من وزارة الصحة العمومية إلى وزارة الصحة الخصوصية

Publié le par بوشعيب دوالكيفل

من وزارة الصحة العمومية إلى وزارة الصحة الخصوصية

بوشعيب دوالكيفل

منذ استقلال المغرب، وعلى امتداد عقود من الزمن، ظل قطاع الصحة يحمل في الحكومات المتعاقبة إسم "وزارة الصحة العمومية " ، غير أن السنوات القليلة الماضية حملت تغييرا جذريا ومعبرا حيث أصبح القطاع الصحي يحمل إسم وزارة الصحة، وحذفت منه عبارة العمومية، ولم يكن الحذف عشوائيا بل ارتبط بخيار اقتصادي حذف طابع المجانية عن بعض الخدمات الصحية وفرض نظام الأداء وأدخل شهادة الاحتياج كعملة ضرورية للحصول على بعض من هذه الخدمات . وكان هذا الاختيار إحدى النتائج المتأخرة لنظام التقويم الهيكلي الذي طبقه المغرب منذ سنة 1983 .

وخلال الصيف الماضي خطى القطاع الصحي خطوة ثابتة نحو الخوصصة حين راج بقوة خلال شهر يوليوز الماضي مشروع تعديل القانون 10-94 المنظم لمهنة الطب بالمغرب يفوت بموجبه القطاع الصحي العام إلى غير المهنيين أو بعبارة أوضح تحرير أو خصخصة أو فتح رأس مال الطب لغير الأطباء أفرادا كانوا أي أصحاب الشكارة أو شركات مغربية أو أجنبية. وتدخل هذه الخطوة ضمن المشروع الذي تقدمت به الحكومة والمتعلق بالقانون الإطار المنظم لقطاع الصحة ككل، الذي سيكون بمثابة مدونة تتضمن القوانين المهتمة بقطاع الصحة. بل ربطت بعض الجهات هذا الاختيار الذي تبنته وزارة الصحة وإسراعها بإخراج هذا المشروع باتفاقية الشراكة المتميزة بين المغرب و الاتحاد الأوروبي و التي تنص على تحرير و خصخصة الخدمات.

ويهدف مشروع القانون الذي أعدته وزارة الصحة، إلى تحرير قطاع الصحة العمومية وفتحه، ليس فقط في وجه الأطباء، وإنما أيضا أمام التجار وأصحاب الرساميل، وهو الأمر الذي أغضب النقابات الطبية التي رأت في المشروع ضربا لحق المواطنين في الولوج إلى الخدمات الصحية، وتحويل مهنة الطب إلى ما سماه معارضو المشروع "سلعة تجارية". و اعتبروا أنه بمقتضى هذا المشروع أصبحت  الحكومة تنظر إلى قطاع الطب كمجرد قطاع للخدمات يجب تحريره و فتح أبواب استثماره أمام الرساميل الوطنية كما الأجنبية ، و مهدت لذك بفتح باب الممارسة أمام الأطباء الأجانب الذين ستعترضهم و بخاصة في العالم القروي عوائق اللغة و العقلية و الإمكانيات.
وقد انطلقت وزارة الصحة في إعداد المشروع الحالي من  كون الأطباء لا يتوفرون على الأموال من أجل الاستثمار في قطاع الصحة الذي يتطلب استثمارات كبرى، وبالتالي لا يمكن، وفق نفس منطق وزارة الصحة، منع أشخاص لهم رساميل من الاستثمار في هذا المجال. وقد اعتبر معارضو المشروع أن فتح القطاع الصحي أمام الرساميل، سواء كانت أجنبية أو مغربية، سيؤثر سلبا على الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة التي لن تجد الإمكانيات المادية للاستفادة من خدمات تلك المصحات الخاصة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن 70 في المائة من المغاربة في الوقت الحالي لا يستفيدون من أي نظام للتغطية الصحية، ولاشك أن الرأسمال الذي يبحث عن تحقيق الربح، لن يستثمر في المناطق المهمشة أو ما يعرف بالمغرب غير النافع ولا في القطاعات التي يعتبرها غير ذات مردودية. في حين اعتبر آخرون أن مشروع وزارة الصحة سوف يفتح الباب أمام «مول الشكارة» لاقتحام المجال الصحي والاستثمار فيه.
ومما تجدر الإشارة إليه أن مشروع تحرير القطاع الصحي ليس موضوعا جديدا حيث بدأه عبد الرحيم الهاروشي عندما كان وزيرا للصحة، في منتصف التسعينات. وقد 
واجهت هيأة الأطباء والمركزيات النقابية مشروع الوزير الهادف إلى تحرير قطاع الصحة، ولم يستطع هذا الوزير تفويت سوى بعض الخدمات من قبيل النظافة والتغذية وحراسة المستشفيات، لكن المشروع عاد اليوم بشكل قوي إلى طاولة النقاش بإلحاح من الرأسمال والباطرونا الراغبين في تحرير الخدمات الطبية والمجال الصحي.

