المشاركة الانتخابية والعزوف عن التصويت

Publié le par سيلين براكونيي، جان ايف دور ماغان

 

تراجع التعبئة الانتخابية قائم ومن المحتمل أن يستمر، وهذا تحديدا لأنه يرجع الى تظافر عدة عوامل، هي نفسها ناتجة عن تحولات عميقة في العالم الاجتماعي. من تم من غير الممكن استخلاص سبب وحيد قد يكون، لوحده، حاسما والذي قد يكون كاف للتصرف إزاءه بغية إنتاج تغيير مثير للاتجاه. من ثم لا يمكن لـ «الحل» «سياسيا» حصريا، بمعنى الاعتماد فقط على «تحسين» تمثيلية المواطنين. لماذا لم يعد عدد كبير من المواطنين والساكنات يتوجهون لصناديق الاقتراع، بل لا يسعون الى التسجيل في اللوائح الانتخابية؟ .هذا بعض مما جاء في مقدمة كتاب عن العزوف الانتخابي (1) الذي يعرض لهذه الظاهرة مقرونة بتراجع التعبئة الانتخابية.
لوقت طويل كانت المشاركة في الانتخابات مكثفة، كما ظل العزوف عن صناديق الاقتراع ـ على الرغم من ان التصويت لم يكن إجباريا ـ حتى وقت قريب ظاهرة ثانوية نسبيا. إلا أن الحالة تفاقمت في الثمانينات / التسعينات، وأصبحت مقلقة، وهي تختلف من استحقاق انتخابي لآخر (برلماني، بلدي، جهوي، الخ). وقد ساعد عليها ـ من بين عوامل أخرى ـ عدم التسجيل في القوائم الانتخابية، بالاضافة الى ظاهرة جديدة هي التي نسميها «المسجلون بشكل غير سليم» أي هؤلاء الاشخاص الذين ـ بعد الانتقال إلى حي آخر وسكنى أخرى ـ لم يغيروا أو يجددوا تسجيلهم في قوائم الحي الذي انتقلوا إليه، وبالتالي بقيت أسماؤهم مسجلة في دوائر الحي السابق (من حي الى حي ، من مدينة الى مدينة، من قرية الى قرية، من مقاطعة الى أخرى، إلخ)، الشيء الذي لا يساعدهم على المشاركة في الانتخابات. هذا أيضا نوع من العزوف الذي قد يكون مقصودا وقد يكون سهوا. المهم أنه واقع قائم.
علاوة على كونها تتجاهل الفئات غير المسجلة، فإن معدلات المشاركة التي تعممها السلطات العمومية في بلاغاتها في كل اقتراع، تقدم لنا معلومة مهزوزة وتبدو وبتأثير أقل على سلوكات النازحين. فهذه المعدلات لا تساعد على القيام بتحليل لمسارات المشاركة ووضع ـ بصفة خاصة ـ نسبة المواطنين التي قد تكون غيرت ممارستها الانتخابية على مدى فترات، بالانتقال مثلا من مشاركة منتظمة الى عزوف منتظم. بصفة عامة لا تساعد هذه المعطيات على إقامة الطبيعة الموضوعية للعزوف عن التصويت. بصفة أكثر وضوحا من المستحيل تماما ـ عند الاطلاع على نسب المشاركة فقط ـ وضع ما هي نسبة المسجلين التي توقفت عن التوجه الِى صناديق الاقتراع، مبدية بذلك لامبالاتية تامة تجاه الانتخاب أو رفضا تاما للعرض الانتخابي المقدم.
