ما أسعدنا بحكومات وديعة نحن الشعوب المغاربية

Publié le par عذري مازغ

ما أسعدنا بحكومات وديعة نحن الشعوب المغاربية


عذري مازغ 
الحوار المتمدن - العدد: 3242 - 2011 / 1 / 10 

الأمس تكلمت الكثير من وسائل الإعلام على عشرات الضحايا بتونس، في مواقع النيت تجاوزت الحصيلة 17 شهيد، الجزيرة افادت وفقا لمصادرها عن 14 شهيد، أما إذا اعتمدنا مراسلات أصدقاء من تونس، أو تقارير لهيآت مستقلة فتلك مصيبة أخرى، لن يصدق أحد أن عمليات القنص استعملت في هذه الإنتفاضة، لكن أجمل ما في المأساة هو أن نتفهم شرعية أرقام لنظام رسمي هو بنفسه في حاجة إلى شرعية، صحفي من وكالة الانباء التونسية يؤكد للجزيرة وقوع وفيات، لكنه يحتج صارخا في وجهها بتضخمها استنادا إلى جهات غير شرعية، وأعجب صراحة عما هو الشرعي في فهم هذا الصحفي، هل مثلا تقارير الجمعيات الحقوقية غير شرعية؟؟ إذا كان الأمر كذلك فهو تناقض صارخ.. لكن الصحفي التونسي الوديع يقر صراحة بارقام هي من صميم علاقته المهنية بالدوائر الرسمية،لكن المسالة ليست هنا، في الخطاب الشرعي، الرسمي تبدو الأرقام في الوفيات غير ساحرة سحرها في الإقتصاد، فرغم جهد الجزيرة في أن توصل لنا حجم الإستثمارات في تونس في نشرة اقتصادية وتظهر بجلاء للشعب التونسي حذلقة الحكومة، تناست ان الارقام تسير في اتجاه عكسي عندما يتعلق الأمر بالإنتفاضة، بالشغب كما يحلو لصحفي وكلالات الأنباء التونسية، فجأة أصبح الشعب التونسي شعبا مشاغبا، فالتونسي الحقيقي صار هو التونسي فقط اللامنتفض، اما المنتفضون فهم كيانات مشاغبة، الإنتفاضة يجب أن تختصر على مشاغبين وهم قلة، لكن بتصريح الصحفي ذاك من وكالات الأنباء تلك المشاغبون يستحقون القتل بالحجارة، عفوا أنا أبالغ مثل الجزيرة، فهو لم يقل بأنهم يستحقون القتل، بل هو يقول، قد تسفر عن قتلى،فروح مواطن مشاغب بالمعنى هذا أرخص بكثير من محل تجاري وأرخص من زجاج لنافذة محل لمدير غائب أصلا، لأنها احداث نتجت لحيلولة الشرطة دون أولئك المشاغبين في اقتحام المحلات العمومية، ولا أدري صراحة هل بقي في تونس مرفق عمومي؟ ام ان البلد الّأرنب في سباق الخوصصة، المعجزة الإقتصادية في إفريقيا، التنين الإفريقي الصغير، كان يوهم جمهوره بتشجيع الإستثمار في ما يمكن فهمه بالعوممة، على وزن الخوصصة.. في الإضراب أو في الإنتفاضة يصبح كل شيء من القطاع العام، وفي الإستثمار وجلب الرساميل يكون كل شيء خاصا أي كل ما يرضي شعار الخوصصة، فيا لها من مفارقة..
أجمل قصاصة عن تونس جاءتنا من فرنسا عن فتيل شمعة احرقت باب قنصلية ب بابيس تحولت عبر لسان السفير التونسي إلى عملية من الحجم الكبير: إرهاب مدبر، قالها دون حياء، وهو انفجار بحجم شمعة أضيئت في قنينة من زجاج فانقجرت نتيجة الضغط، لكن إحراق مواطن بفتيل البطالة المقنعة في بو يزيد لم يحرك ساكنا إلا عندما انفجرت الإحتجاجات الشعبية، كان عبرها الغباء الصحفي الرسمي يتحدث عن فقراء وأحياء مهمشة، ولا تعني شيئا لدى الحكومة التونسية، والحقيقة أن مثل هذه الاحياء في عرف دول المغرب الكبير لا تعني عند الحكومات سوى سكان لأوباش حقيرة بتعبير الحسن الثاني، ويمكن حل مشكلتها أساسا بإحراقها دون أن يعني ذلك شيئا كبيرا، لكن هؤلاء الأوباش عندما يتحولون باحتجاجهم إلى وسط المدن فهم بذلك يحرقون المحلات العمومية، والمثير في كل هذا الأمر، وهو يدعوا فعلا للشفقة هو هذا التظلم الذي يتعرض له رجال الأمن مما يضطرهم للدفاع عن أنفسهم، مساكين والله، في اللقطات الواردة من تونس، يبدو أن بن علي لم يشملهم بعطفه ليمنحهم هراوات من الحجم