عن الحكم الذاتي وأمينتو حيدر والأخطاء المغربية

Publié le par الحياة الجديدة

أمينتو حيدر ليست خائنة أو انفصالية في نظر المنتظم الدولي

محمد الساسي

 

ارتكب المغرب العديد من الأخطاء في تعاطيه مع ملف الصحراء المغربية، ولكن زمن الأخطاء لم يتوقف بعد.

في المراحل السابقة، لم يحظ موقف جيش التحرير في الخمسينات بالدعم الضروري، وضاعت إمكانيات ربط استقلال المغرب بتحرير صحرائه مباشرة. واعتبرنا –في مراحل أخرى- أن حساسية المنطقة تقتضي ألا تتمتع بالهامش الديمقراطي المتاح لمناطق أخرى، على محدوديته. وبالتالي تم الانطلاق من أن أية حركية للاحتجاج والمعارضة في الصحراء هي تكريس لخطاب الانفصال، أو دعم لهذا الخطاب.

كما أننا روجنا فكرة "الاستفتاء التأكيدي". وهي، بالنسبة إلى الآخر، لا تعني أي شيء. فإذا كان لها دور تعبوي داخليا، فهي بالنسبة إلى الخارج تعني وجود تناقض بين فكرة الاستفتاء، وفكرة "التأكيد"، ذلك أن أي استفتاء يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات.

كما لجأت السلطة إلى قمع الصحراويين كجزء من القمع الشامل والانتهاكات التي طالت حقوق الإنسان، عموما، في المغرب، فتحولت بعض مراكز الاعتقال إلى بؤر لتغذية الخطاب الانفصالي.

كما أننا لم نستثمر، وبالشكل المطلوب، النزيف الذي أصاب جسم البوليساريو، بسبب الالتحاقات المتوالية لكوادره بأرض الوطن، وتم الاقتصار على إدماج هذه الكوادر، التي كان بإمكانها أن تمثل بديلا آخر للبوليساريو كمخاطب دولي.

كما أن الطريقة التي تم بها تشغيل شباب الصحراء كانت لها تداعيات سياسية سيئة. والتحالف الذي تم مع شيوخ القبائل لم يأخذ بعين الاعتبار أن هناك تطورا ديمغرافيا ستشهده هذه القبائل، وأن هناك جيلا جديدا يمكن أن ينتفض على شيوخ تلك القبائل.

وعلى العموم، تعاملنا مع المعطى القبلي، ليس فقط انطلاقا من واجب أخذه بعين الاعتبار كواقع قائم، بل باستثماره وتكريسه. فلاحظنا الأحزاب تتوزع على القبائل. ولم نحسن التعامل مع حلفائنا وأصدقائنا، فلم نشعرهم بالكثير من مبادراتنا.

ومع ذلك، فقد حققنا إيجابيات مؤكدة، ومن ذلك، مثلا، تفادي الحرب مع الجزائر، وبناء الجدار العسكري الواقي، واستثمار عنصر الزمن، وتوفير بنية تحتية في الصحراء، والتوصل إلى مسلسل لسحب الاعترافات من الجمهورية الصحراوية.

إلا أن أحسن ما قمنا به يظل، بدون منازع، هو اقتراح خطة الحكم الذاتي للصحراء، وذلك لثلاثة أسباب :

أولا : لأننا قدمنا فكرة الحكم الذاتي في صيغة وسيلة من وسائل تقرير المصير، وبالتالي قدمنا مقترحا مندرجا في إطار المنطق الأممي.

ثانيا : لأن الفكرة تحمل قدرا كبيرا من التنازلات التي تجعل العالم يقتنع بوجود إرادة إيجابية للتعامل، وباقتراح قاعدة سلمية للحوار.

لقد قبلنا، في صيغة المخطط مثلا، أن تكون هناك حكومة ورئيس حكومة. وهذا ليس بسيطا بالنسبة إلى دولة تقوم على حكم ملكي تقليدي، لا تعود فيه الرئاسة إلا إلى شخص الملك. فالمغرب استبدل تسمية رئيس الحكومة لدينا بالوزير الأول، وقبل اليوم أن يكون في الصحراء رئيس حكومة.

ثالثا : إن من شأن فكرة الحكم الذاتي أن تدخل تغييرات على بنية الدولة المغربية نفسها، وتفرض على النظام جرعات متزايدة من الانفتاح، بما يلائم اشتراطية الانفتاح وحقوق الإنسان في العلاقات الدولية.

وبالمقابل، فإن البوليساريو، في رد فعلها على الحكم الذاتي، عادت إلى نقطة الصفر.

