حتى لايتحول مغاربة الشمال إلى عبيد بالصحراء

Publié le par منير الكتاوي

 

إذا كانت مبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية تتوخى التعايش بين صحراويين اختاروا البقاء في الوطن وأبناء عمومتهم الذين اختاروا رفع السلاح في وجه المغرب، فإن فئة أخرى تمثل الأغلبية العددية وتنحدر من أقاليم الشمال قلقة من مستقبل مجهول.«الوطن الآن» جالست بعض المغاربة الشمال الذين استقروا بالداخلة منذ عدة سنين وحبست نبضهم.

أسئلة كثيرة طرحت خلال لقاء« الوطن الآن» بثلاثة مواطنين بشكل متفرق بمدينة الداخلة، أعمارهم مختلفة، ووظائفهم متباعدة. حسن (45 سنة) تاجر بسوق السمك، قدم إلى مدينة الداخلة من مدينة آسفي خلال سنة 1990، واختار الاستقرار رفقة أسرته المتكونة من ولدين، الأول يدرس في مستوى الباكالوريا بثانوية «الحسن الثاني» ، والثاني يتابع دراسته الإعدادية. أما إبراهيم (30 سنة)، أستاذ التعليم الابتدائي منذ 8 سنوات، وكل أمله أن تقبل وزارة التربية الوطنية ملفه للانتقال إلى إحدى المراكز التعليمية بطنجة حيث تعيش خطيبته. ولطيفة (25 سنة)، مستواها التعليمي دبلوم الدراسات العامة تخصص اللغة الإنجليزية، وتلقت تعليمها الثانوي بمؤسسة«المصلى » بمدينة العيون، وهي تعيش رفقة أسرتها المتكونة من أربعة إخوة، ووالدها المنحدر من مدينة الصويرة متقاعد من صفوف القوات المساعدة.

سؤال الاندماج

ما يجمع حسن وإبراهيم ولطيفة هو استقرارهم منذ أزيد من عقد من الزمن بالأقاليم الصحراوية، ومع ذلك فمازال سؤال الاندماج يطرح لديهم بشكل جوهري. فلا لطيفة تفكر في الارتباط بزوج صحراوي، ولا إبراهيم يفكر في أن تكون زوجته تنتمي لمجال اشتغاله جغرافيا. أما حسن فيؤكد أن نسبة قليلة من زملائه في السوق متزوجون من صحراويات، وإن تم ذلك فغالبا ما تكون أصول هذه الزوجات من طانطان أو كلميم، وكانت تعيش رفقة أسرتها بمخيم الوحدة. فهل بعد أزيد من 30 سنة من استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية، بدءا من الطاح وانتهاء بإقليم وادي الذهب، مازال هناك مبرر معقول ومنطقي لطرح سؤال الاندماج بين المواطنين ذوي الأصول الشمالية وبين المواطنين الصحراويين؟
اخترت عن طيب خاطر الاستقرار بمدينة الداخلةـ يقول حسن، بدأت من « الصفر، وعانيت كثيرا في البداية، وبصعوبة بالغة أقنعت زوجتي بالاستقرار هنا. ورغم اختلاف الطباع الاجتماعية مع الصحراويين الذين أتعامل معهم، فإن الزمن كان كفيلا بردم بعض «النعوت» التي يطلقونها علينا من قبيل« الداخليين» ، «شليحات مولانا». والخطير هو وصف بعض الانفصاليين، والذين تتساهل معهم السلطات، بكوننا «مستعمرين لأراضيهم»، إلى حد أنهم يشبهوننا بـ«الإسرائيليين». ويضيف حسن موجها لومه للسلطات الإدارية على صعيد الولاية والعمالة «للأسف، بعض الإداريين في الأقاليم الصحراوية، من المقدم إلى الوالي (عن قصد أو بدونه) يساهمون في تعميق الفرق بين المواطنين ذووي الأصول الشمالية وبين الصحراويين من خلال بعض الممارسات التي قد تفسر على أنها عنصرية أو تمييزية. والحال أن المغرب دولة حق وقانون، فلا يعقل الاستمرار في هذا النهج الذي يربي المواطن على مد يده أو رفعها للتهديد«.

