نقص المعرفة لدى الأمريكيين في ظل إعلام هائل
في عالم حافل بمصادر الأخبار بدءا من المصادر التقليدية كالصحف المطبوعة والأخبار التي تبثها شبكات الكابل والبرامج الإذاعية – إلى المصادر البديلة الأكثر حداثة ومعظمها عبر شبكة الانترنت مثل مواقع "الـبلوك" التي تتناول الأخبار وتسمح لزوارها بالتعليق عليها ومواقع "ماي سبيس و يوتوب"وغيرها يجد الأمريكيون أن في متناول أيديهم المزيد من الأخبار والأحداث الراهنة عن ذي قبل.
ولكن السؤال هو، هل أن الأمريكيين مستعدين فعلا لتقبُل معلومات معرفية عمومية وإن كانت خارج نطاق اهتماماتهم اليومية أم أنهم أصبحوا غير مبالين بأن يكونوا أقل معرفة؟
طبقا لما أورده تقرير متخصص عن حالة وسائل الإعلام الإخبارية لعام 2007 فإن ما يقرب من 141 مليون أمريكي يترددون على شبكة الأنترنت للإطلاع على الأخبار والأحداث الراهنة، بحسب تقرير واشنطن.
كما أورد "سكور كوم"وهو موقع إليكتروني لقياس معدلات استخدام شبكة المعلومات بين الأميركيين أن ما يزيد على 30 بالمائة من إجمالي مستخدمي شبكة الأنترنت في الولايات المتحدة ترددوا على مواقع "بلوك"في الربع الأول من سنة 2005. وفيما يُحمل مستخدمو شبكة المعلومات الأخبار للإطلاع عليها ويتنقلون بين المواقع المختلفة وراء الأخبار العاجلة فان مستقبل الإعلام الجديد يبشر بالأمل بالنظر إلى السرعة التي يمكن بها توصيل المعلومات وتحديثها.
وفيما يتزايد انتشار رقعة وسائل الإعلام الجديدة على نحو متصل وتتوفر الإخيارات سواء في أماكن بيع الصحف المطبوعة أو على شاشات التليفونات المحمولة أو عبر شبكة المعلومات يتبادر إلى الأذهان سؤال :
هل أصبح الأمريكيون اكثر علما ودراية؟ الإجابة المؤلمة ببساطة هي النفي.
فهناك أعداد أقل من الأمريكيين الذين يعرفون من هو نائب رئيس الولايات المتحدة في سنة2007 بالمقارنة مع هؤلاء الذين أمكنهم تحديد هوية نائب الرئيس في سنة 1989 – وذلك طبقا لنتائج بحث أجراه مركز "بيو" السنة الماضية.
ولكي نتحرى الدقة فإن 69 بالمائة فقط من الأمريكيين أمكنهم تحديد هوية "ديك تشيني" كنائب للرئيس - وهو الرجل الذي يعتبره الكثيرون السياسي الأكثر نفوذا في الولايات المتحدة – بينما تمكن 64 بالمائة من الأمريكيين من تسمية نائب رئيسهم "جورج دبليو بوش" في سنة 1989.
وحاليا هناك عدد أكبر من الأمريكيين الذين يمكنهم التعرف على ممثلة ونجمة موسيقى البوب "بيونس كنوولس"أكثر من معرفتهم "باراك أوباما" السيناتور الأمريكي الساعي لخوض الإنتخابات الرئاسية.
وحتى لا نظلم الرأي العام الأمريكي فإن الأمريكيين يشاهدون وجهة نجمة البوب ويستمعون إلى صوتها بنسب تزيد عن مشاهدتهم أو استماعهم إلى السيناتور "أوباما".
وهناك 93 المائة من الأمريكيين الذين يمكنهم التعرف على حاكم ولاية كاليفورنيا نجم هوليوود السابق "أرنولد شوارزينيغر" بينما يمكن 36 المائة فقط التعرف على شخص الرئيس الروسي.
