مراكز الاستماع

Publié le par محمد الساسي

محمد الساسي

 

 

مراكز الاستماع

نشرت جريدة (التجديد) مقالاً في شكل افتتاحية لمديرها الأستاذ مصطفى الخلفي تحت عنوان (مدونة الأسرة والوهم السائد) وذلك في العدد 2490 بتاريخ 12 أكتوبر 2010 الصفحة 1. اعتبر كاتب المقال أن هناك "وهما بكون مشكل الأسرة المغربية قد حُلَّ بمجرد صدور المدونة، في حين أن واقعها يزداد تدهورا وتفككا"، وأن طريقة تطبيق المدونة أفضت إلى اختلالات تتمثل أولاها في "تفاقم الطلاق الذي سجل شق الطلاق القضائي منه ارتفاعا بـ 13  % مقارنة مع سنة 2003"، الشيء الذي أدى إلى تراجع مهول في معدل الخصوبة وما يعنيه من شيخوخة متنامية للمجتمع.

المقال خلَّف بعض ردود الفعل. فقد كتب الأستاذ عمر ذهبي في يومية أجوردوي لوماروك (ع 2284 بتاريخ 13 أكتوبر 2010 ص 2) منتقداً ربط الفشل في بناء أسرة مغربية متماسكة بما طرأ من تسهيل في مسطرة الطلاق القضائي،  ومعتبراً أن الأسرة المتماسكة هي تلك التي يقوم تماسكها على الحب والتفاهم وإرادة العيش المشترك في سعادة، وأن الأستاذ الخلفي يريد فرض تماسك الأسرة بقوة القانون. فنقد تسهيل مسطرة الطلاق القضائي بمختلف أنواعه يعني نقد حق المرأة الذي منحته إياها مدونة الأسرة والقاضي بوضع حد لزواج قدَّرت الزوجة أنه يصيبها بضرر أو لم يعد يحقق لها الإشباع الوجداني والراحة النفسية. وخلص الأستاذ الذهبي إلى أن الأستاذ الخلفي يريد الرجوع بنا إلى حالة احتكار الرجل لحق الاحتفاظ بزوجته إذا شاء أو تسريحها إذا شاء، وهو ما يعتبره كاتب مقال اليومية الناطقة بالفرنسية بمثابة "وصاية بدائية" على المرأة، كان لمدونة الأسرة شرف إقامة قطيعة معها.

كما أن مركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات أصدر بتاريخ 20 أكتوبر 2010 بياناً تحت عنوان " مدونة الأسرة ووهم العودة إلى الطاعة" تم فيه التأكيد أن "التقرير الرسمي لوزارة العدل لسنة 2009 سجَّل انخفاضا في رسوم الطلاق في المغرب ما بين سنة 2000 وسنة 2009 بحيث نزل العدد من 438. 38 سنـة 2000 إلى 170. 24 سنة 2009. أما مسألة ارتفاع دعاوى التطليق للشقاق فيفسره من جهة تراجع الطلاق الرجعي، ومن جهة ثانية، لجوء الأزواج والزوجات لهذه المسطرة مما يثبت أن الأزواج يغادرون سنة بعد سنة الطلاق إلى الطلاق للشقاق الذي هو طلاق قضائي. وهذا يوضح العكس تماماً مما أرادت التجديد أن تبني عليه عدة استنتاجات".

كما ذهب البيان إلى أن "تراجع معدل الخصوبة لا علاقة له بارتفاع نسبة الطلاق والتطليق فأغلب الفئات المطلقة هي أسر بأولاد، وذلك من العوامل التي تؤدي إلى النزاعات لمحدودية الدخل، وإنما هي سياسة للدولة اتُخذت منذ عقود ولا علاقة لمدونة الأسرة بهذا" وأن "مراكز الاستماع والمؤسسات الجمعوية التي تهتم بقضايا الأسرة أُنشئت لا من أجل تفكيك الأسرة وإنما من أجل تحويل الأسرة المغربية من أسرة متنافرة تسود فيها أشكال من العنف إلى أسرة منسجمة يسودها فيها الاستقرار والاحترام المتبادل". وأكد البيان ألا أحد في المغرب كان يقول أن المدونة تكفي لحل كل المشاكل، واستنتج وجود إرادة للإيحاء بأن ما كان سائدا قبل المدونة كان أفضل، من خلال التركيز على بعض "الأخطاء في التطبيق".

