الجماهير الكادحة قالت كلمتها الحاسمة ،وخيّبت آمال الآخرين

Publié le par محمود جديد

" الانتخابات الإيرانية "

الجماهير الكادحة قالت كلمتها الحاسمة ،وخيّبت آمال الآخرين

محمود جديد

     - بداية ،لابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هذا المقال يتناول الانتخابات الإيرانية التي جرت بين أربعة متنافسين ، ولسنا  بصدد تقييم النظام الإيراني ( وديمقراطيته)، مع العلم بأنّه لنا الكثير من الانتقادات والملاحظات على طبيعة هذا النظام ، ولا نرى في " ولاية الفقيه" واستئثار رجال الدين بالحكم  صيغة صالحة للتطبيق في بلداننا ...وفي الوقت نفسه ، يجب أن لانغفل الأسباب والدوافع الكامنة وراء سعار التحالف الغربي – الإسرائيلي ضدّ النظام الإيراني ، ومَن يسير في فلك هذا التحالف في وطننا العربي ، وما هي طبيعة أنظمتهم ، ومصير الديمقراطية في بلدانهم ، ولايغيب عن بالنا أيضاً البديل المنشود في إيران بالنسبة للغرب ، والذي يستهدف بشكل أساسي تجريد وحرمان  المقاومة الفلسطينية واللبنانية من أيّ دعم خارجي خدمة للكيان الصهيوني من أجل استكمال تصفية القضية الفلسطينية ، وتركيع الأمة العربية أكثر فأكثر ، وبمشاركة أتباع أمريكا وعملائها من حكام ،ومرتزقة ، وشهّاد زور ..

-  توقع الكثيرون أنّ الدوائر السياسية الفاعلة في الساحة الإيرانية،ومراكز القوى داخل مؤسسات وهياكل النظام الإيراني لن تتحمّل حقبة جديدة لرئاسة / أحمدي نجاد / بسبب جرأته السياسية ، وشعاراته الملتهبة ضد التحالف الإمبريالي – الصهيوني ، ووقوفه العلني والصريح إلى جانب المقاومة في فلسطين ولبنان ، وما نجم ،وينجم عن ذلك من تبعات سياسية ومادية على الصعيد الدولي ، وستشكّل هذه الأطراف الإيرانية جبهة متحدة ضدّه لإسقاطه في الانتخابات الرئاسية ، واستبداله بشخصية ( إصلاحية ) ،أو معتدلة تتناغم مع التوجهات السياسية الجديدة المعلنة للإدارة الأمريكية برئاسة / أوباما / تجاه إيران ،ممّا يساعد على نزع كثير من الفتائل الخطيرة في المنطقة ( وفق تصوّرهم) ، غير أنّ نتائج الانتخابات فاجأت أوساط سياسية داخلية وخارجية واسعة سواء أكان ذلك بحسم المعركة في الجولة الأولى لصالح /نجاد/ أم بالنسبة المرتفعة التي شاركت في الانتخابات ، أم بفارق الأصوات الكبير بين الفائز والذي يليه ، بالرغم من تكاتف جهود قوى كثيرة ضدّه مثل الرئيسين السابقين / خاتمي ، ورفسنجاني / ووقوفها إلى جانب منافسه الأساسي / مير موسوي/ الذي كان رئيساً للوزراء من عام 1981 وحتى 1989 ، ودعم كامل التيار الإصلاحي داخل النظام الإيراني ، والعديد من الشخصيات البارزة في المؤسسة الدينية ...إضافة لكافّة القوى والأحزاب السياسية والدينية والإثنية ،والقومية المناوئة للنظام الإيراني برمّته ،  فماهي أسباب صمود /نجاد/ في وجه هؤلاء جميعاً ، وهو الرجل العصامي الذي انطلق من أسرة فقيرة من قرية صغيرة لاتتعدّى أربعين منزلاً ( أبوه حدّاد بسيط )..؟