القلق المشترك

نفس الهموم يتقاسمها إبراهيم مع حسن، وإن بشكل أعمق.. «لا يمكن لأي مواطن أن يخفي قلقه من الأوضاع المستقبلية في الأقاليم الصحراوية.. ومجالس العائلات والأسر والأصدقاء لا تخلو من هذا النقاش.. وأغلبية المنحدرين من الأقاليم الشمالية يعبرون عن امتعاضهم من تضخيم الدولة للعنصر القبلي لتأهيل الموارد البشرية والأطر الصحراوية لتتولى تسيير شؤونها بشكل ذاتي. ولا أدري كيف سيكون عليه الوضع في حالة توزيع كل المناصب الإدارية ، بعد تطبيق الحكم الذاتي، بناء على المعطى القبلي. هل سنتحول إلى عبيد لدى الصحراويين، أم سيكون مصيرنا الطرد الجماعي؟». مستطردا «قد يكون هذا القلق مبالغا فيه، لكنه حقيقي، ولا يمكن لأي أحد الادعاء بأننا في انسجام تام مع الصحراويين.. وإلا كيف يمكن تفسير استمرار انغلاق من يعتبرونهم «الداخليين» مع الصحراويين.. وإن كان هناك من اتصال ففي حدود محصورة». ويستعرض ابراهيم بعض النقاشات الساخنة التي يشهدها الفصل الذي يدرس فيه، «رغم أن الفئة العمرية للتلاميذ لا تتجاوز 11 سنة، فإن هناك تباعدا بين التلاميذ ذوي الأصول الشمالية مع أقرانهم الصحراويين، رغم مجهودات المدرسين سواء الصحراويين أو الشماليين في تقريب العلاقة بين التلاميذ...
من جهتها تشتكي لطيفة مما تعتبره حيفا في حق المواطنين الشماليين، ويتجلى ذلك من خلال فرص الشغل والسكن. تقول «يمكن لأي متتبع أن يلاحظ ذلك، فالجمعيات التي تؤطر المعطلين يغلب عليها الطابع القبلي، ونجد صعوبة في إثبات مكانتنا فيها، والسلطات المعنية تلعب دورا كبيرا في هذا الحيف. فمثلا لما يعلن رئيس جماعة أو مدير مصلحة عن مناصب شاغرة، فإن تقسيمها يكون بالأساس قبليا، لنجد أنفسنا دون سند وكأننا لسنا مغاربة». وتضرب لطيفة مثلا تعتبره حيا، فصديقتها السالكة التي درست معها في الثانوي والجامعي أيضا، تمكنت من ضمان منصب شغل بقسم الإنعاش الوطني بعمالة العيون، وذلك لانتمائها لقبيلة عريقة صحراوية. ومايقال عن الشغل يقال أيضا عن السكن، فوالد لطيفة المتقاعد من القوات المساعدة، مازال يستأجر منزلا بسيطا منذ 15 سنة، رغم شكاياته المتكررة للسلطات المعنية قصد الاستفادة من بقعة أرضية كغيره من المواطنين الصحراويين.
وبعيدا عن هموم العيش اليومي (الشغل والسكن والاندماج)، تعترض عدد من المواطنين الشماليين صعوبات في الممارسة السياسية، إذ مازال سقف مشاركتهم كمنتخبين، سواء جماعيين أو برلمانيين، محدودا إن لم يكن منعدما في بعض الأقاليم. «فعلا وجدنا صعوبة في ترشيح أحد المواطنين الشماليين في انتخابات 2002 البرلمانية بالسمارة»، يقول سالم لطافي، عضو« الكوركاس». مضيفا «أتذكر أن السلطات المعنية اتصلت بنا وطلبت منا تغيير المرشح الداخلي بصحراوي، لأن موازين القوى من حيث العدد ليست في صالح الصحراويين، وهو ما جرى به العرف في سائر الأقاليم الصحراوية». هذا السلوك يعتبره لطافي غير ديمقراطي، لأن كل مواطن يؤدي واجباته من حقه أن يتمتع بكل الحقوق»

