ما لم تثره 'هيومن رايتس ووتش'

Publié le par المصطفى صوليح

المصطفى صوليح

14/01/2009

 

بشكل متزامن مع الهجمة الشرسة التي تخوضها، على الصعيد الداخلي، أنظمة الحكم اللاديمقراطية في شتى أنحاء العالم ضد حقوق الإنسان المستحقة للأفراد والمجموعات والجماعات بدعوى الحماية من الإرهاب، وبشكل متزامن كذلك مع غلو كبريات أنظمة الحكم الموصوفة بالديمقراطية في توجيه سياسات دولها الخارجية لتأخذ بعدا عسكريا مباشرا أو عبر دول أو جماعات أخرى، وذلك بدعوى تجفيف المنابع الأصلية لما تسميه بالإرهاب الدولي، بشكل متزامن مع هذا وذاك لم تعد مجموعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية تتورع عن الكيل بمكيالين في أدائها لوظيفتها الأصلية المتمثلة في رصد وفضح انتهاكات حقوق الإنسان والضغط من أجل تحسين وضعية هذه الحقوق.
إن المقصود هنا، كنموذج، هو التقرير/الموقف الصادر بنيويورك في صيغة تحقيق عن منظمة 'هيومن رايتس ووتش' يوم 30 كانون الأول/ديسمبر 2008، وذلك بعد ثلاثة أيام على انطلاق العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة الفلسطينية، في تقريرها هذا المعنون بـ 'إسرائيل/حماس: يجب ألا يكون المدنيون أهدافا، عدم الاكتراث بالمدنيين يكمن وراء التصعيد الحالي'، قالت المنظمة إياها على لسان جو ستورك نائب مديرها التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: 'إطلاق الصواريخ على المناطق المدنية بهدف إيذاء وترويع الإسرائيليين لا يوجد له تبرير على الإطلاق، بالرغم من أفعال إسرائيل في غزة (...) في ذات الوقت، على إسرائيل ألا تستهدف الأفراد والمؤسسات في غزة لمجرد أنها جزء من السلطة السياسية التي تديرها حماس، والتي تشمل الشرطة العادية، فقط الأهداف العسكرية هي المسموح بها، وعلى النحو الذي يراعي إلحاق حد أدنى من الخسائر بالمدنيين'.
وقد كان الأجدر القول: قصف غزة بهدف تقتيل وترويع الفلسطينيين لا يوجد له أي تبرير بالرغم من أفعال حماس. أولا يبعث مثل قوله ذاك على الكثير من الارتياب في أغراضه؟ فمن جهة، هل يحق لمنظمة ذات مصداقية أن تتحايل على المؤسسات الدولية ذات الصلة كما على الرأي العام فتساوي بين 'حركة حماس' و'الدولة العبرية'؟ أن تساوي بين 'المقاومة' و'الاحتلال'؟ وهل يحق لذات المنظمة أن تضع في نفس المقدرة وبالتالي أمام نفس التبعات كلا من دولة إسرائيل التي لم تتوقف منذ زرعها في منطقة الشرق الأوسط عن ممارسة العنف الاستعماري الهمجي والممنهج والمكثف والعنصرية والاغتيالات الفردية وعمليات الطرد والتشريد ضد الفلسطينيين/السكان الأصليين لمجمل الأرض التي تحمل اليوم اسمين تقسيميين هما فلسطين و(إسرائيل)، وحركة حماس التي لأسباب داخلية مدعومة من قبل دول الجوار وجدت نفسها رهينة اختيار انفصالي صعب وخاصة بعد نيلها ثقــة انتخابية من قبل سكان غزة حيث تسود كل حالات التدهور الاجتماعي والاقتصادي؟
ومن جهة ثانية، إذا كانت منظمة 'مراقبة حقوق الإنسان' تعتبر أن 'حماس' ينطبق عليها الاتهام بعدم الاحترام لمبدأ من القانون الدولي الإنساني المتمثل في حظر 'أعمال العنف أو التهديد بالعنف التي تستهدف أساسا نشر الذعر بين السكان المدنيين وأعمال العنف أو الرعب التي تجعل المدنيين محل الهجمات' في إشارة، هي الوحيدة المعتمدة في تقريرها المذكور، إلى صواريخ القسام أو القدس أو غراد التي دأبت فصائل المقاومة الفلسطينية على إطلاقها بين الفينة والأخرى على أجزاء محدودة جدا من الأراضي المدعوة بالإسرائيلية، وزادت أعدادها منذ السبت 27 كانون الاول/ديسمبر 2008 إثر شروع الجيش الإسرائيلي في القصف الجوي لأراضي غزة، علما بأن أعداد ضحايا ذلك لم تتعد '19 مدنيا منذ عام 2005 ويشملون من قتلوا حتى الوقت الراهن خلال الاشتباكات الحالية' (الفقرة 13 من التقرير إياه)، فإنها تغاضت عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها وما تزال تصر على ارتكابها دولة إسرائيل ذات الجيش النظامي المدجج بأعتى الأسلحة الأرضية والجوية والبحرية، وذات المقعد في هيئة الأمم المتحدة والمدعومة من قبل دول عظمى تتوفر على حق النقض داخل