   - إنّ السبب الأول والأساسي الذي حسم نتيجة الانتخابات هو موقف الشرائح الكادحة والفقيرة إلى جانب / نجاد/ ،لأنّها رأت فيه أكثر المرشحين قرباً منها وتعبيراً عنها ، استناداً إلى منبته الفقير ، وسلوكه أثناء تولّيه مناصب عديدة من أهمّها رئيس بلدية طهران ، ونهجه في الحكم خلال الحقبة الأولى من رئاسته للجمهورية ، إد شعر هؤلاء الكادحون والمحرومون أنّ السلطة التنفيذية اقتربت منهم كثيراً ، وتحسست أوجاعهم بصدق ، واستمعت إلى شكاويهم ، فالرئيس نجاد معروف بتقشفه وزهده في الحياة ، وبعده عن مباهجها ومفاتنها ، فلم يستمتع بمزايا السلطة ، وبقي محافظاً على حياته الشخصية والأسرية رافضاً ما أحلّت له القوانين في رئاسة الجمهورية ، ولم يكتف ِ بذلك ، بل أمر بإزالة كل مظاهر الترف فيها ...كما ظلّ متمسّكاً بمظهره البسيط ، فسترته كما قِيل يشتري  مثلها أيّ مواطن فقير بأربعة دولارات من الشوارع الشعبيةالإيرانية ، وسحنته ،وملامحه ترسم على وجهه تعابير البؤس والحرمان التي يراها المرء على وجوه الكادحين والفقراء في الريف والأحياء الشعبية في المدن ...  إضافة إلى ذلك ، بقي يعيش مع زوجته وأولاده الثلاثة في منزل صغير في شرقي طهران حيث تكثر الأحياء الشعبية منذ أن كان أستاذاً في جامعة العلوم والتكنولوجيا في طهران ( متحصّل على شهادة الدكتوراه في تخطيط الطرق ،وشهادة جامعية في هندسة العمارة ) ، ولم يتخلَّ عن هذا المنزل إلاّ بعد ضغوط جهات أمنية ، حيث انتقل إلى /فيلاّ / صفيرة في حيّه السابق بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية ، ورفض الإقامة في المقر السكني المخصّص للرئيس ...كما حافظ على عاداته السابقة ،فزوجته تحضّر له (زوّادته) التي يحملها معه إلى مكتبه كل صباح لتكون وجبة غذائه في وسط النهار،ورفض استخدام سيارات رئاسة الجمهورية ،وبقي يستعمل سيارته القديمة التي اشتراها عام 2000 ، وبدون دراجات نارية وسيارات حراسة كما هو مألوف بالنسبة لرؤساء الجمهوريات ...ولأسباب أمنية وافق على أن يكون معه سائق ،وحارسان مرافقان ،أحدهما يجلس بجوار السائق ، والثاني يجلس بجواره في المقعد الخلفي ، وعندما يقوم بمهام عائلية وخاصة  يقود سيارته بنفسه وبمفرده ..( بعض صفات نجاد وسلوكه من مقال للكاتب المحترم : فهمي هويدي  نشره في الصحافة اللبنانية )

   - وقد جسّد / نجاد/ اقترابه من شعبه والتصاقه به من خلال توزيع اهتمام الحكومة بكافة محافظات إيران ، ولهذا الغرض أوجد تقليداً يقوم بموجبه عقد جلسات مجلس الوزراء بشكل دوري في المناطق الإيرانية كل شهر ولمدّة أسبوع عمل ، ويتوجّه إلى كل منطقة لدراسة مشاكلها ، وتحديد حاجاتها ، وإقرار المشاريع اللازمة لها ... وبالتفاعل وبالاشتراك  مع السلطات المحلية يحلّ الكثير من الأمور بحضور الوزراء المعنيين ،وباقصى سرعة بعيداً عن البيروقراطية والمحسوبية ..وهكذا جاب/ أحمدي نجاد/ جميع أرجاء إيران ،وزار مناطق لم يزرها مسؤول حكومي قبله ، كما اهتمّ بشكل خاص بمناطق الأقليات التي كانت مظلومة ومحرومة من مشاريع التنمية في السابق ، فأنعش الحياة الاقتصادية والعمرانية فيها ، وحلّ الكثير من متاعبها الموروثة والمستجدّة ..

  - أقام / نجاد/ مكتباً لشكاوى المواطنين وربطه به شخصيّاً ، وقد تلقى أثناء عهدته الأولى عشرين مليون شكوى ،وقد تمّت الإجابة عليها جميعاً ، وهكذا أحبّه عامّة الناس ، وخاصّة الفقراء منهم ، وعندما حصلت المعركة الانتخابية كانوا أوفياء له في الأرياف والأحياء الشعبية في المدن ، ومناطق العديد من الأقليات ( وعلى الخصوص العربية والكردية منها) ،وقد صوتوا له بنسبة 75 بالمائة من ناخبيها  ....

