أمينتو حيدر.. قصة امرأة رفضت أن تكون مغربية

Publié le par جريدة المساء

أمينتو حيدر.. قصة امرأة رفضت أن تكون مغربية في لحظة «مفاجئة»

 مصطفى الفن

 جريدة المساء : العدد 1001  الخميس 10 ديسمبر 2009

كان يمكن أن تظل حيدر بعد خروجها من السجن مجرد ربة أسرة بسيطة ترتدي الحجاب وتمشي في الأسواق رفقة حماتها لولا أن حادثا غير متوقع كان وراء تلك الانعطافة اللافتة في حياتها عندما اكتشفت أن الزوج الذي قاسمته «الحلو والمر» داخل السجن وخارجه أدار لها الظهر بعد أن نسج علاقة غرامية مع امرأة أخرى انتهت بزواج كان له وقع خاص على نفسية حيدر، بل إن هذا الحادث كان بمثابة فاصل بين مرحلتين في مسار امرأة أطلق عليها مكتب وكالة الأنباء الفرنسية بالجزائر «غاندي الصحراء».

 هل تستحق سيدة بسيطة من انفصاليي بوليساريو الداخل، مثل أمينتو حيدر، أن تثار حولها كل هذه الضجة غير المسبوقة بعد حادث ترحيلها من مطار العيون إلى جزر الكناري على خلفية رفضها الإشارة إلى هويتها المغربية في استمارة وضعتها بين يديها شرطة المطار بالمدينة؟ أليس محيرا للغاية أن تنشغل عدة دول وهيئات أممية واتحاد أوربي ولوبيات في أمريكا بمصير امرأة رفضت طواعية أن تكون مغربية في «لحظة مفاجئة» بعد وصولها إلى مطار العيون عبر طائرة أقلتها من جزر الكناري بجواز مغربي وباستمارة دونت فيها كل المعلومات المتعلقة بجنسيتها المغربية لدى الشرطة الإسبانية.

مخابرات جزائرية

لفهم سياق هذه الأسئلة، لم يعد سرا اليوم القول إن قضية حيدر هي قضية تلتقي فيها عدة أطراف وعدة جهات القاسم المشترك بينها هو معاداتها للمصالح العليا للمغرب. وتوجد في مقدمة هذه الجهات كل من البوليساريو والجزائر، التي استطاعت مخابراتها المنتشرة في الخارج أن تستميل عطف جمعيات «حقوقية» ولوبيات وازنة في أمريكا وفي بعض الدول الأوربية (إسبانيا على الخصوص)، بل إن المخابرات الجزائرية استطاعت أن تخترق عدة جهات خارجية في دواليب القرار استنادا إلى هذه المعادلة: «أموال النفط والغاز مقابل اتخاذ موقف ضد المغرب في نزاع الصحراء». وهو ما يعني أن الرباط لا تواجه في هذه القضية امرأة تدعى أمينتو حيدر كانت بالأمس القريب موظفة بسيطة ببلدية بوجدور، وإنما تواجه دولة اسمها الجزائر راكمت تجربة كبيرة في تأليب الداخل والخارج ضد قطر شقيق اسمه المغرب عبر ديبلوماسيتها «النشيطة» في كل القارات.
ولأن الأمر كذلك، فقد جعل الإعلام الجزائري، المحسوب على المؤسسة العسكرية الحاكمة في بلد المليون شهيد، قضية حيدر في واجهة اهتمامه منذ اندلاعها قبل أكثر من أسبوعين من أجل تسويق صورة عن المغرب لدى المنتظم الدولي بـ«كونه بلدا يتنصل من التزاماته الدولية في النزاع الخاص بالصحراء»، أما جبهة البوليساريو فقد اعتبرت حادث ترحيل حيدر من مطار العيون فرصة سانحة لكي تجعل منه «مؤشرا على أن مبادرة الحكم الذاتي التي أطلقها المغرب لم تعد خيارا واقعيا لحل نزاع الصحراء مادامت الرباط غير متسامحة مع الصحراويين الداعين إلى تقرير المصير عبر آلية الاستفتاء».
ولأن قضية حيدر مرتبطة بأجندة العديد من الأطراف الدولية التي يهمها أن تختلق المبررات للضغط على المغرب قصد تقديم المزيد من التنازلات في نزاع الصحراء، فقد حظيت زيارة أمينتو حيدر الأخيرة لأمريكا باهتمام إعلامي استثنائي أثناء تسلمها جائزة مؤسسة «روبرت كيندي ميموريال» كما لو أن الأمر يتعلق بـ«شخصية استثنائية تجر خلفها تاريخا عريقا من النضال المشروع»، والواقع، حسب ما يحكيه كل المقربين منها، أن السيدة متواضعة في مؤهلاتها الفكرية والمعرفية ولا تمتلك أي كاريزما تناسب نجوميتها «الطارئة»، بل إن كل ما تملكه في رصيدها، منذ ظهورها على الساحة، هو أنها «ناضلت» ضد بلدها بدعم جزائري لم تعد تخفيه هي بدورها.