بل إن بعض معارضي المشروع  يرى أن الخطر في هذا التوجه الذي تسير نحوه الوزارة سيزيد من تأزيم الفوارق القائمة الآن بين الجهات، حيث يُستبعد أن يستثمر الخواص في المناطق النائية مما يفند مزاعم تحسين الخدمات، كما سيتم اختيار الحالات المربحة، وهذا يتنافى مع أخلاقيات الطب، وعليه فهناك تخوفات من تفشي المتاجرة بصحة المواطنين، وستصبح المهنة تتسم بالانتقائية ومن المحتمل جدا أن يتم رفض المرضى ذوي الحالات المستعصية، وكل الحالات غير المربحة مائة بالمائة، وسنصبح أمام أخلاقيات تضر بصحة المواطن، وبالتالي فإن هذا الاختيار من شأنه أن يضع المريض في الحالة التي يفرضها نظام السوق.

هذا في الوقت الذي تؤكد أدبيات منظمة الصحة العالمية على الدول أن تقوم بمجهودات لتمويل المؤسسات الصحية ضد الاستثمارات التجارية. علاوة عن مساسه باستقلالية القرار الطبي الذي سيصبح بمنطق هذا المشروع في أيدي أصحاب الشكارة  و رهين أغراض تجارية محضة على حساب مصالح المرضى و بخاصة أن المشروع قد يحول الأطباء العاملين في المصحات الخصوصية إلى مجرد أجراء.

وهكذا نلاحظ أن مقترح وزارة الصحة حول فتح رأسمال المصحات الخاصة أمام فاعلين جدد من خارج فئة الأطباء قد أثار ، جدلا واسعا في صفوف نقابات الأطباء بمختلف حساسياتها وأظهر  وجود تباين في وجهات النظر بين الوزارة الوصية على القطاع والمهنيين.
      وفي محاولة لطمأنة مهنيي القطاع على أن هذا الإصلاح يروم بالأساس الارتقاء بهذه المؤسسات وتوسيع عرض العلاجات لفائدة المواطنين وتوزيعها ترابيا لتشمل بشكل عادل مختلف مناطق المغرب، قالت وزيرة الصحة «إن الاختيار المقترح ليس موجها ضد أطباء القطاع الخاص أو المؤسسات الصحية التي يمتلكونها، أو ضد ما يعتبرونه مصالحهم الخاصة»، مؤكدة «أن  ظهور فاعلين جدد في مجال عرض العلاج لن يكون عشوائيا  وبدون قيد، بل يتطلب تأطيرا محكما بقواعد قانونية دقيقة تتوخى الشفافية وتضع الآليات اللازمة لضمان احترام المبادئ الأساسية التي تحكم مزاولة الطب وتصون الاستقلالية المهنية للطبيب».
وكانت سبع نقابات طبية قد ردت، مؤخرا، في رسالة مشتركة إلى وزيرة الصحة العمومية على مشروع تحرير القطاع الصحي، واعتبرت المشروع يضرب في الصميم الأسس الإنسانية التي تنبني عليها مهنة الطب.
حيث اعتبرت النقابات أن «فتح الباب أمام الاستثمار التجاري في الصحة ما هو في الحقيقة إلا محاولة لتبضيع صحة المواطنين وإخضاعها لنظام السوق التجاري، ولن ينتج عنه إلا تفاقم الأزمة الصحية والمزيد من إقصاء الفئات المستضعفة من الولوج إلى العلاج . و في نفس السياق، قالت مصادر مطلعة إن مشروع قانون تحرير القطاع الصحي يهدف إلى فتح باب التدبير المفوض للمستشفيات العمومية، والمصحات التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي البالغ عددها 13 مصحة التي كانت هناك مفاوضات مع شركات إسبانية وفرنسية من أجل الحصول على صفقة تدبيرها وتسييرها.

