كن يجدن الوقت كلما خف ألم إحداهن للثرثرة قليلا، إنهن لا ينسين أنهن نساء حتى في هذه اللحظات..لم تفهم سر نظراتهن المتعاطفة معها رغم أنهن كن يتقاسمن نفس الألم، إلا عندما استرج عت سمعها الذي فقدته للحظات وسمعت إحداهن تنتفض وهي تنظف الأرضية وتقول "…الله يعطيها المرض…بنادم كيف داير.."…..
يتبع

 

 

ولادة في مستشفى عمومي /ولادة في ممر المخاض

كتبهامريم التيجي ، في 17 يونيو 2009 الساعة: 20:36 م

ولادة في مستشفى عمومي 2

الرباط: مريم التيجي

 

ولادة في ممر المخاض

خلف ستار رقيق من الدموع ميزت أرجلا تجري في اتجاه الصراخ القادم من الممر المقابل ..عمت الفوضى للحظات والنساء اللواتي أمهلهن المخاض بعض الوقت حركهن فضولهن في اتجاه الحدث ..

نسيت الاهانة التي تعرضت لها قبل قليل وهي تتمايل من شدة الألم تحاول أن تصغي سمعها لتعرف ماذا حدث

..يالله آالعيالات كل وحدة تمشي لبلاصتها (لمكانها)…سيري أللا لبلاصتك..حيدي انتي من الطريقآللا كنتي غاديا تقتلي ولدك الحمد لله ما طاحش فالأرض..واه ما تعرفيش تعيطي؟ ..زحمتي قبل الوقت عمرتي الفراش بالدم..وسختي الدنيا……يالله على سلامتك

- توريااااا يالله خلاص

فهمت من هذا الصياح أن امرأة وضعت طفلها في المكان المخصص للمخاض ودون تدخل أو مساعدة.

بينما كانت تحاول أن تحلل ما يصل إلى سمعها وسط ضوضاء الأنين والألم تقدمت منها جارتها صاحبة السرير المقابل وهي تجر الخطى وتضغط على أسفل بطنها المنتفخ وقالت لها :"مسكينة من البارح وهي هنا جيت أنا واياها فنفس الوقت وساعة هادي وهي كتغوت ما داها فيها حد حتى زلق ليها ولدها بين رجليها ودابا كيقولو ليها علاش ما عيطتيش ملي حسيتي راك قربتي..

تدخلت امرأة أخرى لتضيف:"على سلامتها وسعداتها ما نكونو حنا كاملين المهم تفكات على خير..

مرت ممرضة تجري كالسهم وهي تحمل الوليد ملفوفا في ثوب أبيض في اتجاه الباب، بينما دخلت فتاتين تلبسان وزرة زرقاء تحملان أدوات التنظيف لتتواصل عملية تخليص المرأة في مكانها قبل نقلها الى غرفة أخرى..

في هذه الأثناء علا صراخ يصم الآذان من امرأة ثانية في آخر الممر، لتدخل على إثره طبيبة شابة تضع السماعة على رقبتها وتجري في اتجاه الصراخ وتنادي احدى الممرضات :"اجري قبل ما تولد لينا حتى هادي هنا..راه هذا هو وقتها..جيبي لاشيز رولان (الكرسي المتحرك)

شعرت باشتداد الألم وتقارب نوبات المخاض لكنها بدأت تدعو الله أن لا تكون هذه هي اللحظة المنتظرة فالمتواجدون هنا مشغولون ولن يأتيها أحد قبل أن يصل طفلها الى الأرض

بدأت تعض على شفتيها وتئن ثم رمقت المولدة التي استقبلتها أول مرة تأخذ مكانها في مدخل القاعة الكبيرة حمدت الله وتحاملت على ألمها وحملت الملف الأبيض الذي وضعوه بقربها وجرت رجليها في اتجاه المولدة لتعلمها أنها على وشك الولادة

وأخيرا وصلت وهي تكاد تتمزق من الألم ..رمقتها المولدة بنظرات حادة وقالت لها :"سيري آللا ردي الملف لبلاصتو ورجعي فين كنتي باراك من التمثيل ..انتي عاد جيتي وباقي عليك الحال

أحست بكرامتها تجرح للمرة الثانية وسط عواصف الألم والشعور بالضعف الرهيب، لم تجد بدا من أن تجر جسدها المتأوه وتعود أدراجها مكسورة النفس في انتظار أن ترأف الطبيبة الشابة بها وتعاينها أو تحقنها بما يهدئ ألمها أو يسرع ولادتها ويخلصها مما هي فيهيتبع

 

الرباط: مريم التيجي

ولادة في مستشفى عمومي 3

 

فحص مهين

 

...شعرت برغبة في البكاء  في القيء  في الصراخ  في الجري بعيدا.. لكنها لم تجرؤ سوى على جر رجليها المنتفختين وحمل ملفها الأبيض بيد بينما كانت الأخرى تضغط على أسفل ظهرها علها تسكت بعض الألم..