وفيما يتوفر للأمريكيين المزيد من مصادر الأخبار فانهم لا يعرفون إلا النذر اليسير عن العالم من حولهم. فقد أشار التقرير الذي أصدره مركز أبحاث "بيو" أن الأمريكيين الذين يستفيدون من مصادر الأخبار المتاحة يصبحون أكثر دراية ومعرفة بالأحداث بالمقارنة مع الأشخاص الذين يقرأون ويشاهدون ويستمعون إلى الأخبار عبر منفذ إعلاني واحد.
ويضيف التقرير أن 73 بالمائة من الأمريكيين الذين لا يطلعون على الأخبار من أي مصدر إخباري تم تصنيفهم في خانة من لا تتوفر لديهم المعرفة في حين أن 50 بالمائة تقريبا من المصنفين ضمن من تتوفر لديهم المعرفة يستقون معلوماتهم من سبعة مصادر إخبارية مختلفة على الأقل.
وربما لا يحقق المزيد من الخيارات الإعلامية معرفة أكبر لدى الأمريكيين لأن المزيد من الإطلاع والمشاهدة والإستماع يحقق المزيد من الإدراك والمعرفة.
ومن المؤكد أن الإطلاع على مزيد من الأخبار يزيد على نحو إجمالي معرفة الأحداث الراهنة والشؤون الدولية – لكن نوعية البرامج الإخبارية التي يسعى الأمريكيون إليها تؤثر هي الأخرى على قدر المعرفة التي يتلقونها.
وكما أورد تقرير مركز "بيو" فان 54 بالمائة من مشاهدي البرامج التليفزيونية اليومية التي تتناول الأاخبار على نحو هزلي وانتقادي يُصنفون في خانة من تتوفر لديهم درجة عالية من المعرفة. وعلى النقيض فإن 35 بالمائة فقط من مشاهدي قناة "فوكس" الإخبارية صُنفوا في نفس الدرجة.
وفيما تؤثر نوعية البرامج الإخبارية على حجم المعرفة لدى الأمريكيين فإن من المهم ملاحظة أن نوعية المصدر الإخباري لا تحقق ذلك التأثير. وقد أشار تقرير مركز أبحاث "بيو" إلى أن بعض المصنفين ضمن من تتوفر لديهم درجة كبيرة من المعرفة ومن لا يتوفر لديهم قدر كاف منها هم أناس يستخدمون شبكات الكابل وشبكة الأنترنت والإذاعة.
وبالمثل فان 52 بالمائة ممن يقرأون الصحف الأمريكية الرئيسية سواء المطبوعة أو المنشورة عبر شبكة المعلومات لا يعرفون شيئا عن الطائفة السنّية في الإسلام بينما يعرف تلك المعلومة 32 بالمائة فقط من إجمالي الأمريكيين.
وربما كان نقص المعرفة بين الأمريكيين في الفترة ما بين سنتي 1989 و2007 كما أورد تقرير مركز أبحاث "بيو" راجعا إلى عدم القدرة على التمييز الصحيح وسط ذلك الخضم الهائل من وسائل الإعلام الإخبارية.
ويتم تصنيف قراء الصحف بصفة عامة داخل خانة من تتوفر اليهم درجة عالية من المعرفة في الوقت الذي يتدني فيه باطراد توزيع تلك الصحف.
وتقول الجهة المسؤولة عن حالة الإعلام الإخباري أن التدني في توزيع الصحف المطبوعة حتي بين الصحف الأمريكية الرئيسية مثل الواشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز وبوسطن جلوب يرجع في جانب منه إلى اتجاه الكثيرين صوب شبكة المعلومات لمعرفة الأخبار وأيضا بسبب قلة الإهتمام بالأخبار بين أبناء الجيل الحالي.
وتبقى عدة أسئلة: هل دفعت وفرة الخيارات الأمريكيين إلى اختيار مصادر الأخبار التي تتمشى مع معتقداتهم الخاصة لدرجة أنهم أصبحوا غير مضطرين لمعرفة القضايا التي قد تشكل تحديا لهم وتدفعهم إلى التفكير؟ ومع توفر المزيد من الأخبار الموثوق بها،لماذا وكيف أصبح الجيل الحالي من الأمريكيين غير مبال بأن يصبح أقل علما ومعرفة؟
د.شيماء جيراب
Publicité