مغرب لا يتحرك

Publié le par سعيد صفصافي

سعيد صفصافي

"مغرب يتحرك"، هذا هو الخطاب الجديد الذي ابتدعته بعض الجهات الأجنبية، قبل أن يلتقطه حماة الحفاظ على الوضع القائم ممن يعتبرون في عداد شركاء النظام والمستفيدين منه، من أجل إعادة صياغته ومغربته تم الترويج له، كل بطريقته الخاصة، بين صفوف المواطنين البسطاء الذين، ومن طول انتظارهم وشدة توقهم للتغيير وتعطشهم لشيء يفخرون به في مغربهم أمام شعوب العالم، أصبحت لديهم القابلية على تقبل كل ما تردده هذه الجهات الخارجية على لسان نخبتنا المدمجة إيديولوجيا ضمن النظام السياسي. ومفاد هذا الخطاب أن المغرب يعيش حراكا حقيقيا على كل المستويات وأن شؤون المغاربة هي بخير وعلى خير وفي آيادي أمينة وهي في تطور مستمر وتسير من حسن إلى أحسن.

والحقيقة أن هذا الخطاب، يبقى مجرد دعاية لاتقل، من حيث حمولتها وتوقيت الإعلان عنها، ذكاء عن خطاب "المغرب أجمل بلد في العالم" وخطاب "ملك الفقراء" وغيرها من الخطابات الأخرى التي دأبت نفس الجهات الأجنبية إطلاقها كلما تبين لها أن شوكة الثواقين إلى التغيير بدأت تبرز مقابل ظهور البوادر الأولى لانكشاف زيف خطابات حماة الحفاظ على الوضع القائم، وأن المغرب أصبح في حاجة إلى خطاب جديد يناسب هذه المرحلة، وإلا فإن الأمور قد تسير إلى ما لا تحمد عقباها وقد تتضرر مصالحهم بالمغرب، التي هي فوق كل اعتبار، إلى حيث لا رجعة. لذلك تتدخل هذه الجهات في الوقت المناسب وبالخطاب المناسب الذي يحفظ مصالحها أو يمكنها من تحصيل مكتسبات جديدة بالمملكة الشريفة، وحتى لو عن لها أن تتدخل لصالح دعاة التغيير، فحتما ستتهم من طرف النظام بالتدخل في الشؤون الداخلية للمملكة وإدراجها ضمن لائحة أعداء الوطن الأجانب الذين يجب توخي الحيطة والحذر من مكائدهم.

ولنفس الأسباب نرى نفس الجهات الخارجية، تندد بالانقلابات التي تحدث بين الفينة والأخرى في دول أخرى وتلوح بورقة عدم الاعتراف بالأنظمة الجديدة ومحاصرتها على كل المستويات، ولكن وبمجرد ما أن تتأكد من أن مصالحها في مأمن ولا خوف عليها، حتى تتراجع إلى الوراء، وتكتفي بلعب دور الحكم الماكر، الذي يمكنه أن يرجح كفة من يشاء من الفريقين ومتى يشاء، المهم أن يكون حكمه في خدمة مصالحه.

ومثل هذه الخطابات لاتختلف في جوهرها عن خطاب الابتزاز الذي تسلكه بعض الجهات الأخرى التي كلما أحست ببعض الخطر يتهدد مصالحها أو لمجرد نعثها بما لاتود سماعه إلا وتحركت ملوحة بإشهار ورقة الصحراء في وجه المخزن ليكون لها ما تريد حتى ولو كان ذلك على حساب كرامة الإنسان المغربي، تماما كما وقع مؤخرا مع قائد الجماهيرية العظمى.

وإذا أردنا أن نتساءل عن تجليات هذا التغيير الذي استشعر وجوده هؤلاء الأجانب وطبلت له نخبتنا السياسية التي تآكل خطابها إلى حد الانحلال تبعا للمبدأ القائل "السياسة تستهلك أصحابها" ودون أن نستشعره نحن المغاربة المعنيين، فلا مفر من التفكير بمنطق هؤلاء الأجانب واضعين نصب أعيننا حقيقة أن الركائز والميكانيزمات التي تقوم عليها مجتمعاتهم والتي بفضل توفرها في أنظمتهم السياسية ينعمون بما ينعمون به من تقدم وازدهار ورخاء وحرية تعبير، وهي: الديمقراطية، الحرية، المساواة، العدالة.

وأخذا بعين الاعتبار بخصوصيات نظامنا السياسي القائم على مبدأ الحفاظ على الوضع القائم، سنكتشف في الحين أنه وعلى مستوى الديموقراطية، لا شيء تغير بدليل أن نخبتنا السياسية، لم يطرأ عليها تغيير وكل ما حدث ويحدث هو فقط عملية تطعيمها بعناصر جديدة من خلال القنوات التقليدية التي تقوم على مبادئ التعيين والتوارث والنفوذ، تماما كل هو الحال مع حكومة آل الفاسي. لذلك فحركية النخب عندنا لاتستند كما في الغرب على مبدأ الكفاءة والانتخاب وعدم توارت المناصب أي "الميروتوقراطية" وإنما على مبدأ الأرستقراطية التي تحيل، بإجماع مختلف القواميس الغربية للعلوم السياسية، على انغلاق النخب على نفسها واستحالة اقتحامها من طرف باقي أفراد المجتمع. أما الصراع الذي يبدو محتدما بين الأحزاب السياسية، فلا يعدو كونه صراعا حول العموديات والرئاسيات الجماعية بين عصابات سياسية من أجل الاستيلاء على مصادر الثروة واحتلال المناصب المدرة للدخل وفي تناغم تام مع مقتضيات الحفاظ على الوضع القائم الذي لايحتمل التغيير. وبما أن لا تغيير على مستوى "الديموقراطية" فيستحيل أن يحصل أي تغيير على مستويات الحرية والمساواة والعدالة التي هي لازمة للديمقراطية وشرطا من شروط تحققها.

ولو كان خطاب "المغرب يتحرك" يعكس بالفعل الواقع المعاش للمغاربة، لتمت إقالة حكومة عباس الفاسي ومن معه بتهمة الإخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية وإفقار الفقراء وإثراء الأغنياء والكذب على الشعب والتلاعب بالأرقام والتورط في توظيفات مشبوهة لصالح المقربين، ولكانت حفصة أمحزون مع زوجها وباقي أفراد العصابة حاليا وراء القضبان باسم العدالة والمساواة وجزاء سرقتهم لنعاج الغير وبعجها، ولكانت جريدة "تيل كيل" أو شقيقتها "نيشان" في هذه اللحظة بين أيدي مواطن جالس في مقهاه المفضلة يحتسي ما يحتسي وهو يدلي برأيه لمن حوله بخصوص رقم ال90 الذي قد يبدو له مبالغا فيه، ولطرد طردا ذاك السفير النرويجي الذي تورط في اختطاف وتهريب مواطنين مغاربة إلى خارج الوطن.

وباختصار لو كان الأمر كذلك لأصبح المغرب لجميع المغاربة.

Publicité

Publié dans Actualité

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article