توظيف مشبوه من نوع آخر
ما يلاحظ على الدول المتقدمة والمتطورة والحداثية أنها تعمل في صمت ودون أن تمنُّ على شعوبها أو تفتخر بما أنجزته لصالح البلد والمواطنين، لان الأمر يتعلق بواجب يجب تأديته مع الإتقان في الأداء. ويكفي الإنسان أن يزور بلدا من هذه البلدان ليقف على هذا الانجاز العظيم الذي يشمل جميع المرافق الضرورة والحيوية لكل بلد يحترم نفسه ويقدر شعبه من صحة وتعليم وتجهيز وبيئة واقتصاد واجتماع....
ولعرف في الأخير أن من وراء هذه الانجازات خبراء ومثقفين ورجال فكر وفنيين يحترمون أنفسهم وشعوبهم، يخلصون لأوطانهم ولشعوبهم لا يلهثون وراء الامتيازات والسلطة والاغتناء والشهرة والنفوذ والحصانة...
بمعنى آخر فان الاستوزار أو غيره من المناصب عند هؤلاء هو تكليفا وليس تشريفا. لسبب بسيط هو أن المسؤول في هرم السلطة سيكون مراقبا من طرف المجتمع المدني: مثقفون صحافة نقابات جمعيات أحزاب... هذا المجتمع المدني الذي لا يعرف النفاق أو المهادنة، فكل ما يعرفه هو الفضح والكشف والكلمة الأخيرة تكون للقضاء العادل إما البراءة أو الإدانة ! ليس هناك ما يسمى بالحصانة أو المال أو التسيب...
قد يتسائل القارئ لماذا كل هذا الإسهاب في الحديث عن مجتمعات متطورة :
الجواب سهر وبسيط ، فقط لأننا في مجتمعنا نفتقد إلى هذه الأخلاقيات التي ذكرناها آنفا.
ويبقى عندنا الصوت المجلجل والجعجعة ولكن بدون طحين هو السائد في الساحة امام كاميرا ملتهبة (الكاميرا شاعلة)، ومن يستمع إلى مسؤول عندنا في مجال السكن والإسكان والى الأرقام التي يسردها وهو يتحدث عن أزمة السكن بالمغرب والحلول المقترحة، يظن أن أزمة السكن قد حلت نهائيا (وكلشي سكن) فإذا خرجت إلى الشارع ودققت في الأمر رأيت المآسي والقواجع وسمعت التذمر والسخط، ناهيك على الفضائح كالسكن داخل المراحض وانهيار البنايات مع إزهاق الأرواح... دون ان ننسى الغش في البناء مع عدم مراعاة الجودة فيما يقدم الى المواطن المستهلك (استهلك بلا ما تهلك)، والمثقل بالفوائد البنكية في هذا المجال، ناهيك عن المضاربات والزيادة في اسعار مواد البناء....
أما ما خفي من الأمور فالله وحده يعلمه. غير أن دقائق الأمور في بعض الأحيان لا تخفى على المتتبعين للرؤوس الكبيرة والمسؤولين في وزارة من الوزارات. ومن بين هذه الأمور يمكن أن نذكر التوظيف المشبوه الذي شمل عدة أشخاص من مدينة وجدة بشرط أن يرحلوا إلى مدن نائية عن الجهة الشرقية حتى لا ينكشف الأمر ويشيع الخبر وتقوم الضجة وتعم الفضيحة.
ومن بين المدن التي عرفت هذه التوظيفات المشبوهة قلعة السراغنة: (الوكالة الحضرية – وزارة السكنى والعمران).
وربما هناك مدن أخرى. فهل هذه هي الشفافية التي يتحدث عنها بعض الوزراء كلما اطلوا علينا من خلال وسائل الإعلام؟ !
أما عندما يتعلق الأمر بالجمعية الوطنية للمعطلين التي ما فتئت تطالب بإنصاف حاملي الشهادات عن طريق إدماجهم في عالم الشغل فان بعض المسؤولين الحكوميين يحاولون أن يختصروا المشكل في جملة واحدة ( لا تكلمونا في موضوع الشغل) غير أن هذه المقولة لا تنطبق عليهم ما دام المقربون وأقطاب الحزب الذي يحظى بالأغلبية في هذه الحكومة يحصدون المناصب دون غيرهم، أما المناضلون الشرفاء الذي ضحوا من اجل الحرية والديمقراطية وعذبوا وسجنوا فلا يزالون يعانون من الإقصاء والتهميش وهم يزحفون الآن نحو الشيخوخة ولم يتسم الحظ لهم بعد، بعضهم قد أنهى دراسته منذ ثلاثة عقود ولا زال يحتفظ إلى حد الآن في بطاقته الوطنية بمهنة "طالب" ورغم ذلك فلا زالوا على النهج النضالي الذي رسموه وخطوه في شبابهم من اجل بناء مغرب حداثي وديمقراطي وما بدلوا تبديلا؟