صراع الشمال والجنوب يمزق الصحراء

بعد تنظيم المسيرة الخضراء، عرفت الأقاليم الصحراوية تدفقا كبيرا للمواطنين المنحدرين من المناطق الشرقية والشمالية والغربية. وإذا كان موظفو قطاع الإدارة العمومية من جماعات محلية ومصالح خارجية هم الأكثر حضورا في «موجات الهجرة» والاستقرار بصفة نهائية في هذه الأقاليم، فإن جزء كبيرا من »المهاجرين« كانوا يزاولون أعمالا حرة من قبيل التجارة أو الحرف التقليدية أو الصيد البحري، دون إغفال فئة واسعة من الجنود وأفراد القوات المساعدة ورجال الأمن والدرك. كل هذه الفئات اختارت عن وعي وبكل مسؤولية الاستقرار بمنطقة يصطلح عليها أمميا بـ «منطقة متنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو»، فأضحت تشكل أغلبية عددية مقابل أقلية من ذوي الأصول الصحراوية. بل حتى محاولة السلطات المركزية إحداث نوع من التوازن السكاني بين« أصحاب الأرض» وبين أبناء عمومتهم الذين تم استقدامهم من وسط المغرب كي يشاركوا في استفتاء«تقرير المصير » أو ما كان يعتبره الملك الراحل الحسن الثاني «الاستفتاء التأكيدي» ، لم يحقق اندماجا اجتماعيا، وأصبحت المخيمات التي أطلق عليها «الوحدة» تشكل بالنسبة لخلايا جبهة البوليساريو مرتعا خصبا لاستقطاب مواليد منتصف سنوات التسعينات لمطالب «الاستقلال وتقرير المصير». وعوض أن تشكل هذه المخيمات دعما معنويا لمغربية الصحراء، أصبح الشغل الشاغل للأجهزة الأمنية في السمارة والعيون وبوجدور والداخلة هو اقتحام« بعض البراريك»المشتبه في أنها تصنع أعلام البوليساريو أو تهيئ «زجاجات حارقة ». فأصبح المجتمع الصحراوي يتكون من فئات ثلاث. الأولى صحراوية الأصل قليلة العدد لكنها تملك دواليب التسيير السياسي عبر المجالس الجماعية والبرلمانية، والثانية متوسطة العدد تتكون من«أصحاب المخيمات » تعيش على إعانات الدولة عبر بطائق الإنعاش الوطني أو مايسمى بـ «الكارطية» حتى أصبحت هذه الأخيرة تشكل وسيلة من وسائل «اكتساب المواطنة » أو التهديد بالتخلي عن « الجنسية المغربية»، هذا دون الحديث عن غياب أي هيكل تنظيمي يوضح آليات الاستفادة منها، وضبطها عدديا، بل أصبحت لدى بعض المواطنين تشكل وسيلة ابتزاز للسلطة كما يقول أحد رجال السلطة، طلب عدم ذكر اسمه. مضيفا أنه أصبح من السهل على مجموعة النسوة المعتصمات أمام الولاية أو الشبان المحتجين حمل شعارات انفصالية إذا رفض العامل أو الوالي توسيع نطاق الاستفادة من« الكارطيات». أما الفئة الثالثة فليس بمقدورها أن تهدد السلطة أو تبتزها، وهي تعيش على نفقتها الخاصة، المعلم في مدرسته والبحار في مجاله البحري والموظف في قطاعه الإداري والتاجر في سوقه أو محله.

مبعوث الجريدة : منير الكتاوي

 

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article