ومما يجدر التذكير به أن المغرب قد فتح الباب أمام التدبير المفوض في مجالات تدبير الماء والكهرباء والتطهير في العديد من المدن أمام الاستثمار الأجنبي، حيث أبانت التجارب في مجملها عن ضعف وترد في الخدمات وارتفاع في الأسعار وضعف المراقبة والمتابعة من لدن المجالس المنتخبة التي تعاقدت مع الرأسمال الأجنبي الذي قام بالاستثمار في هذا المجال، وهي نفس نقطة الضعف التي تعاني منها تجارب التدبير المفوض ولن تُستثنى منها الخدمات الصحية المراد تفويتها، مادامت أنظمة الرقابة ضعيفة بل شبه منعدمة.

إن  المفروض مادام الأمر يتعلق بصحة المواطنين وبالحق في الصحة باعتباره من حقوق الإنسان ، أن يتوسع النقاش حول الموضوع من قبل الجميع لاسيما القوى الحية والجمعيات المختصة والمهنيين وجمعيات حماية المستهلك والفاعلين السياسيين والنقابيين وغيرهم،....

 ويرى المتخوفون من مشروع وزارة الصحة أن أي مقاربة للإصلاح في القطاع الصحي يجب أن تتم في إطار رؤية شمولية لقطاع الصحة، وأن تتأسس على رؤية منسجمة ومتوازنة بين جميع المتدخلين، وتأخذ بعين الاعتبار مصالح المواطنين ومهنيي الصحة والقطاع  نفسه .

وبالنسبة للتطمينات المعلنة ، والمتمثلة في التقيد بالقواعد القانونية الملزمة والخضوع للرقابة فإن المتخزفين من المشروع يأخذون بعين الاعتبار ضعف المراقبة عامة في بلادنا ، وبخصوص القطاع الصحي يستدلون بما تعرفه  مصحات القطاعين العام والخاص على السواء وما تشهده المؤسسات الاستشفائية العمومية من اختلالات ، ويرون أن التحديات التي تعرفها المنظومة الصحية، تنبئ بالمخاطر التي قد تنجم عن فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الخاص في القطاع الصحي ذي الحساسية الخاصة والتأثيرات الحاسمة على المواطنين لاسيما المعوزين وذوي الدخل المحدود  .

من المعلوم أن الأطباء عند تخرجهم يؤدون قسم أبو قراط، فأي قسم سيؤدي مستثمرو المستقبل في القطاع الصحي؟

سؤال يطل برأسه ويتحدى الجميع لاسيما الجهات الحكومية وغير الحكومية التي تدفع بقوة في اتجاه خوصصة القطاع الصحي تحت غطاء فتحه أمام الاستثمار الخاص.

فهل نسير في اتجاه الانتقال نهائيا من زمن وزارة الصحة العمومية إلى زمن وزارة الصحة الخصوصية؟

بوشعيب دوالكيفل

هذا مقال نشر في أسبوعية الحياة الجديدة التي يرأس تحريرها الأخ محمد حفيظ

العدد 123 بتاريخ 14-20 يناير 2011 الصفحة 14، للاطلاع ولكل غاية مفيدة

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article