بعد أن أغرقها الشعور بالعجز والمهانة.. صوت رقيق يتقدم منها لينتشل أجزاء من روحها التي لا تزال تطفو على السطح..امرأة متوسطة العمر تلبس بذلة بيضاء وتضع على شعرها كيسا أحضر، ربتت على كتفها وأخذت الملف من يدها لتضعه على سريرها وتعود إليها وهي تبتسم وتمسك يدها وتقول لها مبتسمة "اصبري الله معاك وتمشاي ما ترجعيش للفراش امش على قد ما تقدري وادعي الله..دابا يولي هاد الشي كل تعاويد (سيصبح كل شيء من الماضي)"

منذ أن كانت طفلة صغيرة في المدرسة الابتدائية علمها معلمها الحاج أن "الكلمة الطيبة صدقة" وأن "الابتسامة صدقةّ" لكنها لم تعرف معنى ذلك إلا في هذا المكان، حيث كانت تكفي ابتسامة هذه المرأة العابرة وكلماتها المشجعة لتنقدها للحظات وتخفف عنها الألم وتنسيها كل الإهانات التي تعرضت لها منذ أن دخلت، ترى لماذا لا تبتسم كل العاملات في هذا المكان؟ لماذا يبخلن علينا حتى بكلمات طيبة؟

وهي في غمرة فرحها بكلمات عابرة كما يفرح طفل بلعبة جديدة، رأت ممرضة تخرج امرأة على كرسي متحرك في اتجاه قاعة الولادة، تنهدت وتمنت لو يأتي دورها هي أيضا الآن حتى تتخلص مما هي فيه..

مشت قليلا في الممر وتوقفت كثيرا كلما هاجمها ألم المخاض، إلى أن دخلت إحدى المولدات ترافقها ممرضة وبدأت توجه الأوامر للنساء بأن يلزمن أماكنهن ليتم فحصهن وتحديد لحظة ولادتهن..

كانت تستمع لمجريات الفحص التي بدأت في الممر المقابل، وتسمع الأنين والآهات والألم تقطعها أوامر غريبة تصدر عن المولدة التي جاءت للفحص والمراقبة :"حلي أللا رجليك...هزي قاعك..." شعرت بالحرج وهي تستمع إلى هذا القاموس الذي كان يمكن أن ينتمي إلى أي مكان إلا إلى هذا المكان الذي تستقبل فيه كائنات بشرية تتنفس هواء هذا العالم لأول مرة، تساءلت وهي تتقزز من الأوامر الصادرة بصوت مرتفع كأنها تصدر عن جلاد، ترى هل يعاملون كل النساء اللواتي يشرفون على توليدهن بنفس القاموس وبنفس اللهجة؟ ترى هل هذه المولدة عندما ستذهب إلى الشارع المقابل في الصباح لتعمل ساعات إضافية في المصحة الخاصة حيث تلد نوعية أخرى من نساء هذا الشعب، هل تقول لإحداهن "هزي قاعك" بهذه اللهجة القاسية الآمرة؟

كانت تعرق الجواب على سؤالها لأنها تتذكر جيدا كيف كان يستقبلها طبيبها في العيادة الخاصة، وكيف كان يشجعها ويجاملها، وكيف كانت الممرضة التي تعمل عنده تساعدها على خلع ملابسها وتساعدها على الصعود على سرير الفحص..

غريب أمر هؤلاء الأطباء، يعاملون نفس الشخص بطريقتين مختلفتين، فهو عندما يدفع سواء في المصحة أو في العيادة يصبح ملكا ويطبق عليه قانون "كل زبون  ملك" لكن عندما يدخلون إلى المستشفيات العمومية، حتى لو كانوا أمام زبون دفع الفاتورة عند المدخل، فما دامت نقوده لا تصب مباشرة في جيوبهم يغيرون القناع ويغيرون القاموس الذي يختارون منه كلماتهم..

وهي سارحة في تفكيرها كادت تصدق أنها في أحضان إحدى مصحات حي أكدال قبل أن يفاجئها صوت الممرضة :"يالله آللا حيدي سروالك وطلعي للفراش.." نظرت إلى الفراش العالي وهي تفكر كيف ستصعد إليه دون مساعدة، لكن الصوت الذي واصل "سربي راسك راه ما كايناش غير انت" جعلها تسرع وتمسك بيديها وسط الفراش وتبذل كل جهدها لتصعد، لتتقدم منها الممرضة وتساعدها على ذلك وترفع ملابسها إلى الأعلى..زاد ألمها لكن خوفها من أن تسمع أية كلمة أخرى تجرحها جعلها تحاول التماسك وتضغط على أسنانها وهي تشعر أن المولدة تعبث فيها كأنها تعبث في محرك سيارة دون أن تنبس ببنت شفة، لتلتفت إلى الممرضة بعد ذلك وتبدأ في تدوين ملاحظاتها وتقول لها "هادي حتى للصباح.." وتغادر

نزلت تلك الكلمة على مسامعها كالصاعقة"يا إلهي سأقضي كل الليل في هذا المكان رفقة هذه الآلام ولن يفعلوا من أجلي أي شيء..

سترت جسمها وتدحرجت من سريرها وحاولت أن تسأل الممرضة التي بدأت بالمساعدة في فحص امرأة أخرى"راني كنتقطع بالوجع..ما يمكنش ناخذ شي حقنة ولا شي حاجة باش نولد الليلة.."

أجابتها صاحبة البذلة البيضاء ّآللا غير صبري شوية..خلي الأمور تمشي بشكل طبيعي" ..مادامت الأمور تمشي هنا بشكل طبيعي لماذا تحاربون الولادة في البيوت؟ أليست طبيعية أكثر؟ أليست الولادة على قمة جبل قرب كومة حطب ولادة طبيعية وربما أقل مهانة من الولادة هنا؟ إذا كان هذا حال أكبر مستشفى فالعاصمة يا حسرة الله أعلم كيف تلد النساء في المدن الصغيرة..

لم تجرؤ على البوح بشيء مما يروج في ذهنها، لكنها واصلت ذرع الممشى جيئة وذهابا إلى أن يأتي الفرج من عند الله

http://mariamtiji.maktoobblog.com/

 

 

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article