جلالة الملك محمد السادس يوجه رسالة إلى قمة المناخ بكوبنهاكن

Publié le

الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في قمة كوبنهاغن حول المناخ. وفي ما يلي نص الرسالة الملكية التي تلاها اليوم الخميس 17 دجنبر 2009 الوزير الأول السيد عباس الفاسي:

  

الحـمـد لله، والصـلاة والسـلام عـلى مـولانـا رسـول الله وآلـه وصحـبـه.

أصـحـاب الـجـلالـة والـفـخـامـة والـسـمـو والـمـعـالـي، مـعـالـي الأمـيـن الـعـام لـمـنـظـمـة الأمـم الـمـتـحـدة،

حـضـرات الـسـيـدات والـسـادة،

يـطـيـب لـي أن أتـوجـه بـالـشـكـر لـلـدنـمـارك، مـلـكـا وحـكـومـة وشـعـبـا، عـلى حـسـن تـنـظـيـمـهـا لـقـمـة كـوبـنـهـاكـن، ولـلأمـيـن الـعـام لـلأمـم الـمـتـحـدة، لالـتـزامـه الـشـخـصـي بـأهـدافـها ؛ حـيـث  يـنـتـظـر مـنـهـا سـكـان الـعـالـم، اتـخـاذ قـرارات تـرقـى لـمـواجـهـة  تـحـديـات ارتـفـاع حـرارة الأرض.

ولأن خـطـورتـها بـلـغـت حـدا مـصـيـريـا، فـإنـنـا نـحـث الـمـجـتـمـع الـدولـي عـلـى الـتـحـرك الـفـوري، لـبـلـورة اتـفـاق بـيـئـي جـديـد، عـمـاده قـرارات مـلـمـوسـة وإراديـة، لـتـخـفـيـض الانـبـعـاثـات الـغـازيـة الـدفـيـئـة ؛ وأسـاسـه مـبـدأ الـمـسـؤولـيـات الـمـشـتـركـة، الـمـراعـيـة لـمـخـتـلـف الأوضـاع.

ولـن يـكــون هـذا الـتـعـاقـد عــادلا ومـنـصـفـا، إلا إذا قـام، مـن جـهـة، عـلـى تـحـمـل الـبـلـدان المـتـقـدمـة لـمـسـؤولـيـتـها الـبـيـئـيـة الـتاريـخـيـة، بـالـتـعـهـد بـاتـخـاذ خـطـوات جـوهـريـة ومـقـدامـة، مـلـزمـة ومـرقـمـة، وقـابـلـة لـلـتـطـبـيـق، وفـق جـدول زمـني دقـيـق، بـشـأن تـخـفـيـض الانـبـعـاثـات الـمـسـبـبـة لـلاحـتـبـاس الـحـراري. ومـن جـهـة أخـرى، عـلـى تـمـكـيـن الـدول الـنـامـيـة، وخـاصـة مـنـهـا الـبـلـدان الـمـهـددة فـي وجـودهـا، وكـذا الـقـارة الإفـريـقـيـة، الـتـي تـعـانـي أكـثـر مـن غـيـرهـا مـن آثـار الـتـغـيـرات الـمـنـاخـيـة عـلـى تـنـمـيـتـهـا، مـن آلـيـات تـمـويـل كـافـيـة، قـارة وقـابـلـة لـلـتـوقـع، لـلـتـخـفـيــف مـن عـواقـبـهـا الـوخـيـمــة. والأهـم مـن ذلـك، لـتـمـويــل بـرامـجـهـا الـمـخـصـصــة لـلـتـكـيـف، وتـسـهـيـل نـقـل الـتـكـنـولـوجـيـات الـحـديـثـة، لـلـمـشـاركـة فـي الـمـجـهـود الـعـالـمـي، لـمـكـافـحـة الاخـتــلالات الـمـنـاخـيــة، وكـذا الانـخــراط فـي الاقـتـصـاد الأخـضـر، بـالـنـهـوض بـالأنـمـاط الـمـسـتـدامـة لـلإنـتـاج والاسـتـهـلاك، وتـطـويـر الـصـنـاعـات والـطـاقـات الـنـظـيـفـة.

وفي سـياق دولـي مـشـحـون بـالأزمـات العـويـصـة لـلـنـظـام الـمالـي والاقـتـصـادي الـعـالـمـي، فـإنـنا نـعـتـبـر أن الـتـصـدي لانـعـكـاسـاتـهـا الـسـلـبـيـة عـلى الـسـياسـات الـبـيـئـيـة، يـتـطـلـب جـعـل تـوحيـد الإطـار الـمـؤسـسـي الـبـيـئـي الـدولـي، فـي صـلـب إعـادة الـهـيـكـلـة الـعـمـيـقـة لـلـحـكـامـة الـدولـيـة ؛ بـمـا يـكـفـل الـمـزيـد مـن الـتـنـاسـق والـتـطـابـق والـعـقـلـنـة فـي الـقـضـايـا والـتـوجـهـات الـكـونـيـة، الـمـتـعـلـقـة بـالـبـيـئـة والـتـنـمـيـة. ولـهـذه الـغـايـة، نـدعـو إلـى قـيـام مـؤسـسـة بـيـئـيـة دولـيـة، قـويـة وذات سـلـطـة عـلـمـيـة ومـعـنـويـة، بـاعـتـبـارهـا ضـرورة مـلـحـة، لـرفـع الـتـحـديـات الـبـيـئـيـة المـصـيـريـة، الـراهـنـة والمـسـتـقـبـلـيـة.