    - بالرغم من الحصار الاقتصادي الغربي على إيران منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ، والآثار الاقتصادية الثقيلة التي خلّفتها الحرب العراقية – الإيرانية خلال ثمان سنوات ،  فإنّ أزمة إيران الاقتصادية ليست أكبر من أزمات البلدان المشابهة الأخرى في العالم من حيث الدخل ومراحل النمو ، وقد ساعدها على ذلك زيادة أسعار النفط والغاز في الأعوام الأخيرة ، وقد اعتمد أحمدي نجاد توزيع قسم من إيراداتها على الفقراء بشكل مباشر، واتخذ شعاره الانتخابي عبارة :" أموال النفط على مائدتك " ، وقد استطاعت إيران أن تحقق اكتفاءً ذاتيّاً يعادل 95 بالمائة من المنتجات الزراعية ، و85 بالمائة من المنتجات الصناعية ، وحققت قفزة نوعية تكنولوجية في مجال الصناعات الحربية ، بحيث أصبحت تنتج مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة بما فيها الدبابات والغواصات والطائرات ، إضافة إلى الصوريخ ، ووضعت قمراً صناعيّاً مع صاروخ إطلاقه بقدراتها الذاتية ، كما قطعت شوطاً متقدّماً في ملفها النووي ، وقد لعب الإعلان عن هذه الصناعات المتقدمة ، والموقف المتشدد في الدفاع عن حق إيران في تخصيب اليورانيوم في زيادة شعبية / نجاد / ، بالرغم من أنّ هذه المشاريع لم تكن وليدة حقبته الرئاسية فقط ، ولكنّه سرّع في خطوات إنجازها بسبب جدية حكومته في ملاحقة ومتابعة هذه المشاريع ، فأحمدي نجاد يعمل مايزيد عن 16 ساعة يوميّاً ، ويراقب بحزم عمل أعضاء حكومته ، وقداستغنى عن خدمات عشرة وزراء خلال الحقبة الأولى من حكمه ، وكلامنا هذا لا يعني عدم وجود أزمة اقتصادية في إيران ، ولكنّها ليست الاستثناء ، فمعظم دول العالم تعيش أزماتها حتى الدول المتقدمة ،أو النفطية ذات التعداد البشري المحدود ....

   - أمّا على الصعيد الدولي ، فالرئيس الإيراني ، هذا الرجل النحيل ، ذو الوجه الشاحب ، والهيئة البسيطة ،  كان شجاعاً وجريئاً في مواجهةالتحالف الإمبريالي – الصهيوني في المؤتمرات الدولية فيما يخص الملف النووي ، والقضية الفلسطينية ...فقد دافع عن حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم أكثر من الرئيس الفلسطيني نفسه ، ومن جميع الرؤساء والملوك العرب ، وما أكثرهم ااا، وكم يشعر الإنسان العربي بالخيبة والمرارة من حالة التردي العربي الراهن عندما يدافع الآخرون عن قضايانا بحرارة ووضوح وجرأة أكثر من ( حكامنا وقادتنا ) ، وفي الوقت نفسه يشعر المرء بالامتنان لكل مَن يقول كلمة طيبة لصالح قضايانا القومية في أيّ مكان وزمان ...ومن هنا برزت شعبية /نجاد / في الشارع العربي ، وهذا ما أثبتته معاهد أمريكية مختصة عندما أجرت استطلاعات للرأي في عدد من البلدان العربية التابعة لأمريكا ( وهنا أقصد الأنظمة ) مثل مصر ،الأردن ، المغرب ...الخ ، وكانت النتيجة أنّ أحمدي نجاد هو الأكثر شعبية لديها من بين الرؤساء العرب والمسلمين ، وبالتأكيد فإنّه استفاد على الصعيد الداخلي من هذه المواقف الشجاعة أيضاً ، بسبب تعلّق المسلمين في كل مكان بالقدس وفلسطين ... ولذلك كلّه ، استطاع التغلّب على منافسه الرئيسي :مير موسوي المنحدر من أسرة ميسورة تقطن الأحياء الغنية شمال طهران ، ومدعوم من الشرائح الثرية الموجودة داخل السلطة وخارجها...

-المعركة الانتخابية:

شهدت إيران معركة انتخابية  اتسمت بحيوية لم تعهدها في السابق ، وتوِّجت بالمناظرات التي جرت بين المرشحين الأربعة ، وبقسوة النقد والتهم المتبادلة التي وُجِّهت خلالها ، وبتغطيتها إعلاميّاً بشكل مباشر ، وبدت الصورة وكأنّنا في بلد ديمقراطي عريق ، وهنا لاأزعم أنّ ( الديمقراطية الإيرانية ) الراهنة تتمتع بالمواصفات التي يطمح إليها الديمقراطي الحقيقي سواء في إيران أو خارجها ، فالديمقراطية في إيران ديمقراطية مقيّدة ، وهنا أقصد أنّها مفصّلة على قياس تجربة دينية ملقحة بمبادئ الديمقراطيةالمنفذة في الغرب ، حيث اعتمدت الانتخاب وسيلة لاختيار جميع السلطات في إيران ...