والغريب هو أن اللوائح الانتخابية لم تستغل إلا بقدر يسير في السوسيولوجيا الانتخابية، في حين انها تشكل مادة استثنائية لمن يبحث على الاشتغال على سوسيولوجيا ممارسة جماهيرية مثل التصويت، اعتمادا على أسس موضوعية. فبفضل توقيعات الناخبين على تلك القوائم يتوفر الباحث في الواقع على معطيات لا مثيل لها، أكثر صلابة من التصريحات بالتصويت أو الامتناع عنه. والواقع ان التحليل المتأني للقوائم الموقعة يكشف ان حظوظ المشاركة في الاقتراعات تتم بشكل واسع في جودة التسجيل. وهنا نتحدث عمن نسميهم «المسجلين بشكل سليم»أي الساكنات المسجلة والمصوتة في المكتب الانتخابي للحي الذي تقيم به.
فالعملية الانتخابية بهذا المعنى تتأسس على المسجلين بشكل سليم، على المسجلين بشكل غير سليم، على غير المسجلين. والمشكلة في ظاهرة المسجلين بشكل غير سليم هو انها تستمر لعدة اقتراعات على ماهي عليه مع ما يتبعها من عزوف عن التصويت أو عدم تجديد التسجيل. وقد يهم هذا الامر أسرة بكاملها ـ الأب، الأم، الابن وأحيانا الجد والجدة إذا كانا يعيشان في نفس الوسط ـ بحيث يصبح العزوف منتظما ويمكن ان نصنف بأنه هيكلي. تؤكد مقارنة سلوك الاشخاص المسجلين بشكل غير سليم مع المسجلين بشكل سليم على وجود علاقة قوية جدا بين فرص التصويت وتكلفة الفعل الانتخابي. وليس هناك من سبب، في الواقع، ان يكون المسجلون بشكل غير سليم مختلفين جدا عن المسجلين بشكل سليم من زاوية علاقتهم بالسياسة. وما قصدنا إليه بتكلفة الفعل الانتخابي هو تنقل المسجلين بشكل غير سليم ـ في حالة ما إذا صمموا على ذلك ـ الى حيهم السابق أو مقاطعتهم الانتخابية السابقة للتصويت على حسابهم الخاص، وذلك وفاء للمرشح أو للحزب الذي يجدون فيه أنفسهم وأداء لواجبهم الانتخابي والمواطني أساسا.
«انتخابات التهدئة« و«انتخابات المواجهة«
لمعايني الشأن السياسي والسياسة، نتوجه الى تفسير تزايد العزوف لأسباب ذات صبغة سياسية حصريا. فالنفور من صناديق الاقتراع قد يكون نتيجة خفوت بريق ديمقراطي. فالسياسي قد يكون فقد مصداقيته. ذلك ان أزمة ثقة قد تكون انتظمت تدريجيا بين الهيئة الناخبة والتمثيليية الوطنية. فاليسار قد يكون خيب أمل جزء كبير من ناخبيه، لأن اليسار قد لن يكون يسارا فعالا، كما ان اليمين ما عاد يمينا بما فيه الكفاية. بمعنى اختلطت الامور على الهيئة الناخبة. لذلك قد يكون العزوف نتيجة طبيعية لديمقراطية التناوب المسكن تلك، القائمة، كما في الولايات المتحدة، على «نهاية الاديديولوجيات» وعلى «ذوبان» الصراعات المؤسساتية الكبرى ـ الاجتماعية وغيرها ـ التي كانت تتمحور حولها المواجهات السياسية منذ نهاية القرن الثامن عشر.
بصفة أشمل، قد يسير بروز توافق نسبي بخصوص طبيعة النظام السياسي، جنبا الى جنب مع نهاية «الحماس السياسي» وإزالة القدسية على الفعل العمومي، الذي أصبح بشكل متزايد ذلك «التصريف العادي للشؤون العادية»، وهو ما قد يكون من شأنه تعبئة الجماهير بشكل يتزايد نقصانا. مما لاشك فيه ان هذه المسارات ذات الامد الطويل، ثم أسباب أخرى سياسية، مارست جميعها تأثيرا على مجرى تراجع التعبئة الانتخابية. غير ان التحولات السياسية الايديولوجية لا تمثل إلا سلسلة من العوامل من بين أخرى. ذلك انه خلافا لما يظن بصفة متواترة، سيما داخل الاوساط المسيسة، فإن التعبئات الانتخابية لا تشتغل حصريا بالسياسة. بالتأكيد إن السياق السياسي، مضمون الحملات وطبيعة العرض الانتخابي تمارس تأثيراتها على أبعاد التعبئة.