المناسب، على الأقل سلاح مطاطي، كان المساكين يستعملون المقالع كأطفال فلسطين (أستسمح الفلسطينيون على هذه الإستعارة)، يدافعون حقا عن أنفسهم، لا بل استبسلوا في الأمر، وصل مدى حجارتهم إلى الجزائر واشعل فيها فتيل اضطرابات اخرى وأثبت بن علي مرة اخرى كما قال بزيز، أجدر بدولة تكبر تونس بمساحات كبيرة حتى لا يفتضح قمعه كديكتاتور كبير، فمقالع الشرطة ورجال الامن اكثر مدى من مساحات تونس، يجب كما قال بزيز إعطاء دولة كبيرة لديكتاتور كبير كبن عليتقارب المساحة التي كانت لستالين، وليس عدلا أن تمنح تونس الصغيرة بمساحتها لديكتاتور كبير، افتضح القمع بشكل لا يليق بمكانة زين العابدين بن علي، اسم على مسمى: بيت شعري بمقام رومنسي يضاهي بلاغة شعر المتنبي. ويبدو أيضا ان الضحايا سقطوا بتونس بكثرة لضيق المساحة أيضا رغم أن الجيش المسكين او رجال الامن الطيبون استعملوا فقط الحجارة.
كان الصحفي من وكالة الأنباء التونسية يوبخ فضائية الجزيرة لارتفاع أعداد الجزيرة بما يورطها مرة أخرى في عملية تحريض، وكاد لسان حاله يقول: الحجارة يا ناس لا تقتل، تقرقع فقط، مسحة فنية جميلة،الحقيقة الموضوعية أن الجزيرة طغت كثيرا في هذه السنوات الآخيرة وأعجب كثيرا للحوار المتمدن الذي يريد أن ينشأ فضائية يسارية، تصوروا كيف ستكون مهمة صحافي يساري في بلاد عربكان بتعبير محمود درويش أو في بلاد تامازغا..الجزيرة فبركت في المغرب أحداث سيدي إفني ولولا حنكة وزير الإتصال المغربي بحس أبوي (ما أجمل الحس الأبوي عند المغاربة) ووطني كالذي شمل فضيحة ابنه في خضم السنة الفارطة، في طرد الجزيرة من المغرب لما انتهى الأمر، لولا حنكته لكانت المصيبة أعظم في الصحراء، لكن المصيبة طلعت هذه المرة من ماكينا الإعلام الإسباني. الجزيرة فبركت أحداث الكويت واليمن والأردن والجزائر وأحداث مصر وأحداث أخرى في البلاد العربية بشكل يظهر وداعة حكامنا بمظهر الوحوش حاشاهم الله من ذلك،لكن الملفت أيضا في تونس أن زين العابدين بن علي قد أوحث حكمته الإبداعية أن يصنع من تونس رقاقة إلكترونية بحجم ارضها، إبداع حكومي يساير تقنية تطور المعلوميات بشكل يرفع تونس إلى تنين إفريقي حقيقي، لكنه تنين حقيقي في القمع فقط، تقنية انتقل بها من ضبط الأنفاس على غرار جهاز المخزن بالمغرب إلى ضبط الإلكترونات واستعان فيها بخبرة أمريكا الرائدة في هذا المجال، حرب استباقية او قل للدقة اعتقالات استباقية من نوع خاص تضبط نوايا المخربين قبل القدوم على فعلها، فات بزيز ان يعلن هذه الحذلقة التونسية التي خرجت عن طوع وزراء خارجية العرب، عندما جمركوا الفضاء. الأحداث على ما يبدو تفيد أن المغرب الكبير يتوحد بشكل عجائبي، الجماهير تتوحد في انتفاضتها ضد الاوضاع، تتوحد شغبا يتطلب حزما رسميا، والحكومات تتوحد أيضا في قبضتها على خنق الشعوب، بقي لها فقط أن تعلن عن تنسيق وتفهم كبير، أن يتفهم بقدر كبير مثلا الرئيس بوتفليقة، مدى المد عند مقالع بن علي، على انها طيش غير مقصود، أن تتوحد المخابرات روح هذه الكيانات السياسية للتنسق، لتفادي السوء كي تتفهم أنها حجارة صديقة، وتعلن علنا أن شعوبنا شعوب إرهابية من حيث هي ترهب العوممة: مشاغبون يحرقون محلات عمومية، هكذا ببساطة تعلن ان لها مرافق عمومية وتنفي انها خوصصتها سابقا، هي في الحقيقة لاتنفيها، بل هي هذه المرافق التي تتحول بنهبها العام إلى مايجعلها عامة، بمعنى انها تؤدي خدمات نهبية عامة، إنها فلسفة القرن، فلسفة النهم فما أسعدنا بحكوماتنا الوديعة المسايرة للعصر الناهمة بادب.

Publié dans Actualité

Commenter cet article