زيارة استثنائية

وتجلى هذا الاهتمام الاستثنائي خلال زيارتها لأمريكا في الحضور اللافت لعدة شخصيات أمريكية وازنة في حفل الجائزة، الذي خصصته لها مؤسسة كيندي. ومن بين هذه الشخصيات يوجد أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين ومساعدوهم، وممثلون عن كتابة الدولة الأمريكية للشؤون الخارجية. كما شوهد في في هذا الحفل، الذي أسندت مهمة التنشيط فيه إلى شخصية إعلامية شهيرة في أمريكا، المحفوظ علي بيبا، رئيس المجلس الوطني لجبهة البوليساريو على رأس وفد تكون من الخليل سيد امحمد، وزير ما يسمونه «الأرض المحتلة والجاليات» والبخاري أحمد، ممثل الجبهة بالأمم المتحدة ومولود سعيد ممثل الجبهة بنيويورك، كما شوهد ممثلون عما يسمى بـ«اللجنة الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي» وممثلون عن «اللجنة الأمريكية للصداقة مع الصحراء الغربية».
وليست هذه أول جائزة تتسلمها أمينتو حيدر مقابل «نضالها» ضد بلدها، بل سبق لها أن حصلت على العديد من الجوائز، منها «الجائزة الخاصة كاستلفيلد» سنة 2008 ببرشلونة وجائزة «خوان ماريا بانديراس» وجائزة «نادي الـ25»، كما حازت جائزة «فريدوم أواردز 2006» من المؤسسة الأمريكية «ديفانس فوروم فاوندايشن»، لكن المثير في هذا كله أن هذه المؤسسات لا تمنح هذه الجوائز لأمينتو حيدر لاعتبارات موضوعية، وإنما لاعتبارات أخرى لها علاقة في كثير من الأحيان بـ«من يدفع أكثر من أطراف النزاع في أية قضية من القضايا». وكاد العبث يصل إلى درجة غير مسبوقة عندما رشح البعض، لحاجة في نفس يعقوب، أمينتو حيدر لنيل جائزة «نوبل للسلام». وتنفس الصعداء أكثر من ناشط حقوقي لكون هذا الأمر لم يحصل، لأنه لو حصل لكان لزاما على نشطاء حقوق الإنسان أن يقرؤوا «السلام على دعاة السلام وعلى جائزتهم أيضا».

