كتاب

Publié le par كون كوغلين

 صدام .. الحياة السرية
                        منذ حرب الخليج عام 1991 وصدام حسين مثار للعديد منالتساؤلات في الغرب. كانت قدرته على البقاء في السلطة والفترات التي بدا أن النظامالعالمي كان يغض فيها النظر عنه، تتعارض بشدة مع ما كان ينشر ويذاع في الغرب عنأساليبه الدكتاتورية القاسية وطغيانه الذي لم يعرف الحدود. لكن كل ما وقف عليهالغرب من صفات ذلك الدكتاتور وممارساته لم يكن شيئا بالقياس إلى ما ظل بعيدا عنالأسماع والعيون خلف ستار السرية المفرطة التي ميزت فترة حكمه.
                        فقد كان من العسير على الغرب إيقافه عند حده أو فرضالقيود على مدى تجبره. فالرجل كان مصابا بحالة متقدمة من البارانويا (جنونالاضطهاد)، ولم يكن يتورع عن ممارسة العنف ضد أبناء شعبه وسواهم، كما أن مواقفهإزاء خصومه السياسيين لم تعرف أبدا أي درجة من الليونة.
                        لكن التفكير باللجوء إلى استخدام القوة ضده لم يطرح علىمائدة البحث إلا في أواخر عام 2001 عندما أثيرت تكهنات حول احتمال وجود علاقة لهبالهجمات الإرهابية التي شنت على الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر/ أيلول من ذلكالعام. فقد دفعت المؤشرات التي توفرت عن احتمال قيامه بإنتاج أسلحة للدمار الشاملالرئيس جورج بوش إلى التفكير باتخاذ إجراء عسكري ضده.
                        أثار ذلك القرار ولا يزال يثير الكثير من الجدل بسببعدم العثور على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل في العراق. وبات الكثيرون في الغرب وفيأميركا خصوصا يعتقدون بأن الحرب على العراق قد شنت استنادا إلى معلومات مشوهةوأغراض دعائية.
                        وقد تصاعدت مؤخرا الاتهامات التي تفيد بأن الحكومةالأميركية قامت متعمدة بالمبالغة في أهمية بعض التقارير الاستخبارية من أجل استنفارالرأي العام وحرفه لصالح اختيار الحرب. وعلى نفس المنوال فإن هناك اتهامات أشدللحكومة البريطانية بأنها زورت تقارير واستندت إلى معلومات هشة وغير دقيقة بهدف حشدالتأييد لقرارها بدخول الحرب مع واشنطن.
                        يهدف مؤلف هذا الكتاب والذي أصدره قبل الإطاحة بصدامحسين إلى تقديم سيرة شاملة لحياة الطاغية العراقي. فهو لا يقف عند حد تغطية سنواتحكمه كرئيس للجمهورية العراقية أو يكتفي بتغطية إجراءاته السياسية، وإنما يعود إلىأيام طفولة صدام المبكرة، ويقلب تاريخ أسرته وتفاصيل حياته الخاصة بحثا عن العواملوالتأثيرات التي يمكن أن تكون قد لعبت دورا في صياغة شخصيته وتشكيل مواقفه.
                        ولا تبتعد مناقشة المؤلف عن الكثير من الطروحات التيصارت تقليدية ومكرورة إزاء تحليل أسباب قسوة ووحشية صدام حسين كشخص, بإحالتها إلىقسوة وغلظة حياته في السنوات الأولى لنشأته, واليتم المبكر الذي تعرض له، وسوى ذلك.