- إنّ أبرز النقاط التي ركّز عليها منافسو أحمد نجاد في المناظرات التلفزيونية هي المسائل الاقتصادية وطرق معالجتها من قبل الحكومة ،والأزمة الاقتصادية ، وعزلة إيران الدولية .. وبالرغم من أنّ منافسه الأساسي  / موسوي / كان محسوباً على التيار المتشدّد في إيران ، واستلم رئاسة الحكومة في العقد الأول من عمر الثورة الإيرانية، أي خلال الحرب العراقية الإيرانية ومآسيها على الشعبين العراقي والإيراني ،إلاّ أنّه ركب موجة الإصلاحيين مدعوماً من رموز هذا التيار ومن أبرزهم الرئيسان السابقان  / خاتمي، ورفسنجاني / هذا الأخير الذي هزمه / نجاد في معركة 2005 بفارق سبعة ملايين صوت ...وقد تحدّث عن الحريات العامة ، ودافع عن المرأة والشباب ، والتعددية الحزبية ، وطالب بالتعامل بمرونة مع أمريكا ، والانفتاح على الغرب لإخراج إيران من عزلتها الدولية التي ورّطتها فيها طروحات نجاد المتشدّدة حسب ادّعائه ، وكأنّ هذه العزلة وليدة السنوات الأربع المنصرمة ...أمّا على الصعيد العربي فقد رفع في إحدى محاضراته شعار :" إيران أوّلاً " وهو الشعار المعهود لكل شخص ،أوحزب  يريد أن يتنصّل من أيّة مسؤولية تجاه القضية الفلسطينية ،والقوى المناهضة للتحالف الإمبريالي – الصهيوني ،وهذا ما عبّر عنه في لقاء انتخابي آخر ، حيث قال :" إنّ حكومتنا تتحدث عن عزّة الشعب اللبناني ، وعزّة الشعب الفلسطيني في حين أنّها تتجاهل عزّة الشعب الإيراني " ، وكان أنصاره أشدّ وضوحاً عندما سوّقوا أنّ موسوي " سيوقف نهب مال الإيرانيين ،وإعطائه للآخرين في الخارج ، فالمصباح الذي يحتاجه المنزل حرام على الجامع " ، ولكن الملاحظ هنا عدم انتقاد الموقف الإيراني في العراق وأفغانستان ، وهما الساحتان اللتان يتعرّض فيهما الموقف الإيراني لكثير من النقد من قبل معظم القوى القومية واليسارية والإسلامية العربية ، ولكنّ المفارقة الأخرى هي أنّ نهج موسوي سيقود تلقائياً للتعاون مع حلفاء أمريكا في المنطقة على حسا ب المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالرغم من اتهامه لأحمدي نجاد في إحدى مناظراته التلفزيونية بأنّه مرّغ أنف إيران في التراب لأنّه أمسك بيد الملك السعودي في إحدى القمم العربية أثناء دخولهما معاً إلى قاعة الاجتماع ، بينما حاول نجاد جاهداً تحسين علاقاته مع الدول الخليجية ، وخاصة السعودية ، ووضع خبرة إيران النووية تحت تصرّف الدول الخليجية للاستفادة منها في أيّة مشاريع نووية سلمية خاصة بها....

نتيجة الانتخابات ،وانعكاساتها :

شارك في الانتخابات 40 مليون ناخب إيراني ، ووصلت نسبة المشاركة إلى 85 بالمائة ، وقد فاز فيها أحمدي نجاد بنسبة حوالي 64 بالمائة وحصل على 24515209 من أصوات الناخبين ، بينما حصل مير موسوي الذي حلّ ثانياً بنسبة 34 بالمائة ، وحصل على 13225330 صوتاً ، وبذلك يكون الفوز بزيادة :11289879 صوتاً ، وقد فاز موسوي في محافظتين فقط من أصل 30 محافظة ،وهما: ( سيستان أي بلوشستان ، ومحافظة أزربيجان الغربية ) ،وتفوق على نجاد في مدينة طهران بينما خسر أمامه في ريف طهران ..( هذه النتيجة هي المعلنة حتى الآن )

استبق موسوي الإعلان عن نتائج الانتخابات ، وحتى قبل الانتهاء من فرز الأصوات ، وأعلن فوزه بها ، واعتبرها ملحمة وطنية ، ولا أحد يعلم المقاييس التي اعتمدها لبناء موقفه الغريب هذا ، أم هذا الإعلان هو جزء من الحملة التي قادها وبدعم حلفائه للتصعيد ضد نجاح نجاد ، وتفريغ هذه الانتخابات من جوانبها الإيجابية ...وعقب الإعلان عن النتيجة النهائية وفوز أحمدي نجاد نزل مؤيدو موسوي بأعداد كبيرة إلى الشوارع في طهران مطالبين بإلغائها بحجة التزوير ، وقد رافق ذلك أعمال شغب وتدمير وحرق ، ثمّ انتقلت عدواها إلى عدد من المدن الإيرانية الأخرى ، فاستدعى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية المرشحين الخاسرين ، وطلب منهم اللجوء إلى الأساليب القانونية للتعبير عن احتجاجاتهم ، وحمّلهم مسؤولية أيّة أعمال عنف جديدة ، وقد نفوا علاقة مؤيديهم بما جرى ، ثمّ استؤنِفَت المظاهرات فيما بعد ، وفي يوم الجمعة 19/06/2009 ألقى خامنئي خطاباً هامّاً حدّد فيه وجهة نظره بحضور مئات الآلاف من المصلين ، وكانت أهمّ المسائل التي تعرّض إليها ما يلي :