حرمان الطفولة

لا يعرف كثير من الناس أن أمينتو حيدر، «المدافعة» عن أطروحة الانفصال، تتحدر من منطقة غير مدرجة في دائرة مناطق النزاع مع البوليساريو. فالسيدة مزدادة سنة 1966 في بلدة تدعى آقا توجد بين مدينتي طاطا وكلميم. ومعظم سكان هذه البلدة يتحدثون الأمازيغية بلهجة أهل سوس. بمعنى أنه حتى لو فرضنا جدلا أن المغرب احتكم إلى معايير تحديد الهوية التي تقضي بحصر لائحة المصوتين في الأشخاص المسجلين في الإحصاء الإسباني لعام 1974، فإن أمينتو حيدر غير معنية بهذه اللائحة لا من قريب ولا من بعيد.
وربما لا يعرف كثير من الناس أيضا أن أمينتو حيدر تتحدر من أسرة فقيرة، لأن معيلها الأول كان مجرد جندي بسيط في الجيش المغربي، فيما عائلتها من أمها كانت ترفل في نعيم العيش. وكانت حيدر، وهي طفلة صغيرة، تشعر بغصة في الحلق وهي ترى خالاتها يطوقن أعناقهن وأيديهن بأساور من الذهب والفضة والماس وساعات «الروليكس» باهضة الثمن، فيما هي تعيش وضعا بئيسا في كنف جدتها وأم مغلوبة على أمرها دون أن يبدي أي واحد من أقربائها الاهتمام والتضامن العائلي المطلوب بطفلة في أول العمر. وظلت حيدر تعتبر أن المسؤول الأول عن محنتها مع الفقر والعوز هو خالها الذي كان يشغل منصب عامل بمدينة صحراوية، قبل أن تقرر ذات يوم، بدافع الانتقام منه، توزيع منشورات تطالب فيها بتحسين الأوضاع الاجتماعية للصحراويين داخل تلك المدينة التي يوجد خالها على رأسها بالتزامن مع حلول وفد أممي بالمناطق الجنوبية. وانتهى هذا الحادث المثير باعتقال حيدر وإيداعها السجن بعقوبة حبسية توجت بعلاقة عاطفية مع سجين، قبل أن يقرر الاثنان الزواج بعد أن غادرا أسوار السجن.
وكان يمكن أن تظل حيدر بعد خروجها من السجن مجرد ربة أسرة بسيطة ترتدي الحجاب وتمشي في الأسواق رفقة حماتها لولا أن حادثا غير متوقع كان وراء تلك الانعطافة اللافتة في حياتها عندما اكتشفت أن الزوج الذي قاسمته «الحلو والمر» داخل السجن وخارجه أدار لها الظهر بعد أن نسج علاقة غرامية مع امرأة أخرى انتهت بزواج كان له وقع خاص على نفسية حيدر، بل إن هذا الحادث كان بمثابة فاصل بين مرحلتين في مسار امرأة أطلقت عليها اليوم مكتب وكالة الأنباء الفرنسية بالجزائر «غاندي الصحراء». وكان أول شيء قامت به حيدر بعد تجربة زوجية فاشلة هو الانخراط في منتدى الحقيقة والإنصاف الذي فتح له فرعا بالعيون قبل أن يتحول هذا الفرع فيما بعد إلى مشتل حقيقي لتفريخ الانفصاليين خلف شعار «الدفاع عن حقوق الإنسان».
ولعبت حيدر دوراً تحريضيا في العديد من الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها بعض المدن الصحراوية، خاصة أحداث العيون لسنة 1999، كما شاركت في العديد من الحملات المدعومة من طرف البوليساريو لإطلاق معتقلين صحراويين من دعاة الأطروحة الانفصالية قبل أن تعتقل في أحداث شغب ومواجهات مع رجال الأمن. وعندما تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة تقدمت حيدر بطلب تعويضها إلى هذه الهيئة عما أسمته بـ«التعذيب الذي تعرضت له أثناء التحقيق معها».
وبالفعل استجابت لجنة التحكيم المستقلة لطلب حيدر ومنحتها تعويضا بلغت قيمته 48 مليون سنتيم باعتبارها «مواطنة مغربية»، وفق ما جاء في المعلومات المدونة بخط يدها في هذا الطلب، وليس باعتبارها «ناشطة حقوقية في الصحراء الغربية»، كما أصبحت تصف نفسها اليوم بعد أن دخلت على الخط في قضيتها أكثر من جهة خارجية معادية للمغرب.

 http://74.53. 192.83/?artid= 32104

 _._,_.__

 

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article