وما معنى نقطة الصفر؟ إنها فكرة الاستفتاء القَبْلِي. وهذه الفكرة اعترضتها عوائق مرتبطة بتحديد الهوية :

-       المغرب اقترح معايير تؤدي إلى توسيع دائرة المسجلين، انطلاقا من أن هذا التوسيع يخدم المغرب في نتيجة الاستفتاء.

-       البوليساريو، عموما، اقترح معايير تضيق مجال المسجلين، انطلاقا من أن لوائح مسجلين محدودة العدد ستكون دائما لصالحه، من حيث النتائج التي سيسفر عنها الاستفتاء.

وبهذا، فقد استحال على ممثلي المنتظم الأممي التوفيق بين المنطقين : منطق التوسيع ومنطق التضييق. وتعذر الوصول إلى حل وسط، وأصبحت الأمم المتحدة، إذا ما هي زكت منطقا دون آخر، كأنها ستزكي النتيجة مسبقا. ومن ثمة، اقتنعت أن الاستفتاء المسبق مستحيل وغير واقعي، والحال أنها لا تملك أدوات قارة للحسم في الخلاف حول آلية التسجيل، وفرضها بقوة القانون الدولي، لأن لكل منطق جزءا من الحقيقة، وجزءا من المبررات المعقولة.

أما الاستفتاء البَعْدي، الذي ينص عليه مخطط الحكم الذاتي، فهو لا يهم كل الخيارات، بل خيار قبول أو رفض الحكم الذاتي، بعد أن تكون جميع الأطراف قد تقدمت أمام الصحراويين باتفاق عام على المخطط، واقترحت عليهم دعمه، بكل حسن نية، وبدون حسابات تكتيكية ملتوية.

وهنا، ما دامت هذه الحسابات غير موجودة، فلا يهم أن يكون عدد المصوتين بهذا القدر أو ذاك.

الأطراف المناهضة لحق المغرب في صحرائه، شعرت بأن المغرب يتقدم، وفهمت أن المغرب دخل في خطة هجومية، وبدأ هناك مسار جديد للتعامل مع الملف.

فالمغرب طرح شيئا جديدا، والساحة الدولية كانت في حاجة إلى شيء جديد. والمغرب أخد بعين الاعتبار، في هذا الجديد الذي يطرحه، التزاماته الدولية، وقاعدة تقرير المصير التي تكون، عادة، هي الخلفية لمعالجة مثل هذه القضايا. ولهذا وُضعت أمام إستراتيجية المغرب المبنية على اقتراح الحكم الذاتي إستراتيجية مضادة لمواجهته. هذه الإستراتيجية تنبني على بعض الأسس منها مثلا :

1-  التطور المذهل في تسليح الجزائر لنفسها، ومحاولة الضغط انطلاقا من هذا المعطى الذي هو عبارة عن حرب غير معلنة، باستثمار الفائض الذي نجم عن ارتفاع ثمن برميل البترول، والمتمثل في عشرات المليارات من الدولارات في التسليح. على أساس أن المغرب ليس له فائض، ولن يستطيع مواكبة هذا الإيقاع. وعلى أساس أن من يملك السلاح يستطيع، بعد ذلك، أن يثبت بطريقة أخرى أنه الأقوى.

2-  محاولة تحريك الشارع الصحراوي، وخلق حالة من عدم الاستقرار، للإيحاء بأن مغاربة صحراويين يتشبثون بنقطة البدء، وأن الأفكار الجديدة للمغرب لا تعني لهم شيئا.

3-  خوض إستراتيجية كاميكازية تستقطب اهتمام الرأي العام الدولي، وتتابعها الصحافة والمنظمات الدولية، ويُمَارَس من خلالها ضغط على المغرب. وذلك عن طريق تجنيد مجموعة محدودة من الأفراد للقيام بأعمال "فدائية" يواجهها المغرب بصرامة، لأنه سيشعر بأن فيها إهانة واستفزازا له. وبذلك يظهر في صورة سلطة محتلة ظالمة، تضطهد الطموح الوطني الصحراوي لنخبة تمثل إرادة شعب صحراوي، ومستعدة للتضحية بكل شيء من أجل قضيتها.

