الاتحاد الاشتراكي: لماذا ضرورة العودة إلى المعارضة؟
للجواب على هذا السؤال لا بد وأن نعيد التذكير أولا: لماذا قبلنا أصلا المشاركة في الحكومة؟
فقد عرف الاتحاد الاشتراكي نقاشا مطولا داخله حول هذا الموضوع، طوال التسعينات. وكانت نقطة الانطلاق في ذلك، أنه بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، وبعد شعور بعض من نخبة الحزب بالتعب والعياء من الصراع الطويل الذي واجهنا به القصر طوال الأربعين سنة السابقة، ثم لأن فئة من المجتمع المغربي من التي كان الحزب يعتمدها في قاعدته الجماهيرية، قد تيسرت لها فرصة للترقي الاجتماعي، وبالتالي أصبحت في حاجة لحماية هذا الوضع الجديد، خاصة أمام زحف الخطر الأصولي القادم من الجزائر أو الشرق، وذلك حتى وإن اقتضى الحال التحالف مع أطراف داخل السلطة الحاكمة. أمام هذه المبررات وغيرها، بدأت الأصوات تتعالى من داخل الحزب، من أجل نهج خط سياسي جديد، يقوم على مد جسور التواصل مع القصر.
في الواجهة الأخرى كان الملك الراحل يشعر بدنو أجله من جهة، وبوصول الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المغرب إلى خطر السكتة القلبية من جهة ثانية. فبدأت الإشارات الإيجابية ترسل في الاتجاهين: القصر يدشن مرحلة للإنفراج السياسي، والحزب يجيب بالتصويت الإيجابي على الدستور. والنتيجة أننا وصلنا إلى تكوين حكومة التناوب التوافقي برئاسة عبد الرحمان اليوسفي.
وقد قدم الحزب تنازلات كبرى للوصول إلى هذا التوافق: إصلاحات دستورية جد محدودة من الطرف الآخر، وتشبث بالوزير الأول السابق، وتعاقد مبهم لا يستند على أي نص أو بنود واضحة.
كان الأمل معقودا على أن وصولنا إلى مقاليد التسيير الحكومي، سيمكننا من فتح ثغرة في الجدار المخزني، وبالتالي تحقيق التغيير الديمقراطي من داخل الدولة نفسها، بعد أن عجزنا عن تحقيقه من خارجها.
لكن هل حقق الحزب شيئا من ذلك؟
قد تكون البلاد ربحت العديد من المكتسبات وراء ذلك التوافق. فقد مر الانتقال من عهد الملك الراحل إلى العهد الجديد بدون مشاكل، وانطلقت أوراش اقتصادية واجتماعية كبرى ، وتحققت مصالحات عديدة في البلاد، وعرف فضاء الحريات العامة توسعا ملحوظا.
غير أن ما فشلنا في تحقيقه خلال هذه المرحلة كان أيضا كبيرا: إذ عجزنا عن إقرار تغييرات دستورية ومؤسساتية تثبّت ما حصلنا عليه من مكاسب، ومنها ترسيخ دور السلطة التشريعية ودور الحكومة ومؤسسة الوزير الأول في تسيير شؤون البلاد. وعجز وزيرنا في المالية على فرض أجندة واضحة للقضاء على اقتصاد الريع وعلى الرشوة والفساد في دواليب الإدارة المغربية، كما عجز عن نهج سياسة توزيع أكثر عدلا تساهم في التقليص من الفوارق الاجتماعية بدل مفاقمتها كما هو حاصل الآن، وبدل ذلك بقي وفيا أو محاصرا بالتعاليم الفوقية التي تملى عليه من القصر أو من المؤسسات العالمية. كما لم يساهم وزيرنا في التعليم في حل عقدة هذا القطاع الحيوي، واكتفينا في هذا المجال بعقد الندوات وإصدار المذكرات، التي لا تترك لها أثرا ولا من ينفذها على أرض الواقع. وفي قطاع العدل، لم نحقق استقلالية لسلطة القضاء ولا طهرنا القطاع من مظاهر الحيف والرشوة والفساد ... وباختصار أنه مهما ادعينا من تحقيق مكتسبات وانتصارات هنا أو هناك ، فإن المواطن المغربي قد حكم في النهاية بعكس ذلك ، وفي رأيه، أنه حتى ولو كان قد تحقق شيء من ذلك، فالفضل يعود فيه للملك وليس لأي حزب أو عضو في الحكومة.
وهكذا فنحن حين نقيم كل هذه التجربة السابقة داخل الحكومة، ونقارنها بالتضحيات الكبيرة التي قدمناها من أجل ذلك، نجد أنفسنا، أمام حصيلة جد هزيلة إن لم يكن أمام شبه إفلاس. وهي الخلاصة نفسها تقريبا، التي وصلت إليها لجنة تقييم العمل الحزبي.