وكما عبر عن ذلك أندريه سيغفريد، فإن «انتخابات التهدئة» لا تثير نفس الاهتمام ولا نفس المشاركة، كما هو الشأن في «انتخابات المواجهة»، مثلا مواجهة ثنائية القطبية بين يمين في السلطة ويسار في المعارضة، والعكس أيضا ـ بصفة أشمل في الممكن، في فرنسا كما في الولايات المتحدة على سبيل المثال، إقامة علاقات إحصائية قارة ومنتظمة بين مميزات العرض الانتخابي وحجم المشاركة. كقاعدة عامة، كلما كان العرض الانتخابي متنوعا، إلا وكان الاقتراع غير واضح المعالم والحملة الانتخابية حامية الوطيس، والمشاركة مرتفعة.
لكن كون العرض الانتخابي يمارس تأثيرا، فهذا لا يعني مع ذلك أنه يشكل العامل الوحيد، ولا حتى بالضرورة العامل الحاسم للتعبئة. ثمة معاينة أولى تدعو مسبقا الى تسيب تأثير العرض. فإذا كان بإمكاننا ملاحظة تنويعات خفيفة من اقتراع لآخر، فإن المثير أيضا هو ان نعاين ان ما يتوفق بشكل كبير هو انتظام المشاركة خلال الفترات التاريخية ذات الأمد الطويل. هذه المعاينة تنطبق، مثلا، على الانتخابات الامريكية. إذ تمثل معدلات التعبئة في الولايات المتحدة، انتظاما مؤثرا، على الرغم من ان المرشحين، الرهانات والسياقات الانتخابية غير قابلة للمقارنة فيما بينها، بحيث يمكننا ان نحدد مسبقا ـ مع مجازفة قليلة في ان نخطئ ـ ان حوالي ثلث المواطنين الامريكيين سيتعبأ من أجل الانتخابات المؤدية للكونغريس وحوالي النصف للانتخابات الرئاسية.
يدفع تزايد العزوف عن التصويت ـ وهي ظاهرة نلاحظها تقريبا في كل الديمقراطيات الكبرى ما بين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، على الرغم من التنوع النسبي للسياقات الوطنية وللعرض الانتخابي ـ يدفع إذن الى البحث عن أصل هذه الظاهرة الجديدة في بعض التحولات السوسيوثقافية التي تطال مجموع العالم العربي. هناك كذلك نزوعات تدخل بشكل مستدام في التصويت أو في العزوف عنه، إذ تساعد على فهم لماذا يبدي بعض الافراد توجها معلنا للممارسة الانتخابية، فهم في حين انه سيكون لآخرين (تقريبا) توجه دائم للعزوف عن التصويت، بما في ذلك خلال الحملات ذات الحدة القوية.
روح المواطنة والتسييس
إن الممارسة الانتخابية ـ انطلاقا من الاجراء المتعلق بالتسجيل (وإعادة التسجيل) وصولا الى لحظة التصويت ـ هي قبل كل شيء خاضعة بشكل واسع للعلاقة التي يقيمها الافراد مع المعايير السائدة اجتماعيا. فيما نسميه «روح المواطنة» ينبئ بشكل كبير بفرص التصويت أو العزوف، وقبل ذلك بمسألة التسجيل في القوائم الانتخابية. كذلك يخلق التسييس في الغالب الفرق بين هؤلاء الذين نجدهم بانتظام في صناديق الاقتراع وبين هؤلاء الذين لا يتوجهون إليها على الاطلاق أو فقط بصفة استثنائية، فهذا التسييس يفهم بشكل كلاسيكي على انه الاهتمام الذي يوليه الافراد للسياسة، بحيث ان هذا الاهتمام يتوقف بشكل كبير على مستوى الكفاءة في هذا المجال، لأنه لا يمكن مسايرة وإعطاء معنى لهذا النوع من الانشطة المتخصصة التي تمثلها الانشطة السياسية إلا إذا كنا قادرين على استخدام والتعامل مع الاصناف والمفاهيم المستخدمة من طرف المتخصصين في السياسة.