                        ويعترف المؤلف بالصعوبات التي واجهها في سعيه لتوفيرمراجع الكتاب, وبالتأكيد فإن الوضع الراهن وانكشاف الكثير من الحقائق والأسرار تحتالاحتلال الأميركي, والتسابق لكشف فظائع النظام السابق هي فرص للاستفادة فاتتالمؤلف.
                        ففي السابق وخلال جمعه لمواد الكتاب, كانت السريةالمطبقة التي اكتنفت كل ما له علاقة بنظام صدام حسين لا تسمح بتسرب الكثير منالمعلومات عنه. وكان على المؤلف أن يعمل بأقل عدد ممكن من الأدوات والمعلومات. بلإن كوغلين يدعي أن أغلب الشهود الرئيسيين كانوا يخشون حتى مقابلته ناهيك عن التحدثإليه، كما أن عددا كبيرا ممن كان بإمكانهم مساعدته كانوا قد فارقوا الحياة.
                        ومن بين القلة القليلة التي وافقت على الحديث معه،اشترطت الأغلبية عدم ذكر أسمائها أو الإشارة إليها بأي شكل من الأشكال. وقد كان مننتيجة ذلك عدم إمكانية التثبت من صحة أو دقة الكثير من المعلومات التي ضمها الكتاب. فالحكايات الكثيرة عن سلوك صدام وسيرته تتعارض فيما بينها تعارضا كبيرا، وهيبمجموعها مختلفة عن السيرة الرسمية المكتوبة لصدام حسين. حتى المؤلف نفسه لا يمتنععن الإشارة إلى صعوبة التحقق من المعلومات التي يوردها، فتجده في مواضع كثيرة يشيرإلى ما يعتبره مشكوكا فيه من التفاصيل غير المؤكدة. وإزاء ذلك لا يسع القارئ إلا أنيتوقع أن تكون المقاطع الضبابية قد استثمرت من قبل هذا الطرف أو ذاك لنسج المزيد من الحكايات الدعائية.
                        يبدأ المؤلف بداية غير موفقة عندما يحاول ربط الرئيسالعراقي بهجمات سبتمبر/ أيلول 2001، ويقدم لذلك دليلا لم يسبقه إليه غيره، وهوالأمر الذي أصدره صدام بوضع قواته المسلحة في حالة إنذار قبل أسبوعين من تاريخالهجمات. ثم يشير إلى ما أعقب ذلك من حديث عن وجود اتصالات بين مسؤولين عراقيينوأشخاص يشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة. ولا يمكن لهذه المحاولة من المؤلف إلا أنتعتبر محاولة فجة للتأثير على قناعات القارئ قبل الدخول إلى مادة الكتاب الأصليةوهي سيرة صدام حسين. ويزيد الأمر سوءا أنها محاولة غير ضرورية أبدا بالنظر لما تضمهالسيرة وصاحبها من سلبيات وفظائع ليست في حاجة إلى إضافات مختلقة.
                        يكشف الكتاب عن شخصية لصدام أكثر تعقيدا مما يتوقعهالقارئ، فعلى العكس من بن لادن لا يمكن اعتبار صدام من المسلمين الأصوليين، حيثيشير المؤلف إلى تعاطيه للويسكي وعلاقاته مع النساء إلى جانب أمور أخرى لا يمكن أنتعتبر من مزايا المسلم الملتزم.
                       