هناك محاولة لجر المغرب إلى الوقوع في شَرَك ومصيدة رد الفعل، للبحث عن مبررات من أجل تعطيل المفاوضات، وخلق ضجة إعلامية تفرض على المغرب، إما التراجع عن قراراته (سيبدو ذلك كما لو كان انتصارا لفكرة الانفصال) وإما يذهب بعيدا، ويبدد الإيجابيات التي تمكن من تحصيلها خلال المرحلة الأخيرة. ومـن ثمة، نطرح التساؤل : هل كان الرسميون المغاربة على وعي بهذا المخطط؟ ولماذا لم يتفادوا الوقوع في الكمين الذي نصب لقضيتنا الوطنية؟ لنقلها بصراحة : هل كان من الضروري أن نضع التامك ورفاقه في السجن؟ وهل من الضروري أن نقوم بترحيل أمينتو حيدر؟

سُيقال إن الأمر يتعلق بأشخاص ارتكبوا أفعال تستحق ردود فعل والردع، دفاعا عن المصالح المغربية. لكن، ماذا لو كانت المصالح المغربية ستتضرر أكثر من طبيعة ردود فعلنا على تلك الوقائع التي تحمل، طبعا، قدرا كبيرا من الاستفزاز والتحدي وخرق القانون أحيانا.

المطروح في مثل هذه الحالة، في نظرنا، أن يكون لنا جواب أو رد فعل. ولكن، ليس من النوع الذي يوقعنا كضحايا لخطة دعاة الانفصال.ورد الفعل الذي ينبغي أن نعتمده، دائما، ليس هو ذاك الذي يبدو مقنعا فقط على المستوى الوطني، بل رد الفعل الذي نستطيع إقناع العالم بسلامته. فكل رد فعل خارج عن المنطق الأممي لن نحصد منه إلا المصائب.

والسؤال المطروح هنا بكل وضوح : هل نستعمل المنطق الذي نخاطب به أنفسنا أم  المنطق الذي نخاطب به العالم؟

يريد خصومنا تحويل الأنظار عن فكرة الحكم الذاتي، باعتبارها تعبيرا عن حسن نية الطرف المغربي، ويريدون إظهارنا في صورة سلطة محتلة لا تحترم مشاعر "الوطنية" الصحراوية في "أرض متنازع حولها" ومعروض نزاعها على الأمم المتحدة. يريدون إظهار المغرب كطرف غير ذي مصداقية، ولا يمكن الاطمئنان إلى صدقية مقترحاته السلمية. كما يريدون اسنثمار الجوانب الحقوقية والإنسانية حتى تصبح لها مضاعفات سياسية إزاء قضيتي كل من التامك وأمينتو. والطبقة السياسية المغربية كلها تقريبا، تنطلق من عدالة قضيتنا وخيانة هؤلاء، وفكرة العدالة والخيانة تقتضي أن يعاقبوا، وانتهى الأمر.

لكن، كيف يمكن أن نقنع العالم بأن منطقنا هذا يأخذ بعين الاعتبار الحيثيات التي فرضها عرض النزاع على المنتظم الدولي. وبالتالي، الانضباط لما يفرضه علينا هذا العرض من التزامات في الخطاب والممارسة.

من المؤكد أن التعبئة الداخلية حول قضيتنا الوطنية ضرورية. لكن هذه التعبئة يجب أن تستند إلى أسس قادرة على حسم القضية لصالحنا أمميا.

وحسب المنطق الأممي، فهؤلاء الذين ارتكبوا الأعمال الاستفزازية ليسوا انفصاليين، بل يعبرون عن رأي طرف آخر في نزاع قبل المغرب بصدده في بداية الثمانينات إجراء الاستفتاء في الصحراء. وهذا الاستفتاء يفترض إمكانية منح الصحراء الاستقلال، أو "الالتحاق بالمغرب". والحسن الثاني سبق له أن استقبل قادة جبهة البوليساريو في مراكش. وسلطة المغرب في الصحراء هي سلطة إدارة وليست سلطة سيادة، حسب المعطيات الدولية.

وعليه، فالمغرب، مثلا، في قضية أمينتو، يخرق المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تمنح لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده. والمادة 15 التي تقضي بأنه لا يجوز، تعسفا، حرمان أي شخص من جنسيته. وكذلك المادة 12 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، التي صادق عليها المغرب في 1979. إضافة إلى أن قانون الجنسية المغربي يعتبر أن مقتضيات المعاهدات والأوفاق الدولية التي تقع المصادقة عليها تُرَجَّح على أحكام القانون الداخلي.

هذه المقتضيات الدولية هي التي يجب أن يقوم الخطاب المغربي بالرد عليها، وليس بالقول إن أمينتو خائنة وانفصالية.

فخيانتها، في نظرنا، كأغلبية المغاربة، لا نستطيع أن نحتج بها لندفع عنا طائلة تطبيق المواثيق الدولية.