مجلس الأمن، فباستثناء انتقادها لـ'سياسة إسرائيل التي تقيد بشدة حركة الناس والبضائع إلى غزة ومنها، والمشتملة على الوقود والضروريات المدنية الأخرى، قائلة إن هذه القيود تعد عقابا جماعيا ضد السكان المدنيين، وهو خرق خطير لقوانين الحرب' (الفقرة 14 من المصدر المذكور)، لم تطرح منظمة 'هيومن رايتس ووتش' على الحكومة الإسرئيلية أي سؤال حول معنى قصفها وغزوها الهمجي لغزة. ولم يجشم موظفوها أنفسهم سواء من خلال التحقيق الذي يزعمون أنهم أنجزوه أو من خلال إصدار تقرير تتبعي، عناء تبين أن الحكومة الإسرائيلية قد أخلت بمجموع نصوص القانون الدولي الإنساني، فهي :
1 ـ لم تقم بأدنى شيء من أجل حماية السكان المدنيين، حيث بلغ عدد القتلى/الشهداء بواسطة ترسانتها العسكرية 879 بمعدل 40 قتيلا/شهيدا في كل يوم، وعدد الجرحى 3700 منهم 400 مصاب بجروح خطيرة، وإصابة آخرين بعاهات لن يبرأوا منها أبدا، وذلك حتى يوم 11 كانون الثاني/يناير 2009.
2 ـ فيما يدين القانون الدولي الإنساني بشدة قتل المدنيين في النزاعات المسلحة على نحو منتظم ومكثف، فإنه في حين حاولت منظمة 'مراقبة حقوق الإنسان' من خلال الحالات الثلاث التي تضمنها تقريرها تبرير تدمير القوات المسلحة الإسرائيلية لبيوت فوق رؤوس سكانها وقصف منشآت أخرى آهلة بمدنيين لمجرد الارتياب في كونها أماكن لتخزين أو استعمال الصواريخ التي ترعب المدنيين الإسرائيليين، فإن شمعون بيريس وغيره من كبار ضباط دولته العسكريين لا يدلون للإعلام إلا بما يفيد أن الحالة النفسية لسكان إسرائيل هي أغلى من أرواح مئات الضحايا من الفلسطينيين، وبالتالي فإن قتل الأسر بمجموع أفرادها التسعة أو الاحد عشر أو الإثني عشر ليس جريمة بقدر ما هو أسلوب غير مقبول لكنه شرعي للدفاع عن النفس.
3 ـ في حين يؤكد هذا القانون 'على وجه الاستعجال الالتزام باتخاذ كل التدابير المطلوبة لضمان الحماية والمساعدة اللتين هما من حق الأطفال والنساء'، فإن إسرائيل لا يضيرها أن نصيب هؤلاء من القتل/الشهادة إلى حدود التاريخ أعلاه قد وصل إلى 48' من مجموع الضحايا.
4 ـ فيما يدين القانون إياه 'بشدة المحاولات الرامية إلى تجويع السكان المدنيين في النزاعات المسلحة' و'يحظر استعمال المجاعة كوسيلة حربية ضد الأشخاص المدنيين'، فإن تثبيت سلطات الاحتلال الإسرائيلية للأسلاك والجدران والممرات العازلة ومواصلتها إغلاق المعابر دون عبور المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية اليومية، ودون عبور المدنيين الفلسطينيين للتسوق وكذا دون عبور المساعدات الإنسانية ليس سوى خرق خطير لنصوص القانون الدولي الإنساني.
5 ـ في مقابل 'حظر تهجير السكان المدنيين بالقوة حظرا عاما '، ها هي إسرائيل، بالإضافة إلى سوابقها المشينة في هذا الصدد، لا تكتفي بإخلاء مدنيين فلسطينيين من بيوتهم عبر توعدهم بقصفها فوق رؤوسهم إن لم يغادروها، بل ما أن يتمكن بعضهم من اللجوء إلى أماكن أخرى أممية مهيأة، مثلا، لأغراض اجتماعية أو ثقافية كما هو الحال بالنسبة لمدارس الأونروا، حتى تفاجئهم بغارات جوية وبرية لا توفر للعديد منهم أي حظ في البقاء على قيد الحياة.
يبقى في الأخير التنويه بالاستنكار الذي أبدته 'هيومن رايتس ووتش'، في ما بعد، إزاء استعمال إسرائيل في حربها كدولة احتلال ضد فصائل المقاومة في غزة قنابل الفوسفور الأبيض المحظورة في الأماكن الآهلة بالسكان، غير أن ذلك لا يمنع إبداء الكثير من القلق المشوب بالكثير من الريبة تجاه مواصلة الأمم المتحدة تجميد أنشطتها الإنسانية في غزة، وقرار كل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تعليق عملياتهما هناك، خاصة وأن المسؤول الأول والأوحد عن عدم دخول قرار مجلس الأمن بالتوقف الفوري عن اطلاق النار هو إسرائيل المحتلة أصلا للقطاع والغازية له بشتى الأشكال والأساليب الأشد وحشية، أفلا يكون وراء هذا التخلي خطة تروم إطلاق أيدي الدولة العبرية لتحقيق أهدافها المرسومة خارج كل رقابة؟


' كاتب وباحث من المملكة المغربية

 

القدس العربي ، صفحة رأي ، ليوم 14 يناير 2009

 

Publié dans Actualité

Commenter cet article