من المؤكد ان هذا التعريف التقليدي للتسييس لا يستنزف مسألة علاقة الافراد مع الحقل السياسي. ثمة في الواقع أنماط تقويم غير سياسية لما هو سياسي: مثلا النظرالى مرشح من جانب ما يستشف من مظهره البدني، من طريقته في الكلام والحديث أو من طريقته في الجلوس أو الوقوف مثلا. كذلك ثمة جوانب من الكفاءة لا تكون مستعارة مباشرة من حقل الانشطة السياسية المتخصصة لهؤلاء الذين هم غير متمكنين ـ أو فقط بشكل تقريبي ـ من المقولات الخاصة بالسياسة المتخصصة.
على ان التسييس ـ في معناه التقليدي جدا للاهتمام بالسياسة المعتمد على عتبة أدنى من الكفاءة السياسية. يبقى مفهوما مفيدا، بل وضروريا للسوسيولوجيا الانتخابية. يظل التسييس عاملا تكهني بشكل كبير بفرص متابعة الانشطة السياسية المتخصصة، التي تشكل الحملات الانتخابية جزءا منها. ويظل كذلك عاملا تنبئيا بخصوص فرص التصويت على العكس من ذلك، في غياب الكفاءة، ينظر الى اللعبة السياسية على انها سرية أو باطنية وبالتالي منفرة، بالمقابل يكون اللاتسييس حاملا للامبالاة تجاه المنافسة الانتخابية ويولد العزوف عن التصويت.
وإذا كنا مانزال نجد بعض الناس المسيسين، فإننا نلاحظ على العكس من ذلك، الى أي حد ان السياسة غريبة عن اهتمامات الساكنات، بما في ذلك في الفترات الانتخابية، بحيث ان ما يهيمن هي اللامبالاة التامة والعميقة للسكان تجاه الانشطة السياسية المتخصصة. فهذا القصور في المعرفة السياسية لا يؤهل بالطبع الى المتابعة عن قرب للعبة السياسية، وهذا لأنه لا الفاعلون، لا القواعد ولا الرهانات يتحكم فيها جيدا. وكما بينت ذلك الدراسات التي أصبحت من كلاسيكيات السوسيولوجيا، يحدد مستوى الكفاءة السياسية في جزء كبير العلاقة بالسياسة، تلك العلاقة التي ستتم ممارستها والتعامل معها في جوانب أخرى غير سياسية، فالنقاشات التي يخوضها المرشحون على شاشة التلفزيون تبدو للناس باطنية. فكثيرون منهم يؤكدون انهم لا يفهمون ما يقوله المرشحون والسياسيون، إذ يشعرون انهم متجاوزون أمام الخطاب الذي ينصتون إليه، ومادام الامر كذلك فإنهم يتوجهون الى شيء آخر. وهذا «المرور الى شيء آخر» يفسر لدى عدد منهم، سيما غير المسيسين، بتغيير القناة عندما يتعلق الامر بحملة انتخابية. في هذا المنظور تتقلص السلطة المسيسة للتلفزيون. فعندما ننظر الى الشاشة دون ان نشاهد شيئا، وعندما نستمع دون ان نستمتع، فإننا لا نستذكر بالطبع إلا قليلا من المعلومات الخاصة بالانتخابات.