فهذه السيدة، في نظر المنتظم الدولي، ليست خائنة وليست انفصالية، لأنها لا تريد الانفصال على شيء قائم، لأنها ليست من سكان مراكش أو قصبة تادلة أو الخميسات مثلا. فالأمر يتعلق، بالنسبة إلى أرضنا "الصحراء المغربية" بمنطقة محط نزاع، وافق المغرب في مرحلة من المراحل على استفتاء لحسم مصيرها. إضافة إلى أن القانون المغربي نفسه يعتبر أن من حق أمينتو، حسب الفصل 7 من قانون الجنسية، أن تحمل الجنسية المغربية. وبالتالي، أن يكون لها جواز سفر، وأن تدخل إلى المغرب متى شاءت، وألا تفقد هذه الجنسية إلا إذا اكتسبت، عن طواعية، في الخارج، جنسية أجنبية، وأذن لها المغرب، بموجب مرسوم، بالتخلي عن جنسيتها المغربية، كما أن آباءها أصولهم مغربية،فجنسيتها أصلية. طبعا يمكن للمغربي، أن يفقد الجنسية المغربية أيضًا، إذا شغل وظيفة في مصلحة عمومية لدولة أجنبية أو في جيش أجنبي، وكان شغل هذه المهمة أو الوظيفة يتعارض مع المصلحة الوطنية، واحتفظ بها لأكثر من ستة أشهر، بعد ما أنذرته الحكومة المغربية بالتنازل عن تلك الوظيفة. وهذه الحالة ليست قائمة هنا.

كل ما هناك أننا، بإبعاد أمينتو، نعطي الانطباع للخارج بأن محتجزي تندوف هم مجرد لاجئين هاربين من القمع.

ماذا كان يمكن أن تصنع الأحزاب، مثلا، في مواجهة الخطة أو الإستراتيجية الكاميكازية والاستدراجية لدعاة الانفصال؟

في رأينا، عوض الإمعان في هجاء السيدة أمينتو، ووصمها بأقدح النعوت، كان لتلك الأحزاب أن تقوم، مثلا، بتنظيم مظاهرة أو مظاهرات في الصحراء، وبواسطة سكان الصحراء، مؤيدة لخطة الحكم الذاتي.

أما أمينتو، فهي في نظر الحقوقيين، ورغم ما مارسته من استفزاز أو إهانة لجواز السفر المغربي أو للجنسية المغربية، فإنها تستعمل جواز السفر المتاح لها، ولا يعني ذلك أنه يفرض عليها، بالضرورة، من خلال ذلك، الإقرار بجنسيتها المغربية وأن تقر بانتمائها إلى المغرب، وليس إلى إقليم صحراوي تريد أن تحمل جنسية الدولة التي ستنشأ فيه.

يجب أن نكون قادرين على الرد على هذا المنطق الذي يعطيها حق التعبير، سلميا، عن طموحها في أن تكون مواطنة "الدولة الصحراوية"، وليس مواطنة الدولة المغربية لأنها تعتبر هذه الدولة محتلة.

طبعا، منطقها خاطئ من الوجهة التاريخية والجغرافية. ولكن، نحن خلقنا دينامية التسوية الأممية، للبحث وللخروج بصيغة يستطيع من خلالها العالم أن يزكي موقفنا وأن ينتصر لفكرتنا. وكل الحقوقيين والصحافيين الذين انتظموا في سلك الدفاع عن أمينتو ليسوا بالضرورة متآمرين علينا ويتربصون بنا الدوائر، ويناصبوننا العداء. بل إنهم، بكل بساطة، يواجهوننا بمقتضيات القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان، ويجب أن نرد عليهم بمنطق القانون الدولي ومنطق حقوق الإنسان.

فعلى الأحزاب السياسية ألا تختار الحلول السهلة، بل أن تواجه الدعوة الانفصالية بعمل دؤوب على الأرض، يقنع الشباب الانفصالي بأننا، كمغرب، مقبلون على دخول عهد انتقال ديمقراطي، وأن الحكم الذاتي هو جزء من هذا الانتقال الشامل، وأن هذا الانتقال سيؤمن لهم من الضمانات والحقوق أكثر مما يتوهمون أن بناء الدولة المستقلة سيمنحهم إياه.

ما هي المؤشرات والحجج التي تجعل أي مغربي سواء أكان في الشمال أم في الجنوب، يعزز ويكرس ارتباطه بدولته المغربية الديمقراطية، التي يحس فيها بأنه يقرر ويحكم نفسه بنفسه، ولا يحكم نيابة عنه باسم الماضي والتقاليد؟ 

 

جريدة "الحياة الجديدة"

العدد 84 بتاريخ 17-23 دجنبر 2009

ص : 10-11

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article