الأستاذ الخلفي عاد للتعقيب على هذه الانتقادات، مشيراً إلى أن المشكل الجوهري الذي طرحه مقاله بجلاء لا يكمن في النص القانوني للمدونة بل في تطبيق مقتضيات هذا النص، وأن المشكل ليس في ارتفاع التطليق أو في تراجع الطلاق العادي، بل في الصعود الكلي لمجموعهما معاً. ولكن الغاية التي نتوخاها هنا من خلال هذه المقالة ليست هي تتبع كل خيوط هذا النقاش المفيد، بل هي التوقف أساساً عند التقييم السلبي لوظائف وأدوار بعض مراكز الاستماع. لقد جاء بمقال (مدونة الأسرة والوهم السائد) بهذا الخصوص "أن مجتمعنا يعرف نمو مؤسسات وهيئات أصبحت مهووسة بالتحريض على التفكك الأسري، وبعضها يحمل مسميات مراكز الاستماع أو الإرشاد الأسرية، والتي تعتبر أن الهيئات المعنية مطالبة بإطلاق مبادرة للتحقيق في آدائها ووضع قواعد ضابطة لاشتغالها".

نستخلص من هذا الموقف الوارد أعلاه، أربع أفكار أساسية :

الأولى هي أن هناك في المغرب اليوم مؤسسات تمارس التحريض على التفكك الأسري، أي تتسبب في انفصام عرى الوحدات الأسرية وتشتتها وتمزقها.

الثانية هي أن بعض هذه المؤسسات يُطلق عليها مراكز الاستماع أو الإرشاد الأسري. إنها - في منطق ذ الخلفي - لا تستحق ربما هذه التسميات، فهي لا تباشر استماعاً أو إرشاداً حقيقيين، بل تخفي حقيقتها خلف هذه التسميات من أجل القيام بأدوار أخرى. وتقوم بهذه الأدوار بنوع من الإلحاح الذي وصل حد "الهوس"، وهذا هو الذي يفسر وصف الكاتب لهذه المؤسسات بـ "المهووسة بكذا" و "التي "تحمل مسميات كذا".

الثالثة هي أن هذه المؤسسات المحرضة على التفكك الأسري توجد في حالة تزايد وتنام، مما يفيد ربما أن هناك خطة لاستنباتها وتكثيرها وتجزيلها استهدافا لاستقرار أسرنا ورغبة في النيل من التئامها وتلاحمها.

الرابعة هي ضرورة قيام السلطات المسؤولة بإجراء تحقيق في موضوع هذه المؤسسات والمراكز، ووضع "ضوابط" لاشتغالها حتى يُقطع دابر هذا التسيب الذي يصيب أركان المجتمع بأوخم الأضرار والشروخ. بما أن القضية حسب ذ الخلفي تتطلب تحقيقا وتتطلب قواعد ضابطة، فهي إذن قضية خطيرة، وتكشف عن وجود خصاص قانوني في القواعد الضابطة.

هذا الموقف المفاجئ من مراكز الاستماع والإرشاد –أو على الأقل من بعضها- يتطلب إبداء بعض الملاحظات :

1-    لم يحدد ذ الخلفي بشكل واضح ما هي المؤسسات والمراكز التي تباشر التحريض على التفكك الأسري. فكيف نتعرف عليها؟ وما هو المعيار لتمييزها عن غيرها؟

2-   يبدو من خلال كلام ذ الخلفي كما لو أن مراكز الاستماع تشتغل بدون ضوابط موحدة وليس لها قواعد معروفة وموثقة عالميا، ومضمنة في عقود التعاون والتدريب وتبادل الخبرات. وعلى رأس هذه القواعد مبدأ عدم التقرير مكان المرأة، وتوجيه مختلف خدمات المساعدة والإسناد والمؤازرة والحماية والإسعاف نحو هدف تمكين المرأة من إنماء قدراتها الذاتية على حماية نفسها. فرغم أن النساء اللواتي يتصلن بمراكز الاستماع بسبب تعرضهن للعنف، هن ضحايا جريمة معاقب عليها في القانون وليس فيها صلح، فإن توفر المراكز على نماذج مطبوع خاص، له قيمة معنوية فقط، تقدمه الزوجة إن أرادت إلى زوجها قصد التوقيع عليه والإلتزام كتابة بعدم العودة إلى ممارسة العنف على زوجته، هو دليل على أن المراكز تُحرِّم على نفسها بشكل قطعي التدخل بأي وجه من الوجوه للحيلولة دون استئناف الحياة الزوجية التي اعتراها في مرحلة سابقة عنف ضد الزوجة. 

3-    لم يحدد ذ الخلفي كيف تباشر المؤسسات المعنية التحريض على التفكك الأسري؟ هل يتم ذلك بصورة مباشرة أم غير مباشرة؟ وما هي الأدوات والصيغ المستعملة في هذا التحريض؟ هل يكفي أن نوجه تهمة ثقيلة لمؤسسات يُفترض أنها توفر للمرأة المغربية إحدى أنبل الخدمات، دون بيان وسائل الإثبات ومستندات الاتهام، ودون إيراد الحجج والأدلة. فهل هناك مثلاً شكايات من طرف نساء صرحن بتعرضهن للتحريض على تفكيك أواصر أسرهن؟.