أصـحـاب الـجـلالـة والـفـخـامـة والـسـمـو والـمـعـالـي،

إن الـمـغـرب، وعـلـى غـرار كـافـة بـلـدان الـمـعـمـور، يـعـانـي مـن انـعـكـاسـات الـتـغـيـرات الـمـنـاخـيـة، بـحـكـم خـصـوصـيـات مـوقـعـه الـجـغـرافـي، وتـنـوع أنـظـمـتـه الـبـيـئـيـة.

لـذلـك، كـانـت بـلادنـا، سـبـاقـة إلـى الانـخـراط فـي الـوعـي الـكـونـي، الـذي كـرسـتـه قـمـة "ريـو"، بـمـصـادقـتـهـا عـلـى الاتـفـاقـيـات الـدولـيـة ذات الـصـلـة، وبـاعـتـمـادهـا لـبـرامـجَ عـمـل وطـنـيـة.

ومـن هـذا الـمـنـطـلـق، جـعـلـنـا الـقـضـايـا الـبـيـئـيـة فـي صـلـب بـرامـجـنـا الـتـنـمـويـة، سـواء مـنـهـا المـائـيـة، بـانـتـهـاج سـيـاسـة رائـدة لـتـعـبـئـة مـواردنـا الـمائـيـة، ومـحاربـة الـفـيـضانـات والجـفـاف ؛ أو بـإطـلاقـنا وتـفـعـيـلـنا لـمـبـادرة وطـنـيـة للـتـنـمـيـة الـبـشـريـة، فـضـلا عـن بـلـورة مـخـطـطات تـنـمـويـة اسـتـراتـيـجـيـة قـطـاعـيـة، ولاسـيـمـا فـي مـجـالات الـتـنـمـيـة الـفـلاحـيـة، وحـمـايـة الـبـيـئـة، مـن خـلال دعـوتـنا لإعـداد مـيـثاق وطـني، وكـذا الـنـجاعـة الـطـاقـيـة، وتـطـويـر الـطـاقـات الـمـتـجـددة.

وفـي هـذا الـصـدد، أطـلـقـنا بـرنـامـجـا مـنـدمـجا ومـوسـعا، لإنـتاج الـكـهـربـاء مـن الـطـاقـة الشـمـسـيـة، مـن خـلال بـنـاء مـحـطـات بـقـوة إجـمـالـيـة قـدرهـا 2000 مـيـكـاوات. وسـيـمـكـن هـذا الـمـشـروع الـضـخـم، الـذي يـعـد مـن أكـبـر الـبـرامـج عـلـى الـصـعـيـد الـعـالـمـي، مـن رفـع  نـسـبـة الـطـاقـات الـمـتـجـددة لـتـشـكـل 42 % مـن الطـاقـة الـكـهـربـائـيـة بـالمـغـرب، فـي أفـق سـنـة 2020، وكـذا تـفـادي انـبـعـاث مـا يـعـادل 3.7 مـلـيـون طـن مـن أوكـسـيـد الـكـاربـون سـنـويـا.

وبـاعـتـمـاده لـهـذا الـنـمـوذج الـتـنـمـوي الـمـسـتـدام، فـإن الـمـغـرب يـؤكـد انـخـراطـه الـقـوي، فـي الـمـجـهـود الـدولـي لـمـحـاربـة ظـاهـرة الاحـتـبـاس الـحـراري، الـتـي لا يـنـبـغـي حـصـر تـحـديـاتـهـا الـمـصـيـريـة فـقـط فـي ضـمـان تـنـمـيـة مـسـتـدامـة، تـسـتـجـيـب لـمـتـطـلـبـات الأجـيـال الـحـاضـرة، وتـصـون حـقـوق الأجـيـال الـصـاعـدة، أو اخـتـزالـهـا فـي إيـجـاد حـكـامـة دولـيـة أكـثـر إنـسـانـيـة وإنـصـافـا، وتـضـامـنـا وتـوازنـا ؛ بـل إن خـطـورة الأوضـاع قـد بـلـغـت مـرحـلـة حـرجـة وحـاسـمـة، تـتـطـلـب الـتـزامـا جـمـاعـيـا أقـوى، لإنـقـاذ الـبـشـريـة وكـوكـبـنـا الأرض مـن الـهـلاك والـفـنـاء. ومـا أجـدر هـذا الـمـؤتـمـر الـهـام، أن يـشـكـل خـطـوة مـتـقـدمـة عـلـى درب تـجـسـيـده فـي قـرارات مـلـمـوسـة، ومـبـادرات جـادة، قـبـل فـوات الأوان.

والـسـلام عـلـيـكـم ورحـمـة الله تـعـالـى وبـركـاتـه.

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article