فقد أدى الحزب لأجل ذلك ثمنا غاليا، تمثل في تشتيت صفوفه، وقطع جذوره عن القوات الشعبية، ويأس وتبعثر مناضليه، وشل تنظيماته وهيئاته، وتسرب عناصر الإفساد والانتهازية إلى صفوفه، و فقدان كل ما تبقى من رصيده التاريخي و من ذكريات تضحيات شهداءه ومنفييه ومعتقليه ومشرديه.
وحتى آخر لحظة، كان البعض منا لا يزال يعيش على بصيص من الأمل، ويحاول أن يوهم نفسه أن الأمر ربما مسألة وقت، وأن الشعب المغربي لابد وأن ينظر في الأخير إلى كل تلك التضحيات، ويقدر حجم العراقيل التي واجهتنا، فينصفنا ويمنحنا صوته في الانتخابات. لكن هل حصل شيء من ذلك؟
كان علينا أن نستشعر الخطر في وقته المناسب، ونستخلص الدروس اللازمة، ولكن العديد من مسؤولينا في الأجهزة الوطنية كما في المحلية، قد أعمتهم مصالحهم الآنية عن رؤية أي شيء، وهم في هرولتهم وراء الامتيازات أو المقاعد أو المناصب، لا زالوا لحد اللحظة، في لهاثهم، لا تهمهم لا مصلحة الحزب ولا البلاد ولا العباد.
لقد سبق وأن دق البعض منا ناقوس الخطر، منذ أول اجتماع للجنة المركزية للحزب بعد تنصيب حكومة جطو، وكنا أقلية، وطالبنا في وقته بالعودة إلى المعارضة، مادام الطرف الآخر لم يحترم التعاقد الذي بموجبه دخلنا إلى هذه الحكومة. غير أن كل انتقاداتنا للقيادة الحزبية لاحقا ، قد ووجهت بالحصار والتعتيم، واتهامنا بالتهييء لانشقاق آخر أو الولاء لطرف خارجي ما. ومن تم خلصنا في فترة معينة، أن الأسبقية في الحزب هي أولا، لاقرار ديمقراطية داخلية وتدبير أفضل للاختلاف، حتى يتسنى للأصوات المعارضة أن توصل رسالتها.
ولما جاء يوم الحساب، وفرض علينا الشعب المغربي الوقوف أمام المرآة لننظر إلى عرينا، قلنا أنه قد حان الوقت ربما، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شرفنا وكرامتنا، فطالبنا باستقالة المكتب السياسي والدعوة إلى مؤتمر عاجل.
ولكن للأسف، أن داء الجشع المسيطر على البعض منا كان أقوى من رغبتنا، فاستمر التهافت على المناصب في الحكومة ، أو الكراسي في المكتب السياسي، وكأن شيئا لم يحدث في البلاد.
إن البعض من قياديينا وحتى من مناضلينا في القواعد، لا زالوا يرفضون أن ينظروا إلى الحقيقة، لا يريدون أن يصدقوا أن المسألة أصبحت الآن مسألة وجود بالنسبة للحزب، وأننا قد دخلنا ومنذ سنوات على خط انحدار نحو الهاوية. فإما أن نغير من اتجاه هذا الخط ونوقف الانحدار، وإما أن ننتهي نهائيا كحزب، ونتحول إلى ذكرى من الماضي. و كم يؤلمني في الحقيقة، أن أرى سذاجة البعض منا، وهم لا زالوا يتوهمون، أن المسؤولين في البلاد لن يسمحوا بالتفريط في الاتحاد الاشتراكي، ولن يستطيعوا أن يحكموا بدونه، أو أن للمغرب خصوصية ما مفترضة، تجعل من المستحيل أن يبقى بدون يسار وبدون حزب الاتحاد الاشتراكي.
لهؤلاء أقول: لا يعمينكم غروركم أو قصر نظركم، وانظروا فقط لما حصل لأحزاب يسارية في دول أخرى كانت أحيانا أقوى من الاتحاد الاشتراكي، كما حدث مثلا في أندونيسيا و تركيا وإيران ومصر والسودان وتونس .... فوجود اليسار وقوته في مجتمع ما، ليس معطى حتمي، ولكن ذلك أمر احتمالي فقط، بحسب الشروط التاريخية والسياسية في كل بلد و في كل مرحلة تاريخية. وليس هناك أية خصوصية أو حتمية في هذا المجال. و بالنسبة للمغرب، إذا كانت هناك ظروف تاريخية معينة، هي التي سمحت ببروز اليسار واحتلاله لموقع مركزي في خارطته السياسية، فهي نفس الظروف التي قد تؤدي إلى وأده و مسحه من هذه الخارطة. و بالتأكيد أن ذلك لن يمنع الحياة بأن تبقى مستمرة، بالاعتماد على قوى بديلة، هي الآن تنتظر أن تزل قدم الاتحاد الاشتراكي مرة أخرى ويخطئ موعده الحالي والأخير مع التاريخ.