-  " إنّ المنافسة بين المرشحين الأربعة كانت بين تيارات تؤمن جميعها بالثورة ...وكلّهم من رجال هذا النظام ،وأعرفهم جيّداً ،وليس كما تقول الادعاءات الصهيونية والأمريكية الخبيثة إنّها منافسة بين الداخل والخارج ".

- أشار إلى حسنات وعيوب المناظرات التي تمّت بين المتنافسين ،وأنّه لم يكن راضياً عن تلك العيوب ، حيث قال : " في بعض الأحيان لاحظنا أنّ الجانب المنطقي في هذه المناظرات كان ضعيفاً ، وكان يتغلّب عليه الجانب العاطفي ، فطُرِحَت بعض الاتهامات لم يثبتها أيّ دليل قانوني ، واعتمد على الشائعات ... " وأنه لم يكن راضياً عن تلك العيوب ، وكلا الطرفين ارتكباها ، وقد ذكر بعض الأمثلة من أهمّها : اتهامهم للرئيس القانوني للبلاد بالكذب ،وطرحوا بعض الأمور الخاطئة ، ..ومن جهة أخرى وجّه نقداً لنجاد لتعرّضه لأشخاص خدموا النظام لسنوات وخاصة / رفسنجلني ، وناطق نوري / ومدح رفسنجاني ، واعتبره من أهم أشخاص الثورة ...الخ

- أكّد خامنئي عدم حصول تزوير فقال : " لو كان الخلاف على مائة ألف صوت ربّما يتصوّر البعض أن يكون هناك تزوير ، ولكن هل يمكن التصوّر أن يكون هناك تزوير ب/ 11 مليون صوت / " ، ولكنّه طلب من  / مجلس صيانة الدستور " إذا كان هناك شبهة في حق أن يحلّها عبر القانون ...وأكّد أنّه " لن يقبل بالبدع غير الدستورية " وهنا يقصد الاحتكام إلى الشارع .

- حذّر المعارضين الذين نزلوا إلى الشارع فقال :" إنّهم شاؤوا أم أبوا مسؤولين عن الفوضى وعن الدماء التي يمكن أن تراق في هذه الأعمال الفوضوية ." ..ثمّ قال : " أقول لأولئك السادة والأصدقاء القدامى : الذئاب الجائعة المتربّصة التي رفعت نقاب الدبلوماسية عن وجوهها أبرزت العداء لنظامنا الإسلامي ."  ...

- هاجم الموقف الغربي المشكك من الأصل في الانتخابات من أجل تقليل المشاركة الشعبية ، ولكن لم يتوقعوا مشاركة 40 مليون ناخب ...وبعد احتجاج بعض المرشحين ، ونزول مؤيديهم للشارع وجدوا فرصة ليركبوا هذه الموجة ...فأُزيل النقاب ،وكُشِفَت الحقائق ،وقالوا ما في باطنهم ...الخ"

وبتوجيهات من خامنئي قرّر مجلس صيانة الدستور إجراء إعادة فرز عشرة بالمائة من الصوات ،والطلب من المعترضين تقديم الطعون الانتخابية الموثقة ليجري البت فيها وفق الأصول القانونية ، ولاحقاً تمّ تمديد الأجل القانوني خمسة أيام  إضافية لهذا الغرض ...والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هل كان خامنئي منحازاً إلى أحمدي نجاد ؟ :

لايوجد أي دليل ملموس مُعلَن  على هذا الانحياز قبل الانتخابات وبعدها ، ففي الحملة الانتخابية طالب الشعب الإيراني التوجّه بكثافة إلى صناديق الانتخابات ،وكلّفهم شرعيّاً للقيام بذلك ، وحدّد صفات عامة للاختيار تقوم على النزاهة والصدق والإخلاص ...الخ ..وعندما نقد المناظرات بين المرشحين كان موضوعيّاً ، وانتقد الطرفين وفقاً لقناعته ، أمّا بعد الإعلان عن فوز نجاد بأغلبية تزيد عن 11 مليون صوت اعتبر أنّ هذه النتيجة صحيحة ،وغير مزوّرة حتى يثبت العكس بصورة قانونية ، ، ولو أصدر أمراً بإلغائها ،وإعادتها بدون توفر المبررات القانونيةلكان منحازاً لموسوي وظالماً لنجاد ، ولكن لايعني كلامنا هذا أنّ خامنئي ليس مرتاحاً لفوز نجاد ، لابل أعتقد جازماً بأنّه يفضله على الآخرين لإيمانه بأنّه ينفذ خط الثورة الإسلامية أكثر من غيره ، وينسجم معه في مسيرة الحكم وسياسته الخارجية ...