إن قصر الاتهام على " بعض" المراكز، وليس "كل" المراكز، لا يعفي صاحبه من إعطاء أمثلة دقيقة لهذا التحريض على التفكك الأسري الذي يُقال أن البعض يقترفه. فالاتهام ليس من النوع الساري بين الناس إلى حد أنه لم يعد يحتاج إلى تدليل، كالقول بأن بعض الموظفين في المغرب يتلقون الرشوة. فلم يسبق في حدود علمنا لأحد قبل مدير "التجديد" أن وجه إلى مراكز الاستماع والإرشاد مثل هذا الاتهام.

4-    وعلى كل، فنحن نسجل إذن أن بعض الناس الذين تتحدث التجديد باسمهم ينظرون إلى مراكز الاستماع والإرشاد –أوالى بعضها- بعين الحذر والاشتباه والاستقباح، وينزعجون ربما من وجودها ودورها وما تتولاه في المجتمع من مهام، ويَحِنُّونَ ربما إلى مجتمع بجلد خال في نظرهم من هذه البثور والتزيدات والتقرحات والتشوهات.

5-    وهذا يحيلنا إلى التصور الماضوي والمحافظ الذي يرى أن الإمكانات والحقوق والخدمات التي توفَّرت اليوم للمرأة المغربية تمثل وسائل باعثة على انتشار قيم التحرر المبالغ فيه والنسوانية الزائدة والمسايرة غير المحسوبة العواقب لقواعد سير مجتمعات غربية متفسخة، وهذا يتطلب في نظر المعسكر المحافظ إعادة ضبط مساحة تحرك المجتمع المدني العامل لفائدة المرأة لأنه "تجاوز الحدود" !.

6-    في مرحلة من المراحل، كان المحافظون عندنا يبيحون –باسم الدين- ممارسة العنف على الزوجة، باعتباره وجها من أوجه التأديب المتفرع عن مبدأ القوامة. وكان ضرب المرأة يُعتبر بالتالي جائزاً ومباحاً، والنقاس كان يدور فقط حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا الضرب : هل يكون مبرحا أو غير مبرح.

أما اليوم، فالأصل أن وجود مراكز الاستماع والإرشاد لا يجب أن يثير كل هذا التخوف الوارد بمقال التجديد، لأن هذه المراكز إنما تتكلف باستقبال النساء ضحايا العنف والإنصات إليهن ومؤازرتهن وتوعيتهم بحقوقهن، فأين المشكلة؟ المشكلة كما يراها محافظو هذا الزمان هي أن اطمئنان المرأة إلى وجود هذا النوع من الحماية والسند الذين توفرهما هذه المراكز، قد يشجعها في نظرهم على إنهاء العلاقة الزوجية التي تربطها برجل يمارس عليها العنف إنقاذاً لنفسها من هذا العنف، وهذا يرسخ لدى النساء قاعدة سلوك قائمة على رفض أن تكون المرأة زوجة لرجل يُعَنِّفُهَا. وخلفية مقال (التجديد) ربما هي قلب الآية وإحياء قاعدة سلوك مغايرة تقوم على إشعار المرأة أن بقاءها في ارتباط مع زوج يمارس عليها العنف وصبرها على ذلك وتقبلها له أفضل لها من الطلاق، وأهون من الفراق، لأن في استمرار زواجها ضمانة للخصوبة وتوفير للمزيد من البنين والبنات وإنقاذ للمغرب من شبح الشيخوخة. والنتيجة هنا أننا نسحق نفسية المرأة ونمارس عليها قتلاً بطيئاً من أجل حماية وظيفة الإنجاب وإعطاء مجتمعنا صورة تماسك ظاهري للأسرة يخفي بين ثناياه شقاء نسائياً. وظيفة مراكز الاستماع هي الحد من العنف الزوجي وليس الحد من الزواج. ولكن من حق المرأة دائما أن ترفض استمرار زواج يحمل في ثناياه عنفاً.   

7-    وهكذا يجوز لنا القول أن في بيتنا المغربي محافظون، لكنهم وبعد صدور مدونة الأسرة، أصبحوا بخصوص قضايا المرأة عموما في حالة دفاعية، يبحثون بعناء كبير عن مسالك تسريب ما تبقى من الدعوات المحافظة والأفكار القديمة التي عفا عنها الزمن وتجاوزتها القوانين.

              جريدة (الحياة الجديدة)

10-16   دجنبر 2010 العدد 118

                  الصفحة 11

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article