وظيفة المشاركة الانتخابية: المضمر والظاهر
تندرج اللاكفاءة والتسييس الاقل ـ كذلك مما تلاهما: كفاءة وتسييس ـ ضمن علاقات دائرية. فالاهتمام بالسياسة يفضي دائما الى اكتساب مزيد من المؤهلات السياسية التي تعزز الاهتمام بالسياسة، بينما تحول اللامبالاة دون مراكمة لهذه المؤهلات التي من دونها لا يمكن للسياسة إلا أن تبدو خالية من أي مدلول.
التسييس والمشاركة الانتخابيان يعتبران بعدين مستقلين جزئيا. ثمة عدد لا يستهان به من اللامبالين يتوجهون من حين لآخر ـ وربما بانتظام ـ الى مكاتب التصويت. وإذن ليست اللامبالاتية لوحدها عاملا كافيا للإقصاء الانتخابي (الذاتي).
بالمقابل تبدو العلاقة قادرة على ان تكون قائمة بشكل جيد بين التسييس وتواتر المشاركة. يبد الناخبون المسيسون أهمية لنتائج الانتخابية. فهم يستذكرون وينتظرونها ـ دون ان يعتبر مع ذلك انه قد يكون ممكنا ان تكون لها نتائج مباشرة على حياتهم ـ ينتظرونها أحيانا مساء يوم الاقتراع بنوع من الاثارة.
ما يميز الاشخاص الاكثر تسييسا ـ أكثر من مجرد اهتمام ثابت تجاه المشهد السياسي ـ هو تملكهم لأصناف وبنيات الفكر المنتج بواسطة السياسة. فهذان الامران يمنحانهم إطار الادارك العام الاجتماعي الذي يوجه بالمقابل مواقفهم واعتقاداتهم. فالمسيسون يتحدثون عموما (على الاقل قليلا) في وعن السياسة مع محيطهم ويسعون الى جعل هذا المحيط يصوت (مثلهم) يوم الاقتراع.
إن التسليم بأن اللامبالاتية تشكل المنطقة السرية الهيكلية التي انطلاقا منها يجب تفسير المواقف «السياسية» لشريحة واسعة من الجسم الاجتماعي، لا يمكنه إلا أن يؤدي الِى قلب الصيغ المعتادة للإشكالية الانتخابية، قبل البحث عن الاسباب السياسية الصرفة التي قد يمكن ان تكون لدى بعض الناخبين المسيسين للعزوف عن التصويت والمشاركة الانتخابية، من المهم أولا فهم أسباب تصويت هؤلاء الذين ليست لهم البثة مسبقا أسباب سياسية للقيام بذلك لأنهم لا ينتظرون شيئا أو لاشيء تقريبا من وراء السياسة.
بيد أنه إذا كانت الممارسة الانتخابية لا تتوقف فقط على درجة التسييس، فلأن استعدادا قبليا ثانيا، من بين أمور أخرى، يبدو حاسما كذلك. فما يتم التعبير عنه في احترام معيار المشاركة يكشف عن نوع من التطابق الاجتماعي، بحيث يمكن ان ينظر الى مبادرة التصويت ـ في هذا المنظور ـ كجواب إيجابي للحث المتكرر في استحقاقات منتظمة على التوجه الى صناديق الاقتراع. ليس هذا البعد المواطني في التصويت ـ كممارسة لـ «واجب مواطني»، بالضرورة معيشا من طرف هؤلاء الذين يخضعون له، وفقا لنمط دقيق تماما. يمكن لهذا البعد ان يتمظهر وفق نمط عفوي دون ان يتم التعبير عنه بالضرورة بالكلام.