- يُلاحظ أنّ اعتراضات موسوي تنحصر في العموميات دون تقديم أدّلة علنية محدّدة ، ومن هنا يميل المرء إلى اعتبار هذه الانتخابات سليمة ، وغير مزوّرة حتى يثبت العكس ،وإنّ القول بأنّها مزوّرة حتى يثبت العكس ليس منطقياً ، ويخالف أبسط المبادئ والأعراف الحقوقية  ، وتعزز وجهة نظرنا هذه المؤشرات والوقائع التالية :

   - سبق أن فاز نجاد على شخصية مهمة وبارزة في التجربة الإيرانية هي : رفسنجاني ، وذلك في عام 2005 ،وبفارق سبعة ملايين صوت ،وبنسبة حوالي 62 بالمائة ،  ولم يتهم أحد العملية الانتخابية بالتزوير وقتذاك ، ولذلك لاغرابة في أن تكون المناطق التي صوّتت لصالحه سابقاً قد حافظت على ولائها له هذه المرّة أيضاً ...وقد حظي فيها بأكبر دعم في انتخابات هذه السنة ...

  - كتب / بول الأشقر / مقالاً في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ / 26/06/2009    / بعض ما  ورد فيه : " عنونت مجلّة برازيلية أسبوعية أكثر رصانة ،مقال غلافها ب :/ انتصار أحمدي نجاد مؤسف ولكنه على الأرجح حقيقي .تماماً مثل انتخاب نتنياهو " ،ولمن يهمّه الأمر ،هناك استطلاع رأي بمتناول الجميع أجرته مؤسستان تدوران في فلك الحزب الجمهوري الأمريكي ( Terror free tomorrow –) ينتمي إليها جون ماكاين ،و (    New America Foundation) ينتمي إليها فوكوياما وفريد زكريا / في إيران بين 10 و19 أيار / ماي / الماضي ، أي قبل الانتخابات الإيرانية بحوالي شهر ، ....وقد دلّت نتائج هذا الاستحقاق على أنّ نجاد سيحصل على 34 بالمائة من الأصوات في الانتخابات المنوي عقدها بعد شهر أمام موسوي 14 بالمائة ،وكروبي 2بالمائة ،ورضائي 1 بالمائة .7 بالمائة أجابوا أنّهم لايؤيدون أيّاً من المرشحين ،و27 بالمائة قالوا إنّهم لم يحسموا بعد خيارهم ، و15 بالمائة رفضوا الإجابة ...وفي هذا الاستطلاع يؤكّد 89 بالمائة من المستطلعين نيّتهم المشاركة في الانتخابات ...يبيّن هذا الاستطلاع أنّه كان لنجاد لحظتها أكثر من ثلثي الأصوات (68 )بالمائة ، ولوصوّت كلّ المتردّدين والمتكتمين فكان عليه أن يفوز بثلث أصوات هؤلاء لينجح من الدورة الأولى ، وعلى 58بالمائة من أصواتهم ليحصل على النسبة التي أعطته إيّاهاالنتائج الرسمية ....وحسب الاستطلاع نفسه كان نجاد سينال 31 بالمائة من ناخبي محافظة أزربيجان الغربية مقابل 16 بالمائة لموسوي في مسقط رأسه . وصدقت أيضاً الاستطلاعات التي أعطت موسوي تقدماً في مدينة طهران ، وتقدماً لنجاد في ضواحيها ....

  - قام / والتر ميبين / الجامعي في مدينة ميشيغن الأمريكية بفحص دقيق للنتائج مستخدماً سلسلة أدوات إحصائية صُمِّمَت لرصد حالات التزوير يُطلَق عليها "تشريح الانتخابات " وتختلف طرق التحليل غير أنّ النتائج واحدة في النهاية ...

  - دلّت نتائج إعادة فرز الأصوات صحة الأرقام التي وردت في النتائج المعلنة ، كما أنّ موسوي رفض المشاركة في أي إعادة فرز للأصوات خلال مدّة الخمسة أيام المدّدة ، وهذا الرفض يعبّر عن عدم ثقته بما يطرحه ، وعدم توفر الأدلة الكافية على وجود تزوير ...وقد جاءت نتيجة إعادة الفرز للمرة الثانية لتعزّز سلامة الانتخابات ...