ويقول الكاتب إنه قبلأحداث سبتمبر/ أيلول لم يظهر صدام أي اهتمام بتنظيم القاعدة. لكن تلك الأحداث لفتتنظره إلى الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه ذلك التنظيم، الأمر الذي يمكن أن يكون قدحمله على تقديم الدعم له. وهذا الاستنتاج أو التوقع الأخير هو أضعف نقاط الكتاب, لأن صدام كان في وضع أضعف من أن يفكر في دعم القاعدة خاصة بعد أن وضعت تحت دائرةالضوء وثار السعار الأميركي لمعاقبتها ومعاقبة كل من يتهم بأن له علاقة بها، فقدكان للعراق ما يكفيه من مشاكل مع الولايات المتحدة.
                        ويقارن المؤلف طفولة صدام حسين بطفولة شخصيتين أخرييناقترنتا بالفظائع التي ارتكبت في القرن العشرين هما هتلر وستالين.
                        ويستخدم كوغلين هذه المقارنة لتوضيح أبعاد شخصية صدام،ويقول إنه من الواضح أن صدام لم يعرف أباه مطلقا، وقد جاء من أسرة فقيرة ومن بيئةغير ودية، وواضح أيضا أنه لم يكن يعرف حتى تاريخ ميلاده. أما اليوم الذي اعتبر فيمابعد عيد ميلاده الذي يحتفل به رسميا يوم 28 أبريل/ نيسان فإنه موضع خلاف كبير، إذلا يكتفي الذين يعرفونه بالطعن في صحة تاريخ اليوم المحدد فحسب، وإنما يختلفون أيضاحول العام أيضا وهو عام 1937 حسب التاريخ الرسمي أو قبل ذلك بعامين حسب ما يقولالبعض. وكما هو الحال بالنسبة ليوم مولده، فإن المعلومات المتعلقة بتحركاته المبكرةمتضاربة وغير موثوقة.
                        أمضى صدام سنوات طفولته المبكرة في كنف خاله خير اللهطلفاح ذي الميول النازية, وهو وصف غير دقيق ويستنتجه الكاتب بتسرع بسبب تأييد بعضالعرب لألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية ضد بريطانيا التي كانت مستعمرةلبلدانهم. وعندما طرد طلفاح من الجيش وألقي به في السجن بسبب معارضته لبريطانيا،اضطر صدام إلى العودة للعيش مع أمه وزوجها الجديد، لكنه كان قد تشبع بالمشاعرالقومية الحادة التي غذاه بها خاله.
                        لم يكن صدام موضع ترحيب ضمن الأسرة الجديدة التي انضمإليها بسبب كونه ابن رجل آخر غير رب الأسرة. ويتوقف المؤلف هنا طويلا عند المعاملةالسيئة التي تلقاها صدام وسط أسرته الجديدة.
                        كان أترابه يعيرونه بفقدان الأب ويتجرؤون على معاكستهلعلمهم بعدم وجود من يحميه أو يدافع عنه. وقد استعاض صدام اليافع عن حماية الأببقضيب من الحديد كان يحمله معه أينما ذهب كي يدافع به عن نفسه.
                        وقد شهدت تلك الفترة من حياته نمو نزعة سادية عنيفةلديه إزاء الحيوانات. لكن المؤلف حين يسعى إلى اختصار السنوات التي شهدت تشكل شخصيةصدام، لا يقدم للقارئ سوى سلسلة من الكليشيهات المعتادة "علمته الطريقة التي تربىبها أن لا يثق بأحد كائنا من كان، كما علمته أهمية الاعتماد على الذات، وجدوىاستخدام القوة الوحشية لإخافة كل من يقف في طريقه".
                        وتعتبر علاقة صدام بحصانه خروجا على هذا السياق، إذ يقصعلينا المؤلف كيف هد الحزن قلب صدام الفتي لموت الحصان الذي كان "المخلوق الوحيدالذي أحبه".
                        تلك إذن الخلفية التي انطلق منها صدام إلى ممارسة العنفوالقسوة عندما قيض له أن يستلم الحكم في العراق عام 1979. وكان أول ما قام به صدامعند استلامه السلطة تصفية خصومه السياسيين جسديا، وهو المنهج الذي واظب عليه منذذلك الحين. لكننا نعرف الآن أنه منذ وقت طويل والولايات المتحدة ترغب في إزاحة صدامحسين عن الحكم. وقد اعتبر إخفاق بوش الأب في تحقيق هذه المهمة أثناء حرب الخليج 1991 خطأ جسيما.
                        وقد أصبحت العلاقة الأميركية-البريطانية-العراقية مصدرالكم هائل من الدعاية والدعاية المضادة التي يطلقها الطرفان. ولا يزال الكثير منالاتهامات يصدر كل يوم حول الطريقة التي اعتبرت بها إزاحة صدام جزءا من "الحرب ضدالإرهاب".
                        وقد تمر سنوات طويلة قبل أن يكشف النقاب عن حقيقة ما تمفي مجال التعامل بالتقارير الاستخبارية التي قادت إلى شن الحرب على العراق.
                        أما عمل كوغلين الذي نحن بصدده، فإن تتابع ظهورالمعلومات الجديدة التي تطعن في صدقية الحكايات التي نسجتها الحكومة الأميركيةوأجهزتها الاستخبارية حول مبررات الحرب، بات يهدد بإخراج الكتاب من دائرة الأحداث. ومادام الدكتاتور قد أزيح ونظامه قد تقوض، فإن كتاب "صدام.. الحياة السرية" قد فقدفصله الختامي.
--------------------------------------------------------
أسم الكتاب : صدام .. الحياة السرية
المؤلف: كون كوغلين
عدد الصفحات:350
الناشر: بانماكميلان، لندن، 2003كامبردج بوك ريفيوز 
Ayman Wahdan صحافيون بلا قيود

                           
 

Publié dans Actualité

Commenter cet article