وكما بينت ذلك بعض المقاربات، سيما السيوسيوتاريخية ـ تؤدي المشاركة الانتخابية «وظيفة مضمرة» ليست بالتأكيد أساسية أقل من «وظيفته الظاهرة» لتعيين المسؤولين السياسيين. مهما يكن، فإن بعض أسباب فتور المعيار التشاركي في الانتخابات، تجد لها مصدرا في المسارات العامة للنظام السياسي القائم. هناك مجموعة من العوامل تبدو مساهمة في خيبة الامل مما هو سياسي، بمعنى إزالة القداسة عن الممارسة الانتخابية وتقليص قوي للقدرة الموصوفة للمعيار التشاركي. من بين هذه العوامل تعدد القضايا المصوفة للمعيار التشاركي. من بين هذه العوامل تعدد القضايا السياسية القضائية، تقديم الحقل السياسي من طرف الوسائط على انه عالم قد تكون مبادئ العمل الوحيدة فيه هي الصفاقة والطموحات الشخصية.
بإمكان افتراض ان ضعف وقصور المعيار التشاركي يجد تفسيره جزئيا. في الواقع، في زوال القدسية عن السياسي. كذلك يعتبر زوال القداسة عن السياسي نتيجة تصور يتقاسمه الجميع في العالم السياسي، وهو انه فضاء تحكمه الصفاقة والوقاحة، بل الرشوة. السياسيون لن يذهبوا أبدا الى السجن. بالطبع يجب أن يكون السياسي هو النموذج والقدوة، انه ممثل البلاد، فبدل ان يكون قدوة فإنهم يرتكبون السخافات والحماقات.

السياسة «صنعة للراشدين»
لفترة طويلة لم تقم الدراسات السوسيولوجية علاقات مباشرة بين اللامبالاة السياسية والمشاركة الانتخابية: غياب التسييس أو التسييس الضعيف لم يمنع معظم المواطنين من التوجه بانتظام الى صناديق الاقتراع، فأن تعتبر السياسة بمثابة «صنعة للراشدين»، فهذا ليس شيئا جديدا. إنها أحد الاسباب التي من أجلها يتزايد الاهتمام بالسياسة مع التقدم في العمر بصفة عامة، وبصفة خاصة مع تحمل الدور الذي يرافق صفة الراشد. إذ يجد عدم التسجيل في القوائم الانتخابية، العزوف عن التصويت، وبصفة أعم، اللامبالاة تجاه الانشطة السياسية المتخصصة، يجد كل ذلك مصدره في الامتداد الظاهر دائما للانتقال الى سن الرشد.
تشكل الاسرة مكانا أساسيا في التلقين السياسي. فداخلها يتم التحسيس الاولي وتمرَّر الاهتمامات السياسية والأفضليات الايديولوجية. كذلك تشكل الاسرة هيئة محتملة للتعبئة السياسية والانتخابية. فالتأثير العائلي لا يظهر فقط في نقل توجيه سياسي مستدام للأبناء. بل يتجلى أيضا وأساسا في تلقين الممارسة الانتخابية نفسها ـ التسجيل في القوائم مثلا ـ.
لم تعد السوسيولوجيا تمكن من معرفة المستقبل. من الصعب في الواقع ـ إذا لم يكن مستحيلا ـ استباق تصورات الممارسات، المواقف والعلائق الاجتماعية. من ثم فإن مسار اعتوار التعبئة الانتخابية يعطي صورة عن هذا التشوش الحاصل، ولأن العوامل مصدر الفتور في التعبئة الانتخابية متعددة ولا تختزل كثيرا في السياسة وحدها، فإنه لا أحد بإمكانه استباق تلك العوامل، لذلك فإن التكهن في مجال المشاركة الانتخابية مسألة صعبة ومعقدة بحيث انه قد يكون كاف ان يتغير أحد شروط التعبئة ليتغير الوضع سلبا أو إيجابا.
هامش: (1) كتاب la democratie de l;abstentionلمؤلفيه: سيلين براكونيي، جان ايف دور ماغان، 460 صفحة. تعريب: محمد خير الدين

 

Publicité

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article