  - إنّ أعمال التزوير تتنافى مع شخصية نجاد ، وسلوكه ونهجه في الحكم : ولا مع مكانة وهيبة خامنئي التي يحرص على احترامها ، ولم تكن شعبيته تدلّ على وجود حاجة للتزوير الذي يشوّه أي انتصار له ، لابل يقضي على حياته السياسية .

  - كان ممثلو موسوي والمرشحين الآخرين موجودين على صناديق الانتخابات أثناء إجرائها ، وعند فرز الأصوات ، ووقعوا على محاضر فرز هذه الصناديق ،كما كانت هذه الانتخابات مرصودة بأعداد كبيرة من المراقبين المستقلين المحليين والدوليين ، ولم تصدر أيّة إشارات أو تصريحات بهذا الاتجاه طيلة يوم الانتخابات ...

الموقف الغربي من الانتخابات :

1 – الاتحاد الأوربي : عبّرت الدول الفاعلة في الاتحاد الاوربي عن موقف موّحد وسريع ، وبواسطة رؤساء دولها تتهم فيه السلطات الإيرانية بعملية  تزوير الانتخابات ، والمطالبة بإلغائها ، كما عبّرت بوضوح عن دعمها للمتظاهرين ، وتعاطفها معهم ...ولكنّ الموقف البريطاني تجاوز الحدود السياسية الإعلامية إلى وقائع ملموسة على الأرض من خلال تنسيق المخابرات البريطانية مع / مجاهدي خلق / المتواجدين في أراضيها والعراق ، وهذا ما أكّدته التحقيقات مع عناصر قبِض عليها أثناء المظاهرات وهي تطلق النار ، وقد عُرِض بعضهم على شاشات التلفزيون الإيراني ، كما أنّ محطة الإذاعة البريطانية كانت شريكاً مباشراً في تصعيد وتوسيع الحملة الإعلامية لصالح المتظاهرين ، وقد شرح بالتفصيل الكاتب : فهمي هويدي هذا الأمر  في مقال نُشِرفي صحيفة / الخليج/ ...

2 – الموقف الأمريكي : كان موقف البيت الأبيض أقلّ حدّة من موقف القادة الأوربيين ، وقد تميّز بالتعقل في البدء ،ثمّ بالتردد والتخبط خلال الأسبوع الذي أعقب الانتخابات ، والتصعيد أحياناً بشكل متناغم مع حركة الشارع الإيراني ، فقبيل الانتخابات ،وأثناءها صرّح / أوباما / : " إنّ الإيرانيين أحرار في اختيار رئيسهم ...وبأنّ الحكومة الأمريكية ستتعامل مع الرئيس الجديد الذي يحصل على ثقة الشعب "، وعندما أُعلِن فوز نجاد ،ونزول أنصار موسوي إلى الشارع لفت أوباما نظر القادة الإيرانيين بأنّ " العالم يراقب " ،وبعد أسبوع من الانتخابات قال : إنّ الطريقة التي يتعاملون بها مع الذين يرغبون في سماع أصواتهم عبر الوسائل السلمية تبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي تكشف حقيقة إيران " ، وفي اليوم الذي يليه ، أصدر بياناً يقول فيه :" إنّنا ندعو الحكومة الإيرانية إلى وقف كل أشكال العنف والظلم التي تمارسها ضدّ شعبها ." ...ولكنّ الموقف الواضح والصريح عبّر عنه مجلس النواب الأمريكي بإصداره قراراً بموافقة 405 أعضاء ،مقابل معارضة واحد فقط يدعم فيه الإيرانيين الرافضين للانتخابات ، وقد تميّز موقف الحزب الجمهوري بالحدّة ،إضافة إلى أصوات ساسة وكتّاب يمينيين ،وكان أخطرهم / كيسنجر/ الذي صرّح بأنّه " يجب اللجوء إلى تغيير النظام في حال فشل الاحتجاجات في إحداث التغيير "  ، وإذا أضفنا إلى هذا كلّه، رفض الخارجية الأمريكية إعطاء تأشيرة دخول لنائب الرئيس الإيراني إلى أمريكا لحضور مؤتمر دولي تنظمه الأمم المتحدة ، و آراء وتحليلات أطراف أمريكية التي تقول : بأنّ نهج أوباما الذي عرض فيه الحوار مع إيران ساهم في تصعيد الصراع الداخلي الإيراني  ،وشجعه  ،فإنّ الشكوك وعدم الثقة ستزداد أكثر فأكثر بين الإيرانيين والأمريكيين ، وسيحتاج أوباما إلى وقت إضافي لإثبات جديته ونواياه الصادقة من جديد  في الحوار ، ومن الممكن أن تتخذ الحكومة الإيرانية  مواقف متشدّدة مزعجة للإدارة الأمريكية في القريب العاجل كردّ على ما كشفته الانتخابات الإيرانية من خفايا نوايا ومخططات الغرب تجاهها  ،وكإثبات الوجود والفعالية والتأثيرفي المنطقة ،   بالرغم من أنّ الخيارات محدودة أمام الغرب    خارج إطار الحوار ، بسبب غرق أمريكا وحلفائها  في المستنقع الأفغاني والعراقي ، والأزمة الاقتصادية العالمية ...ولذلك يبقى خيار العقوبات ضدّ إيران هو الأكثر جاذبية ، وأقل تكلفة للقادة الغربيين ....   

