أولمرت: سقوط متنكر بالفساد.
هل اطاح الفساد ب "ايهود اولمرت" كما تفيد وسائل الاعلام الصهيونية والعالمية؟ نعم إذا ما اردنا التسليم بالوقائع المنشورة.ولا اذا عدنا الى ظروف سقوط الرؤساء الذي سبقوه فضلا عن حرب تموز ـيوليو عام 2006 .
لنبدأ مع ليفي اشكول الذي قيل انه توفي بالسكتة القلبية عام 1969 والراجح انه مات غما بسبب نهوض العمل الفدائي الفلسطيني وهزيمة قوات النخبة الاسرائيلية في " معركة الكرامة" في غور الاردن وهي الاولى التي تخسرها إسرائيل بعد انتصارها الخاطف في حرب الايام الستة عام 1967 . يذكر ان" الكرامة" شكلت منعطفا تاريخيا في سيرة المقاومة الفلسطينية المستمرة حتى اللحظة.
بعد أشكول تولت الوزراة غولدا مائيير التي هزمت في حرب اكتوبر ـ تشرين الاول عام 1973 واستقالت اثر هذه الحرب 1974 بعد ان هبطت شعبيتها وأصيب مواطنوها باحباط هو الاول من نوعه منذ تأسيس الدولة العبرية. ليخلفها من بعد مناحيم بيغن في العام 1977 الذي سقط هو أيضا بعد انهيار نتائج حرب لبنان عام 1982 و قيل انه تخلى عن رئاسة الحكومة بعد وفاة زوجته والصحيح انه تنحى عام 1983 بعد محاكمات صبرا وشاتيلا واقالة وزير دفاعه ارييل شارون وتحميله مسؤولية تلك المجازر.واستقال اسحق شامير عام 1992 بعد ان عجز عن الرد على سقوط الصواريخ العراقية على تل ابيب خلال حرب الكويت وكانت الصواريخ العربية الاولى التي تسقط في قلب الكيان الصهيوني . واغتيل اسحق رابين عام 1995 لانه ما انفك يؤكد لمواطنيه ان اسرائيل خسرت معركة الاحتفاظ بالاراضي العربية المحتلة وان عليها الانسحاب اجلا ام عاجلا والتفاهم مع ياسر عرفات كي لا تضطر للمجابهة مع التيار الاسلامي الذي يدعو صراحة الى عودة فلسطين من البحر حتى النهر.
واستقال شمعون بيريز عام 1996 بعد فشل عملية "عناقيد الغضب" في جنوب لبنان هذه العملية التي افضت الى اعتراف اقليمي ودولي هو الاول من نوعه بالمقاومة اللبنانية. وقد خلفه بنيامين نتنياهو الذي استقال عام 1999 بعد ان عجز عن الرد على العمليات الاستشهادية الفلسطينية ناهيك عن الخسائر الفادحة التي تكبدتها قواته في جنوب لبنان المحتل وقد مهر استقالته بالتأكيد على اعتزاله العمل السياسي. وفي العام 2001 استقال ايهود باراك بعيد اندلاع "انتفاضة الاقصى" والانسحاب المهين من جنوب لبنان. اما ارييل شارون فقد اصيب عام 2006 بجلطة دماغية ومازال حتى اليوم في حالة غيبوبة ولعله لم يتمكن من مواجهة اثار انسحابه من غزة عام 2005 وتدمير المستوطنات الصهيونية المعمرة فيها منذ العام 1967 .
تفضي سيرة الاستقالات الحكومية في اسرائيل بعد العام 1967 الى تلازم مؤكد بين سقوط الزعماء الاسرائيليين ومعاركهم الفاشلة مع الفسطينيين والعرب. ولئن كان اخراج السقوط يتم عبر انتخابات مبكرة او ماس شخصية فهو من باب ابعاد الحدث عن سببه الحقيقي أي التسليم بهزيمة او بفشل او بالعجز عن المجابهة. لاتخرج حالة ايهود اولمرت عن هذا السياق بل لعلها الاكثر وضوحا منذ نشؤ الدولة العبرية.فقد سقط بتهمة الفساد في حين يعرف هو ويعرف الجميع من حوله ان سقوطه ارتبط عضويا بهزيمته في عدوان تموز ـ يوليو عام 2006 .كان عليه ان يرحل بعيد الحرب مع مرؤسيه العسكريين الذين رحلوا لكنه بقي أو أبقي في منصبه درءا لسمعة الدولة العبرية التي بررت هزيمتها بسؤ الادارة وليس بقوة المقاومة وكان عليها ان تبرر سقوط رئيس وزرائها بالفساد وليس بالهزيمة في الحرب.ذلك ان سقوط اولمرت في حينه كان ينطوي على تسجيل ارقام قياسية بالجملة اولها انه الزعيم الاسرائيلي الوحيد الذي خسر حربا واضحة لا لبس ولاغموض في نتائجها بمواجهة قبضة من المقاتلين اللبنانيين الذين قاتلوا باسلحة فقدت اهميتها العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. وثانيها انه الزعيم الاسرائيلي الاول الذي يسقط بعد شهور من توليه الوزارة ولعل من سؤ حظه انه دخل حرب لبنان بعد اسابيع محدودة من توليه الحكم.وثالثها انه الزعيم الاسرائيلي الاول الذي اضطر لانهاء الحرب في مجلس الامن الدولي على عجل في حين كان العرب في حروبهم السابقة يستعجلون مجلس الامن لوقف القتال.
ورابعها انه الزعيم الاسرائيلي الاول الذي خذل عددا من حكام المنطقة ومسؤوليها الذين محضوه ثقة شبه معلنة وراهنوا على حربه الرامية لتحطيم المقاومة اللبنانية بل ساعدوه في عرقلة مساعي وقف الحرب قبل اسبوعين من نهايتها.وخامسها انه الزعيم الاسرائيلي الاول الذي خسر حربا ضد البلد العربي الاضعف والاصغر حجما جغرافيا وديموغرافيا بين بلدان المجابهة فضلا عن أن العديد من زعمائه يناهض المقاومة ويطالب بنزع سلاحها.وسادسها أن اولمرت هو الزعيم الاسرائيلي الاول الذي يهزم في ظل اختلال كاسح في ميزان القوى العالمي والاقليمي لصالح الدولة العبرية الى حد ان ممثل روسيا في مجلس الامن كان يلح على اللبنانيين لقبول مشروع قرار بانهاء الحرب لصالح اسرائيل قبل ان يعدل موقف بلاده في الايام الاخيرة من الحرب.
موجز القول أن سقوط اولمرت بسبب حرب لبنان كان من شانه ان يدفع بالارقام القياسية المذكورة الى واجهة المسرح وان يزيد حجم الانتصار اللبناني اضعافا اما الفساد الذي اطاح به فهو من النوع الذي لايخلو منه بيت سياسي اسرائيلي واحد. لقد اصيب اولمرت في حرب تموز ـ يوليو 2006 أصابة قاتلة ولعله رضي أن تمهر وفاته بالفساد ومع ذلك لم يخفي عن مواطنيه حقيقة موته عندما حذر في خطبة الوداع: ستندم اسرائيل على كل يوم يمر دون ان توقع السلام مع جيرانها.
فيصل جلول