لهذه المخاطر كلها، التي تهددنا في وجودنا كاتحاد اشتراكي وكيسار، أطلق صرخة الانقاذ هذه، وأدعو إلى أخذ المبادرة بأنفسنا للانسحاب من الحكومة والعودة إلى المعارضة، قبل أن يصل اليوم الذي سيكتشف المسؤولون في البلاد أننا لم نعد نمثل شيئا، وبالتالي يستغنون عنا فيقذفون بنا كخرقة بالية خارج الحكومة وعلى هامش التاريخ والمجتمع. صرخة أوجهها لكل الاتحاديين الصادقين، المؤمنين حقا بمبادئ الحزب وقيم اليسار، أما من كان لا يهمهم من الحزب، سوى استعماله كمطية لأهداف أنانية ضيقة، فذلك لن يضرهم في شيئ، لأنهم بالتأكيد سيبحثون لأنفسهم عن بدائل أخرى في هيئات جديدة، حتى وإن انقرض الاتحاد الاشتراكي من الوجود.
لن تضللنا المغالطة التي بقي يروج لها الكاتب الأول السابق، من أننا سنصبح في المعارضة مثل "شبكوني" أو أتباع للعدالة والتنمية. أو يضعنا أمام تحدي سؤال "من نعارض ومع من سنعارض؟" فالاتحاد الاشتراكي قد بنى قوته أصلا في المعارضة وليس على كراسي الحكومة، وهو منذ قبوله الجلوس إلى جانب جطو وهو يعمل ك " شبكوني" للمخزن. و لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه فهو سؤال شكسبيري: أن نوجد أو لا نوجد؟
خلاص الاتحاد الاشتراكي هو في العودة إلى الارتباط بالقوى الشعبية، أن يعود لتبني مطالبها ويساندها ميدانيا في نضالاتها. وأكبر عار عشناه في الشهور الأخيرة، أننا لم نسمع صوتا للاتحاد الاشتراكي في معارك المعطلين ونضالات سيدي إيفني والمظاهرات ضد الغلاء، واحتجاجات الأحياء والقرى المهمشة.
إن رهاننا الحقيقي هو في السعي لتأسيس تصور جديد عن النضال اليساري، يضع في مركز اهتمامه التعاقد مع المجتمع قبل التعاقد مع الدولة. أن نرجع إلى مواقعنا في الأحياء وفي الجمعيات و النقابات، ونتصالح مع مثقفينا وفنانينا، ونستمع بتمعن، بل و نأخذ الدروس من حركية شبابنا ونساءنا. ونقطة البدء في ذلك، أن نتحمل مسؤولياتنا في تجميع قوى اليسار، عبر القيام بمبادرات عملية وليس بالمزايدة بالشعارات، لأنه بذلك فقط، قد سنعطي رسالة قوية إلى كل من غادرنا من المناضلين أو تعاطف معنا في وقت ما، مفادها أن اليسار لا زال حاضرا ووفيا لأهدافه, أو إلى تلك الفئات والأطر المثقفة الجديدة التي لا زالت لم تجد من يشفي لها غليلها، ويقترح عليها صيغا أخرى لممارسة السياسة بشكل مختلف و نبيل.
إننا لا نتوهم أنه بهذا المسار النضالي الجديد، الذي إن نحن اخترناه في الشوط القادم من المؤتمر، سنربح رهان انتخابات 2009. فذاك مجرد سراب لا زال البعض يعاند في الجري وراءه. ولكن هدفنا فقط أن نوقف خط الانحدار الذي نسير عليه، على أن ننتظر النتيجة الحقيقية من ذلك ربما، في السنوات القادمة.
لكن ما هو أكيد ، أننا لن ننجح في تفعيل هذا الخط النضالي الجديد، إن نحن بقينا نقيد أنفسنا بالتزامات مفترضة مع حلفا driyfa
ء لنا في الدولة أو الأحزاب الأخرى.
فبداية الطريق هو العودة أولا إلى المعارضة، وأخذ المسافة الضرورية لنا حتى يتسنى لنا التفرغ حقيقة لإعادة بناء حزبنا.
حميد باجو