ملاحظات واستنتاجات :

- إنّ انتخابات الرئاسة الإيرانية بإيجابياتها وسلبياتها أفضل بكثير ممّا يجري في معظم البلدان العربية ، وخاصة الخليجية منها ، فالملوك والأمراء يصلون إلى قمة السلطة وفق أعراف وتقاليد ما قبل تشكيل الدولة (الأسرة ، والقبيلة ) ، وتحتكر الأسرة كلّ المناصب الهامة في الدولة ، ودون وجود آفاق قريبة لتغيير هذا النهج الموروث والمزمن في  الحكم ...ولا أحد من حكام الغرب ينتقد هذه الأشكال المتخلفة في الحكم ، وجميعهم يتلقون الهدايا والأوسمة من قادتها عند زياراتهم لها ، ويتسابقون لعقد الصفقات معها ...

- إنّ إجراء الانتخابات الإيرانية بهذه الحيوية ، وبالمشاركة الشعبية الواسعة التي تمت فيه ،ستترك - لامحالة – انعكاسات إيجابية على الحراك الشعبي الإيراني على طريق الديمقراطية غير المقيدة ....

- إنّ سلوك أحمدي نجاد ، ونهجه في الحكم يعتبران ظاهرة تستحق الرصد والمتابعة ، ومن المحتمل أن تترك بصماتها على نهج الحكومات التالية ، وفي الوقت نفسه ستفتح أعين الفقراء ، وتشدّهم إلى المساهمة بفعالية أكثر في الحراك الشعبي دفاعاً عن مصالحها ، ولكنّ أية ظاهرة فردية غير كافية أو قادرة على إيجاد الحلول لمشاكل لإيران ، دون تقنينها وتأطيرها في تنظيم سياسي مؤهّل لفهم حركة الشارع واستيعابها ، وتطويرها ،والبناء فوقها ....

- لقد أضعفت حركة الشارع الأخيرة في إيران من بريق الانتخابات ، وحدّت من إمكانية إشعاعها على الجوار العربي والإقليمي ، وربّما كان ذلك من أحد أهدافها ... كما أنّ الأزمة السياسية واستمرارها حتى الآن داخل النظام الإيراني أثرت على هيبته ومكانته في المنطقة ، ولو استطاع استيعابها  ، وقد يلعب رفسنجاني دوراً نشطاً في رأب الصدع بعد تزكيته شخصياً من قبل المرشد الأعلى ،إذ أنّ( براغمايته) المعهودة ستؤهله لأن يكون وسيطاً مقبولاً للمصالحة الداخلية ، وخلط الأوراق من جديد والاستعداد لجولة جديدة لاحقة من الصراع ، وإذا لم يتحقق ذلك فمن المحتمل أن تتمّ عملية فرز هامة بين التيارين المتنافسين داخل النظام الإيراني تصل إلى درجة الطلاق الكامل بينهما ...وعلى كلّ حال ، فإن الحكم في إيران لا يزال يمتلك من وسائل القوّة و أدوات القمع الكافية للتصدّي لحركة المعارضة ، والحسم معها ، وبغض النظر عن الأضرار التي ستلحق به ، وبمكانته الدولية جرّاء ذلك ...غير أنّنا لانستبعد إمكانية دراسة ما جرى بشكل علمي ودقيق ،والتعرف على الثغرات والنواقص في الحكم  ،والسعي لإيجاد الحلول الصحيحة لها  ، وتفعيل الجماهير الإيرانية التي لاتزال مهمّشة ، وتأطيرها بشكل صحيح ، وفق منظار ديمقراطي أكثر انفتاحاً وتقدّماً ، وفي هذه الحالة تستطيع الثورة الإيرانية تطوير وتجديد نفسها ، وتخرج من أزمتها أكثر قوّة وصلابة ...

في : 30/ 06 /2009

ندا الحرية : صوت التيار القومي التقدمي- حرية وحدة اشتراكية -لا للفساد لا للأستبداد- www.annida.org

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article